الرئيسية / دراسات / الظاهرة الحوثية النشأة وعوامل الظهور- وجدلية العلاقة بالخارج
الظاهرة الحوتية

الظاهرة الحوثية النشأة وعوامل الظهور- وجدلية العلاقة بالخارج

أخذت ظاهرة الحوثية حيّزاً هائلاً من الاهتمام الإعلامي، ومساحة واسعة من الجدل الثقافي والفكري على الصعيدين الداخلي والخارجي. وظهرت كتابات متباينة الوجهة، تأييداً ومعارضة، بدوافع مختلفة.
وإن الباحث الحرّ ليقف محتاراً حين يبحث عن كتاب أو دراسة علمية تتحلّى بقدر معقول من الموضوعية، فلا يجد إلا القراءة ذات اللون الواحد، وبالعين الواحدة، هي عين المحبّ الغالي، أو المبغض الشاني، فتدور كلّها ـ بحسب اطّلاع الباحث الحالي ـ بين ثنائية التقديس والتبخيس، أو الرفض المطلق، والقبول الكامل، وتلك آفة من يكتب في الفِرق والجماعات، في القديم والحديث، إلا من رحم ربك، كما أن ذلك يمثِّل التحدّي الأكبر أمام الباحث الحرّ النزيه، الذي يقوده البحث، لا أنه يقود البحث.
والمفارقة أننا جميعاً نزعم استنادنا في أحكامنا إلى القرآن الكريم، في حين نجد أن منهج القرآن يربّي أتباعه الجادّين على التحلّي بالموضوعية في أسمى معانيها، حتى مع غير أبناء ديننا، وذوي الاختلاف الكلّي معنا، من أبناء الديانات أو الحضارات الأخرى، كما في هاتين الآيتين ـ على سبيل المثال ـ {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً} (آل عمران: 75). {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون…}. (آل عمران: 113-115).

* مراحل التنظيم وتطوّراته:

يتضح من خلال التتبع لمسار الاتجاه الحوثي، أو ما عُرِف بتنظيم الشباب المؤمن، أنه مرّ بمرحلتين مفصليتين في مسيرته، وذلك على النحو التالي:

المرحلة الأولى، مرحلة التأسيس والتكوين:

وتبدأ منذ إعلانه عن نفسه عام 1990م، في بعض مناطق محافظة صعدة (تبعد عن صنعاء 240كم شمالاً)، أي بعيد إعلان الوحدة اليمنية والسماح الدستوري للتعدّدية السياسية إطاراً ثقافياً وسياسياً، بطبيعة المنهج الذي تم تقريره على الطلبة في الفترة الصيفية، وكذا المحاضرات التوعوية وجملة الأنشطة الفكرية والسياسية المصاحبة، والمقدَّمة لمنتسبي هذا التنظيم، أو المنتدى، أو الجماعة، وكانت تتضمن دروساً دينية، كالفقه، والحديث، والتفسير، والعقائد، إضافة إلى أنشطة مختلفة، كالرياضة، وتعليم الخطابة، والأناشيد، والمسرحيات، واللقاءات، والحوارات وغيرها، كل ذلك في إطار برنامج يومي مكون من ثلاث فترات: فترة صباحية، وفترة الظهيرة، وفترة المساء (راجع حوار صحيفة 26 سبتمبر مع محمد يحي سالم عزان في 15 مارس – آذار 2007).
وغدت هذه المراكز قبلة لكثير من الطلاب القادمين إليها من مختلف المحافظات، المعروفة تاريخياً بانتمائها إلى المذهب الزيدي الهادوي، ثم تجاوز الأمر محافظة صعدة إلى العديد من المحافظات والمدن، ذات الطابع الشيعي الزيدي الهادوي، التي فتحت مراكز خاصة بها، وفق المنهج القائم في صعدة.
وبلغ ـ حسب مصدر في صعدة يزعم إطلاعه ـ عدد الطلاب في تلك المراكز نحو 15,000 طالب في صعدة (راجع تقريراً عن النزاع في محافظة صعدة: الخلفية والتطور على موقع (إيرين نيوز) مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية صنعاء في 27/7/2008)، و18000 طالب، بحسب بيان صادر باسم الإثني عشريين اليمنيين (راجع نص البيان في: صحيفة الناس العدد (231)21\12\1425هـ ـ 31\1\2005م).
وتفيد بعض المصادر الصحفية أنه “خلال سنوات قليلة صار للمنتدى أكثر من 67 حلقة تدريس، ومدرسة، تجاوزت صعدة إلى قرابة 9 محافظات يمنية، بل وصلت إلى دول خليجية منها قطر. وللمرة الأولى، نجح فريق من شباب المنتدى المتحمسين في إعداد «منهج دراسي» وطباعته، كان الشرارة التي أشعلت الخلاف، بعد أن كان متوارياً بسبب تداخلات النفوذ الاجتماعي والديني”. (نبيل الصوفي، تفاصيل الثورة الحوثية الشيعية الزيدية مع الحكومة اليمنية ، صحيفة الحياة (3/6/2007م)).
وتفصّل مصادر صحفية أخرى ذلك على النحو التالي: صعدة 24 مركزاً، عمران 6 مراكز، حجة 12 مركزاً، أمانة العاصمة والمحويت وذمار 5مراكز في كل واحدة منها، إب وتعز مركز في كل واحدة منهما (أحمد عايض، الحوثيون والحوزات العلمية ونشر المذهب، موقع أسرار بريس).
ويبدو للباحث أن أحد العوامل الأساسية لقيام تلك المراكز، هو الردّ العملي على التحدّي الذي شكّله قيام مركز (دماج) السلفي التقليدي في مديرية وادعة القريبة من مدينة صعدة، بإدارة الشيخ الراحل مقبل بن هادي الوادعي (ت:1422هـ-2001م): رأس الدعوة السلفية في اليمن، مع ما يُعلم تاريخياً من كون منطقة صعدة تمثّل كرسي الزيدية الهادوية في اليمن.
وقد عُرف عن الشيخ الوادعي، اتسام شخصيته بثقافة سلفية تقليدية هجومية حادّة، ومناظرات تمثلت في جملة إصدارات مطبوعة ككتبه الثلاثة (رياض الجنّة في الردّ على أعداء السنة) و(الطليعة في الرد على غلاة الشيعة) و(حكم القبة المبنية على قبر الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلّم) (جمعت كلّها في مجلّد واحد، 1415هـ، الطبعة الأولى، د.ت، د.م:د.ن)، وسيل من الأشرطة المركّزة ـ بوجه خاص ـ على خصومه الشيعة، سيما في محافظة صعدة. وهو ما قاد الطرف الحوثي إلى ردود فعل، بعضها مطبوع، ومن أشهرها كتاب (تحرير الأفكار) للمرجع الزيدي الهادوي بدر الدين الحوثي أبي حسين الحوثي، الذي خصّصه للرد على بعض كتب الوادعي (تحرير الأفكار، 1415هـ- 1995م، صنعاء: مؤسسة أهل البيت للرعاية الاجتماعية)، وخاصة الكتابان المشار إليهما آنفاً.
وقد أفصح عن ذلك في حوار صحفي حين سئل: السلفيون الآن يزداد تواجدهم، وكان مركزهم في صعدة …كيف تنظر إليهم؟ فقال: “لقد رديت [هكذا والصواب رددت] عليهم، وألّفت ضدّهم كتباً…”، (حوار صحيفة الوسط مع بدر الدين الحوثي، أجرى الحوار جمال عامر، 9 مارس 2005م).
ويبدو أن للفكر التربوي الذي تمكنّت وزارة التربية والتعليم بمناهجها الدينية التوفيقية المعتدلة، وكذا مناهج المعاهد العلمية وأنشطتها البعيدة عن إثارة الروح المذهبية من زراعته في نفوس الناشئة، أثراً إيجابياً في تحقيق ذلك التصالح والتسامح، إلى أن جاءت استثارة النزعة المذهبية من قبل الدعوة (الوادعية)، إلى جانب إحساس عميق كامن تارة وصريح تارة أخرى في نفوس بعض أبناء المذهب الزيدي هنالك، بالقضاء على مذهبهم وضياع تراثهم، واستهدافهم من قبل (الوهابية) القادمة بقوّة من وراء الحدود.
وزاد من حدّة الأزمة ـ كما سيرد لاحقاً ـ تزامن ذلك مع الإعلان عن انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، وما أعلنته من سعي حثيث لتصدير الثورة، فقاد مجمل ما سبق إلى إعادة الصراع جَذِعاً، وجرّ ـ من ثمّ ـ إلى مناصبة كثير من المتمذهبة الزيدية في محافظة صعدة بوجه خاص العداء للفكر السنّي بعامة، بل لقد حدث تراجع محدود لعدد من أبناء الشريحة (الهاشمية) ـ بوجه خاص ـ بمن فيهم بعض المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، عن المنهج السنّي، لصالح المذهب الهادوي أو (الجارودي)، الذي يمثّل الوجه الآخر لبعض متمذهبة الزيدية المعاصرين.

* المرحلة الثانية: مرحلة المواجهة المسلّحة:

ثم تأتي المرحلة الثانية، وهي مرحلة التنظيم المسلّح العلني للشباب المؤمن، أو ما بات يُعرف بجماعة الحوثي، وتبدأ منذ الشهر السادس من عام 2004م، حيث تحوّل التنظيم ـ أو قسم منه ـ إلى تلك الميلشيات العسكرية ذات البُعد الأيديولوجي.
وقد خاض خمس حروب مع الجيش اليمني، على مدى يزيد قليلاً عن أربعة أعوام، بدءاً من 18\6\2004م وحتى 17\7\2008م، وإن تخللت كل حرب وأختها استراحة محارب، رغم الإعلان الرسمي من الجانبين الالتزام بإيقاف الحرب، مع ملاحظة أن المبادرة عادة ما تبدأ من قيادة الجيش اليمني، حيناً، أو من الرئيس اليمني شخصياً حيناً آخر.
ويلفت النظر إلى أن الحرب الخامسة قد توسّع نطاق عملياتها، حيث لم تنحصر على مناطق صعدة، كما حدث في الحروب الأربعة السابقة، بل تفجّرت في بعض المناطق ذات الولاء التقليدي للزيدية الهادوية (الجارودية)، ومن عُمق تلك المراكز (العلمية) التي أنشئت في سنوات سابقة، في إطار نشاط جماعة الشباب المؤمن، ومنها مديرية بني حشيش، إحدى أقرب مديريات محافظة صنعاء، حيث قامت بعض عناصر الحوثي بفتح جبهة جديدة هنالك، استنزفت الجيش اليمني كثيراً.
ومع ما أعلنه الجيش لاحقاً من القضاء التام عليها، إلا أنه من العسير الجزم بعدم تجدّد ذلك مستقبلاً، بالنظر إلى إعلانات مماثلة سابقة، في محافظة صعدة، ما تلبث أن ترد مفاجآت تالية تكشف خلافها، ولعل مردّ ذلك إلى التجذّر الأيديولوجي للجماعة، وتداخل الأيديولوجي المذهبي بالسياسي، والاجتماعي بالاقتصادي والتنموي، ثم ما يتردّد عن اختراقات أمنية تحقّقها العناصر الحوثية عبر بعض الشخصيات النافذة في الجيش اليمني، وبعض أجهزة الدولة ومفاصلها.
وقد أفصح بدر الدين الحوثي عن قدر من ذلك في رسالة منسوبة إليه بهذا الشأن..ولا شك أن للأهداف الانتهازية والمادية الرخيصة أثرها في ذلك، تلك التي لا تجد لها مُناخاً أفضل من مُناخ الأزمات وصناعة الفتن، حيث يثرى فيها تجّار الحروب، وتعلو أسهم ذوي المزايدات:

عوامل الظهور
يقدّم المرجع الشيعي بدر الدين الحوثي فكرة أقرب ما تكون إلى ولاية الفقيه، وإن لم يقصد حقيقة هذا المدلول وأبعاده ومآلاته بالضرورة، تلك التي أتى بها الإمام الخميني للخروج من السلبية التي ظلت ترزح تحتها الإمامية الإثني عشرية طيلة تاريخها المديد، حيث عطّلت الحياة، فلا إقامة صلاة جمعة، ولا جهاد، في ظل غيبة الإمام (الشرعي) الثاني عشر، فارتأى الخميني أن يخرج نظريته المعروفة بـ(ولاية الفقيه) إلى واقع التطبيق، ليتمكن مذهبه من التفاعل الإيجابي مع الواقع السياسي والاجتماعي، عوض الانكفاء الداخلي، إلى حين يخرج الإمام الغائب من سردابه، وليس ثمّة تاريخ محدّد لذلك!
تشكل معرفة القوى والعوامل المؤثرة في بروز أية ظاهرة ـ ومنها الظاهرة الحوثية ـ عاملاً هاماً من الناحية المنهجية، ولاسيما في الدراسات ذات الصلة بأصول التربية وفلسفتها.
ويمكن تقسيم عوامل ظهور الحوثية وبلوغها هذا المدى من التأثير والانعكاس على الوضع العام في اليمن إلى عوامل ذاتية داخلية، انسجاماً مع المنطق القائل: إنه لا يمكن لأية فكرة قادمة من الخارج أن تجد لها قبولاً أو ترحيباً ما لم يكن ثمّة استعداد ذاتي داخلي لدى أهلها، وقابلية لاحتضانها ورعايتها وأخرى خارجية طارئة، مع الإشارة إلى أنّه يتعذر الفصل الكامل بين العاملين، كما يتعذّر إطلاق أحكام جزافية غير محقّقة من مثل أن العامل الخارجي هو الأساس، والفكر الحوثي نسخة مطابقة لغيره، فالحق أن ثمة تداخلاً لا يخفى على متابع جيّد ـ كما سيتضح لاحقاًـ، ويبدأ الباحث بالعوامل الذاتية الداخلية، وذلك على النحو التالي:

أولاً، العوامل الداخلية:

1 ـ جذور التشيّع السياسي:

لاشك لدى المؤرخين أن الفرقة الزيدية المشار إليها آنفاً تمثِّل واحدة من فِرق التشيّع، وإن كان السائد في أدبيات أهل السنّة أنها الأعدل والأكثر قربا،ً من بين فرق الشيعة الأخرى.
وإذا غضضنا الطرف عن التراثين الجعفري الإثني عشري الإمامي والزيدي، بما فيه الهادوي، من حيث الخلاف الكلّي الشهير بين المذهبين، لتتجه أنظارنا صوب الواقع السياسي، على مدى العقود الثلاثة الماضية تحديداً، فسنلفى قدراً من التقارب الملحوظ، بين فرقة الزيدية الهادوية المعاصرة حيناً، والزيدية الجارودية حيناً آخر، وبين الفرقة الأشهر والأكثر اتساعاً وهي الشيعة الإمامة الجعفرية الإثني عشرية، من خلال أرضية التشيّع، بصرف النظر عن اختلاف طبيعة المذهبين، وفلسفة كل منهما، ومدى قيام توجّه مقصود لدى الطرفين لحدوث ذلك القدر من التقارب.
أجل، إن مسألة حصر الخلافة أو الإمامة ـ على سبيل المثال ـ من المسائل المشتركة بين الطائفتين الكبريين في العالم الإسلامي، وهما أهل السنة والجماعة من جهة والجعفرية الإمامية الإثني عشرية من الجهة الأخرى، من حيث عدم الالتفات إلى معايير العدالة والكفاءة والمساواة والحرية من الأساس لدى الإمامية، إذ تعدّها محصورة في اثني عشر إماماً معصوماً، أولهم علي بن أبي طالب، رضي الله عنه (ت:40هـ)، وآخرهم محمّد بن الحسن العسكري المختفي، حسب اعتقادهم، في سرداب بسامراء العراق، حتى خروجه (يقال إنه ولد: 255هـ، ولا يُعرف تاريخ دقيق لاختفائه)، فيملأ الأرض عدلاً، بعد أن ملئت جوراً، وبذلك فهو المهدي المنتظر عندها، في حين لا يلتفت جمهور فقهاء أهل السنة إلى تلك المعايير إلا بعد توافر شرط القرشية أولاً في الخليفة أو الإمام.
لكن سيغدو ـ في نظر الباحث ـ من قبيل تسطيح الأحداث، استنتاج أن الأمر كذلك بالنسبة للزيدية الهادوية المعاصرة ـ دعك من الجارودية ـ في سياق الحديث عن تداخل العوامل الداخلية بالخارجية، حين تحصر حق الخلافة أو الحكم في البطنين (الحسني والحسيني)، في ضوء جملة من المعطيات التي تؤكّد قيام علاقة تأثر معاصرة بالفكر الإثني عشري في بعض الجوانب، وأبرزها الجانب السياسي على نحو ما.
ما يريد الباحث أن يخلص إليه في هذا السياق، أن أرضية التشيّع بين المذهبين الجعفري الإمامي الإثني عشري وبين الزيدي الهادوي قد ساعدت على تقارب في الوجهة بين المذهبين في الجانب السياسي، على سبيل المثال على نحو ما سيتم تناوله بقدر من التفصيل عند الحديث عن العوامل الخارجية الطارئة.
ومع أنه من المقرّرات السائدة في الفكر السياسي الزيدي الهادوي مسألة الحصر في البطنين تلك؛ إلا أن ما يتردّد أحياناً من أحاديث على ألسنة بعض رموز التيار الحوثي أو الذين يعلنون تعاطفهم مع أفكار الحوثي ومطالبه، ممن يؤكِّد انتسابه إلى المذهب الزيدي، وإصرارهم على أن تلك مسألة تاريخية، وأن الدستور والقانون هما اليوم المرجعان الحاكمان لمسار العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أمر يثلج الصدر حقّاً، بيد أنه لا يستقيم مع تصريحات أكبر تلك الرؤوس، وهو المرجع الشيعي الزيدي الأعلى، بدر الدين أمير الدين الحوثي (والد حسين) ـ على سبيل المثال ـ حين صرّح بمسألة الحصر تلك، رغم محاولاته ـ في حوار صحفي شهير ـ تجنّب ذلك، كلما حوصر بسؤال، لكنه اضطر للإعلان بما يعتقد صحته، ولم يقوَ على المداراة، والتعلّق بأهداب نصوص الدستور والقانون.
وحين أبدى مرونة نسبية في إجازة حكم غير الهاشمي، وجّه إليه الصحفي سؤاله قائلاً: “أعتبرها فتوى منك، أنه يجوز أن يحكم أيَّأً كان، ولو من غير آل البيت؟”، فأجابه بدر الدين الحوثي بتفصيل ذلك قائلاً: “هناك نوعان، نوع يسمّى الإمامة وهذا خاص بآل البيت، ونوع يسمّى الاحتساب، وهذا يمكن في أي مؤمن عدل، أن يحتسب لدين الله، ويحمي الإسلام ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولو لم يكن من البطنين” فسأله الصحفي: كيف توفِّق بين هذين النوعين؟ فأجاب: “لا يوجد تعارض لأنه إذا انعدم الإمام يكون الاحتساب” (حوار صحيفة الوسط مع بدر الدين الحوثي، مرجع سابق).
إن هذا الحوار يمثّل مصدراً هاماً في معرفة منهجية الفكر السياسي الحوثي، إذ يقدّم المرجع الشيعي بدر الدين الحوثي فكرة أقرب ما تكون إلى ولاية الفقيه، وإن لم يقصد حقيقة هذا المدلول وأبعاده ومآلاته بالضرورة، تلك التي أتى بها الإمام الخميني للخروج من السلبية التي ظلت ترزح تحتها الإمامية الإثني عشرية طيلة تاريخها المديد، حيث عطّلت الحياة، فلا إقامة صلاة جمعة، ولا جهاد، في ظل غيبة الإمام (الشرعي) الثاني عشر، فارتأى الخميني أن يخرج نظريته المعروفة بـ(ولاية الفقيه) إلى واقع التطبيق، ليتمكن مذهبه من التفاعل الإيجابي مع الواقع السياسي والاجتماعي، عوض الانكفاء الداخلي، إلى حين يخرج الإمام الغائب من سردابه، وليس ثمّة تاريخ محدّد لذلك!
ومهما يكن في ذلك من معالجة مؤقتة لمشكلة تاريخية ودينية مؤرقة، سواء لأتباع الإثني عشرية أم الهادوية القائلة بحصر الإمامة في البطنين؛ فإن ذلك لا يعدو إجراء استثنائياً لا يغيّر من حقيقة أن الأصل هو الحصر في اثني عشر إماماً عند الإثني عشرية أو البطنين عند الزيدية الهادوية، وفي ذلك إشكال حقيقي عبّر عنه العلامة الحوثي بقوله “الانتخاب والديمقراطية طريقة، لكن الإمامة طريقة ثانية”. بل أجاب في موطن لاحق من الحوار ذاته إجابة ذات دلالة جليّة حين سئل: “أنت كمرجع شيعي موجود: هل تقرّ بشرعية النظام القائم؟”، فأجاب: “ما علينا من هذا الكلام لا تحرجني” (المرجع السابق).
والباحث، وإن كان لا ينازع في أن بعض الاجتهادات التاريخية لدى السنة والشيعية ـ على حدّ سواء ـ مما فرضته أحداث أو وقائع تاريخية معيّنة، تدفع الفقهاء الواعين، من الفئتين، لأخذ العبرة منها، لا الدعوة إلى إحيائها وإعادتها جَذِعة اليوم، وكأننا لا نعتبر، بل نريد أن يَعتبر بنا الجيل القادم.
بيد أن حديث المرجع الزيدي الأعلى عن أمر الولاية بهذا الوضوح والصراحة، مما لا يجوز التقليل من شأنه، بوصفه مرجعاً دينياً لا يصدر أتباعه في أي من حركتهم العبادية أو السياسية التي تثير الجدل أو النزاع، إلا وقد اطمأنوا إلى موافقته على ذلك.
من هنا يتفهم الباحث ذلك الحرج البليغ الذي أوقع بدر الدين الحوثي أولاده وأتباعه فيه بعد هذا الحوار، مما دفع ولده عبد الملك، ليبعث رسالة إلى رئيس الجمهورية، بعد نشر حوار والده وما أحدثه من تداعيات سلبية على الفكر الحوثي ودعاته أمام الدولة والنخبة وعموم المتابعين، حتى من المتعاطفين مع حركته، يؤكّد فيها التزامه وحركته بالنظام الجمهوري والدستور والقانون، وأن ما صدر عن والده في حوار صحيفة الوسط، إنما هو حديث عن نظرية زيدية، دون أن يقصد السعي من وراء ذلك إلى تحقيقها على أرض الواقع، نظراً لخطورة المرحلة.
وأبدى استعداده وأتباعه لمد يد السلام والوئام إلى الرئيس (راجع نص رسالته بتاريخ 25\5\2005م في: عادل الأحمدي، (وثيقة)، مرجع سابق، ص 373-375)، كما نوّه في آخر رسالته إلى أنه ـ أي عبد الملك ـ كان قد أرسل تعقيباً على مقالة والده نشرها في صحيفة الوسط ذاتها، بعنوان (المرحلة ليست مرحلة الإمامة).

التكوين العلمي والفكري الأيديولوجي
والسبب الثاني يعود إلى أن جزءاً لا يتجزأ من تكوين حسين الحوثي الفكري والسياسي نابع في الأساس من الفكر السياسي الزيدي، الذي يعدّ الأصل الخامس عنده هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن مستلزمات الإيمان به، الرفض والتمرّد والعصيان.. لقد أضحى الرجل صاحب حضور لافت في بيئته وخارجها، لأسباب مختلفة، لعل في مقدّمتها تلك النزعة الثورية المتمرّدة، في واقع اجتماعي وسياسي بائس، هذا عدا امتلاكه خطاباً جذّاباً في أسلوبه، غير معهود في الأوساط التقليدية، وفي مثل بيئته بوجه خاص؛ فقد غدت شخصيته (كارزمية)

2- التكوين العلمي والفكري الأيديولوجي:

من منطلق اعتقاد الفكر الحوثي بمشروعية سياسية خاصة، نتاج بيئة علمية وتربوية خاصة؛ فإنه قد عمد إلى محاولة تنشئة أتباعه تنشئة تعتمد على بعض الموروث في الجانب الذي يمنحها تلك المشروعية، وإن لم يُعلن عن ملامح تلك التنشئة وبعض تفصيلاتها إلا في وقت لاحق. بل إن المفارقة لتبدو في كون حسين الحوثي ووالده بدر الدين ورفيق دربه عبد الله الرزامي وآخرين، من أمثال المؤسس الأول لتنظيم الباب المؤمن: محمّد سالم عزان، كانوا يداً واحدة ـ حسب رواية الأخير ـ بداية الأمر، تجاه بعض الأفكار المتشدّدة المنصوص عليها في بعض الموروث، غير أنها كانت محلّ نقد وتحفّظ من قبل المرجع الشيعي الأعلى مجد الدين المؤيدي (ت:18\9\2007م)، مما جعلهم جميعاً يسعون إلى إقناعه لرفع ذلك العتب والتحفظ عن مناهجهم الجديدة بعد أن راجعها وصادق عليها بدر الدين الحوثي (حوار صحيفة 26 سبتمبر مع محمد سالم عزّان، مرجع سابق).
لكن سرعان ما نشب خلاف بعد ذلك بين طرفين أحدهما يتزعمه حسين الحوثي والآخر يتزعمه محمد سالم عزان. وفي هذا يقول الأخير: “والخلاف كان بين خطّين: خط يؤيد الانفتاح على الآخر والحوار والتجديد في الفكر، وهذا كان يمثله أربعة من الإدارة وأنا منهم، والخط الآخر يميل إلى إعادة استهلاك الموضوع الثقافي والفكري والتركيز على القضايا التقليدية القديمة، وفي ظل هذا الخلاف والتوتر قالوا لا بد من توسيع الإدارة، ويومها انضم إلينا مجموعة، ومن ضمنهم حسين بدر الدين الحوثي” (حوار عزان مع صحيفة الناس، أجرى الحوار عبد الباسط القاعدي في 9 \إبريل-نيسان 2007م، وراجعه كاملا في: مأرب بريس http://marebpress.net/articles.php?id=1501 ).
ويصف عزان حسين الحوثي بأنه كان فرداً عادياً في إطار منتدى الشباب المؤمن الذي تأسس عام 1990م، “كأي فرد، ولم يكن عضواً في التنظيم حتى عام 2000م، ففي 1999م جاء حسين بدر الدين من السودان في ظل ظروف وملابسات معيّنة، وكان هناك توسع في المراكز. وقد ظهرت بعض الخلافات حينها. وكان هناك رأي بتوسيع دائرة الإدارة وكانت مكونة من 6 أشخاص هم : محمد بدر الدين الحوثي، عبد الكريم جدبان، علي أحمد الرازحي، صالح أحمد هبرة، أحمد محمد الهادي، محمد يحيى سالم عزان” (حوار عزان مع الناس، المرجع السابق).”كما يصفه بأنه كان من التقليديين” (المرجع السابق).
ومنذ العام 1999م، بدأت “المراكز تصنف إلى فريق معتدل وفريق تقليدي، حتى داخل المركز الواحد، كان هناك تصنيف على هذا الأساس. وفي عام 2000م انفصلت المراكز وبدأ الاستقلال واستمرينا [هكذا والصواب واستمررنا] على أهداف وأدبيات الشباب المؤمن، بينما حسين بدر الدين والآخرون الذين انضموا إليه واصلوا في الجهة الأخرى، غيّروا الأهداف”. (المرجع نفسه).
وواضح لمن يتتبع خطاب حسين الحوثي بعد تلك المرحلة (ما بعد 2000م)، أن هذا التغيير الذي يشير إليه عزان قد شمل التكوين الكلي بأبعاده النفسية والتربوية والفكرية والسياسية، لشخصية حسين الحوثي، إذ لم يعد مقلّداً للمذهب الزيدي، ولا متابعاً تقليدياً لآراء فقهائه، كما لا يمكن ـ في الوقت ذاته ـ استنتاج أنه غدا نسخة مستعارة من الفكر الإثني عشري الجعفري، كما يتردّد في الوسط السنّي كثيراً، بل غدا خطابه الفكري الموجّه نحو أتباعه ذا روح انتقائية ثورية متمرّدة، تبدأ من نقد الآخر المذهبي كأهل السنة عامة (انظر: حسين الحوثي ملزمة دروس من هدي القرآن: الثقافة القرآنية، ص 20، بتاريخ 4/8/2002م، أعدّها ضيف الله صالح أبو غيدنة)، ووصفهم بأنهم جميعاً لايخيفون اليهود، بل الشيعة من يفعل ذلك، (حسين الحوثي،ملزمة الصرخة في وجه المستكبرين، ص 5-6، بتاريخ 17\1\2002م، أعدّها ضيف الله صالح أبو غيدنة) أو الوهابية، كما يصفها (المرجع السابق، ص17) أو ابن تيمية من القدماء، (انظر: حسين الحوثي: شريط (1) من معرفة الله ، الدرسان الثاني والثالث) أوالألباني والفوزان (انظر: حسين الحوثي ملزمة دروس من هدي القرآن: الثقافة القرآنية، ص 17، مرجع سابق) والزنداني من المعاصرين (انظر: حسين الحوثي، ملزمة دروس من هدي القرآن الكريم: الصرخة في وجه المستكبرين، ص 8، مرجع سابق) إلى نقد المذهب الزيدي بل اتهام الزيدية ـ سيما المعاصرة منها ـ بأنها لا تقل سوءاً عن (المجبِرة) في باب تأويل بعض آيات الصفات (راجع حسين الحوثي، شريط : لقاء مع المعلّمين في 26 و28\5\2003م، وشريط الزيدية والإمامية (2) د.ت).
وفي حين أشاد بتعلّم اللغة العربية لمعرفة القرآن الكريم فإنه قد شن حملة شعواء على علمي أصول الفقه، وعلم الكلام، حيث نفى أن تكون معرفة القرآن متوقفة على أصول الفقه، بل وصفه بأنه “فنٌ يضرب القرآن ضربة قاضية، يضرب القرآن ضربة شديدة، يضرب فطرتك، يضرب توجهك نحو القرآن، يضع مقاييس غير صحيحة، تدخل إلى القرآن والقرآن بشكل آخر؛ ولهذا نجد أنفسنا كيف أن القرآن لم يعمل عمله فينا، لم يستطع القرآن، لأننا وضعنا عوائق أمام فهمنا له، أمام اهتدائنا به، أشياء كثيرة حالت بيننا وبين أن نفهمه، وبالتالي قتلناه، وأصبحنا أمة ميتة، أصبحنا أمة ميتة، أسأنا إلى أنفسنا، وأسأنا إلى القرآن الذي هو أعظم نعمة من الله علينا” (انظر: حسين الحوثي ملزمة دروس من هدي القرآن: الثقافة القرآنية، ص 17، مرجع سابق).
أمّا علم الكلام (القواعد العقلية في معرفة العقيدة)، فنجده يشنّع عليه أبلغ تشنيع، لأن علماءه- من وجهة نظره- لم يعتمدوا القرآن والفطرة في دراستهم للعقيدة، بل اعتمدوا الفلسفات اليونانية، فتجدهم يعانون من ضعف الخشية لله. ونقل عن القاسم بن إبراهيم (أحد أئمة الزيدية) قوله: “ما خشع متكلّم لله”. كما ضرب المثال في ذلك بابن تيمية الذي اعترف بغزارة علمه ومعرفته الواسعة، لكن إغفاله الأسس القرآنية في دراسة التوحيد، وتأثره بثقافة معيّنة، وبسبب عدم اعتماده على مطلوب القرآن الكريم، وبسبب الضعف في تحقيق لإله إلا الله، جعله يخرج بآراء وصفها بالغريبة الشاذة (حسين الحوثي، شريط من معرفة الله، الدرس (3) رقم (1)، وشريط: من هدي القرآن، معرفة الله، الدرس الثاني، شريط رقم (1)).

* سبب التمرد:

وهذه الروح المتمرّدة في خطاب الحوثي تُعزى ـ في تصوّر الباحث ـ إلى سببين جوهريين:

الأول: كونها مخرجاً تلقائياً للتربية الزيدية الهادوية الأولى، تلك التي تعلي من قيمة النظر العقلي، وتمنح المرء الحق في الاجتهاد إذا ما بلغ الرتبة التي تؤهله لذلك، ولعل حسين الحوثي قد رأى في نفسه أهلاً للاجتهاد، والخروج ـ من ثمّ ـ عن بعض الآراء السائدة في المذهب الزيدي، وهو ما جلب عليه سخط أبرز علماء المذهب، حيث حذّر أشهر رموزه في ختام بيان أصدروه بهذا الشأن، ويحمل أسماءهم وتوقيعاتهم مما وصفوه بـ”ضلالات المذكور (أأي حسين الحوثي) وأتباعه، وعدم الاغترار بأقواله وأفعاله، التي لا تمت إلى أهل البيت وإلى المذهب الزيدي بصلة، وأنه لا يجوز الإصغاء إلى تلك البدع والضلالات ولا التأييد لها، ولا الرضا بها، ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم)، وهذا براءة للذمّة، وتخلّص أمام الله من واجب التبليغ”. (راجع ـ على سبيل المثال ـ بيان من علماء الزيدية (هذا بلاغ للناس ولينذروا به)، منشورة نسخة منه، ضمن وثائق كتاب الزهر والحجر، مرجع سابق، ص 349، كما هو بنصّه في: عبد الله الصنعاني، خلفية الفكر الحوثي ومؤشِّر الاتجاه، جـ2، ص 85-87،1427هـ-2006م، الطبعة ألأولى، القاهرة: دار الأمل).
ومع أن الأمين العام الأسبق لتنظيم الشباب المؤمن، محمّد سالم عزّان، الذي اختلف مع وجهة الحوثي وافترقا إلى طرفين ـ كما تقدّم ـ يقرّ أن هذه الجماعة تنتمي في الجملة إلى الزيدية، إلا أنّه يشايع بيان علماء الزيدية السابق حين قال في حوار صحفي “… ولكن الأفكار التي قامت الفتنة على أساسها غريبة على مذهب الزيدية، ولذلك لم يُقرها علماء الزيدية، ولم يشاركوا فيها، بل حذروا منها ونصحوا بتجنبها” (حوار صحيفة 26 سبتمبر مع محمد سالم عزّان، مرجع سابق).
وقد حاول ـ على سبيل المثال ـ شقيق حسين الحوثي الأكبر، محمّد، التقليل من شأن ذلك الجدل حول العلاقة بالمذهب، في معرض إجابة له على سؤال بهذا الشأن، قائلاً: “هناك بعض المسائل التي يعتبرها البعض من علمائنا مسلّمات لا جدال فيها، كمسألة الاجتهاد، وعلم الكلام، ولا نعني به أصول الدين، ونحوها، ولم يكن الأخ حسين أولّ من تكلّم فيها، بل أولئك العظماء من قدماء أئمة أهل البيت عليهم السلام، كالإمام القاسم الرسّي، والإمام الهادي محمّد بن القاسم، وغيرهم، ومن فتشّ كتبهم عرف ذلك، مع أنه قد لا يوجد عالم من علماء الزيدية إلا وله نظرة في موضوع ما تخالف المذهب…إلخ”، ونصح بقراءة ملازم حسين، والاستماع إلى محاضراته، والحوار والتفاهم.
وحين وجّه إليه سؤال آخر حول بعض علماء الزيدية الذين يرون مخالفة حسين للمذهب، يتهمونه وأتباعه بالدعوة “إلى إزالة الإطارات المذهبية، والمسميات الطائفية، كونها سبب ضعضعة الإسلام. فهل يعني هذا أنّكم بصدد إنشاء مذهب جديد، أم بصدد إنشاء مشروع غير متحقّق في نظر البعض، لإقامة وحدة إسلامية بلا مسمّيات؟”، أجابه بالقول: “نحن ندعو للالتفاف حول القرآن الكريم، وتحكيمه فيما اختلفت الأمة فيه، وتوحّد الأمة لا يكون إلا على منهج علمي وهو الجهاد، في سبيل الله ضدّ المستكبرين في الأرض… أما عن شطر السؤال الأخير، فنحن لم نأت بجديد، حتى يتصور أحد أننا بصدد إنشاء مذهب جديد، وفي المذاهب الموجودة كفاية، وكل ما قاله الأخ حسين مما يستغربه البعض قد قاله غيره كما أسلفنا، وهو في كتب قدماء العترة الطاهرة، وإنما مشكلة البعض هي عدم الإطلاع، خاصة على كتب قدماء أهل البيت عليهم السلام” (راجع: حوار محمد بدر الدين الحوثي، مع صحيفة الديار(اليمنية)، أجرى الحوار في ضحيان بصعدة: أسامة حسن ساري، العدد (75)، ص 13، 28\12\2008م).
والحق أنه مما يستأهل التأمّل الطويل، ذلك التركيز اللافت للحوثية على مصدرية القرآن الكريم، بما يومئ أحياناً إلى ما يشبه الاقتصار عليه وحده، غير أن ذلك يتعارض ـ على المستوى العملي ـ مع الاستناد بين حين وآخر إلى مصدرية السنّة النبوية، مادام مروياً عن طريق أئمة أهل البيت ورجالهم.

الثاني: والسبب الثاني يعود إلى أن جزءاً لا يتجزأ من تكوين حسين الحوثي الفكري والسياسي نابع في الأساس من الفكر السياسي الزيدي، الذي يعدّ الأصل الخامس عنده هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن مستلزمات الإيمان به، الرفض والتمرّد والعصيان، بل المحاربة والثأر على كل حاكم يُعتقد فسقه وفساده (علي عبد الكريم الفضيل شرف الدين، مرجع سابق، ص89-91 91).
ولعل من مظاهر ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما ورد في سياق حديث حسين الحوثي، عمّا وصفه بمحاولات تعميم وزارة الأوقاف والإرشاد (اليمنية) لثقافة طاعة ولي الأمر أيًا ما كان مسلكه (راجع: ملزمة دروس من هدي القرآن: الثقافة القرآنية، ص 19-22، مرجع سابق، والصرخة في وجه المستكبرين،ص6، مرجع سابق).
لقد أضحى الرجل صاحب حضور لافت في بيئته وخارجها، لأسباب مختلفة، لعل في مقدّمتها تلك النزعة الثورية المتمرّدة، في واقع اجتماعي وسياسي بائس، هذا عدا امتلاكه خطاباً جذّاباً في أسلوبه، غير معهود ـ عادة ـ في الأوساط التقليدية، وفي مثل بيئته بوجه خاص؛ فقد غدت شخصيته (كارزمية)، ومن يتابع أطروحاته، لا يمكنه إلا أن يقرّ أن الرجل يأسر الفرد العادي بخطابه، إذ يسعى حثيثاً بكل الأساليب الممكنة لإقناعه بفكرته، وفق منهج علمي ـ أيّاً اختلف معه المرء أو اتفق ـ مستخدماً أسلوب المثال والاستشهاد والمقارنة، ومعمّداً لذلك كلّه بشعاره المصيري (الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام)، وسيأتي الحديث المفصّل عن هذا الشعار في سياق الحديث عن العوامل الخارجية.
ومما يستوقف الباحث في فلسفة التربية الحوثية ـ بوجه خاص ـ مدى التمكّن التربوي الأيديولوجي الذي استطاع حسين الحوثي أن يزرعه في نفوس أتباعه، حتى إن الأخبار التي كانت ترد من أرض المعارك، تفيد بأنهم كانوا في البداية ـ على وجه التحديد ـ لا يفرّون من المعركة، ويستقبلون الموت بصدر رحب، اعتقاداً منهم بالوعد (المقدّس) والنصر الأكيد.
كما أنهم كانوا يرفضون الموافقة على أيّة رؤية أو فكرة تطرح من بعض المرجعيات الزيدية العليا، التي سعت عبر ما عُرف بلجنة الحوار، التي قادها القاضي حمود الهتار مع المعتقلين في السجون الأمنية، لثني أولئك الشباب عن أفكارهم (الحوثية)، وعبثاً حاولت، إذ كانت الأيديولوجيا الحوثية قد تغلغلت في أعماقهم، بحيث كان لسان المقال ـ بحسب بعض رواية أعضاء لجنة الحوار ـ يردّ على كل تلك المرجعيات بالقول: (لا نتراجع حتى يأذن لنا سِيدي حسين) أو نحو ذلك!.
هذا مع الإشارة إلى أن جانباً من تلك الحوارات وإجابات الحوثيين قد تمت بعد مقتل زعيمهم حسين الحوثي، غير أن بعضهم كان يشكّك بحقيقة ذلك، والأغرب أن أباه بدر الدين يشاركهم في هذه الشكوك (راجع ختام حوار صحيفة الوسط مع بدر الدين الحوثي، مرجع سابق). كما رفض أيّ من المعتقلين الموافقة على الخروج من السجن بناء على تعهّد يضمن للجهات الأمنية، عدم قيامهم بترديد الشعار الحوثي الشهير (الله أكبر…الموت لأمريكا…).

الخلافات الداخلية بين مؤسسي تنظيم الشباب المؤمن

يبدو أنه مما عجّل بظهور تنظيم الشباب المؤمن على ذلك النحو، وإحداث تغييرات (دراماتيكية)، قفزت بأحد طرفيه إلى السطح، ومن ثمّ إلى تبني الخيار المسلّح، أيّاً كانت تبريراته،ـ هو احتدام الخلاف الداخلي بين مؤسسيه، وبلوغه ذروة الشقاق، حتى تمايز الطرفان، وانتهى الأمر بسيطرة جناح حسين الحوثي الفعلي عليه.

العامل الثالث: الخلافات الداخلية:

يبدو أنه مما عجّل بظهور تنظيم الشباب المؤمن على ذلك النحو، وإحداث تغييرات (دراماتيكية) قفزت بأحد طرفيه إلى السطح، ومن ثمّ إلى تبني الخيار المسلّح ـ أيّاً كانت تبريراته ـ هو احتدام الخلاف الداخلي بين مؤسسيه، وبلوغه ذروة الشقاق، حتى تمايز الطرفان، وانتهى الأمر بسيطرة جناح حسين الحوثي الفعلي عليه.
ويمكن تلخيص رواية الأمين العام الأسبق، محمّد سالم عزان، بأن بداية الخلاف بدرت حين أبدت بعض المرجعيات التقليدية الكبرى، كمجد الدين المؤيدي، تحفظها على بعض ما يدرّس في تلك المنتديات، بوصفه خارجاً عن السائد في المذهب الزيدي، وتسبّب في (مسخ) الشباب تحت لافتة الانفتاح والتجديد، مما أدى إلى إيقاف الدراسة دورة واحدة، استؤنفت بعد تدخل العلامة بدر الدين الحوثي ومراجعته لتلك المقرّرات، وإقناع المؤيدي بسلامتها، غير أن الخلاف كان قد اشتهر حتى وصل إلى رئيس الجمهورية، الذي قابل الأمين العام عزان، وبعض رفاقه وفي مقدّمتهم حسين بدر الدين الحوثي وعبد الله عيظه الرزامي اللذين كانا عضوين في مجلس النواب آنذاك (عن حزب الحق).
ويحدّد عزان، عام 1999م، لبروز الخلاف بين المجموعة المؤسسة نفسها حول ما ينبغي التركيز عليه أكثر، حيث كان كانت مجموعة يتقدّمها عزان، يرجحون أولوية التركيز على التوسع في الجوانب العلمية، ودراسة الموروث الفكري بجرأة، والإجابة على تساؤلات الطلاب حول المسائل الخلافية بحرية. بينما كان الفريق الآخر ويتقدّمهم محمد بدر الدين يميلون إلى التركيز على جانب العلاقات بين الطلاب، والتربية الروحية، والتقييد بالموروث الفكري وتأكيد العلامات الفاصلة بين المذاهب.ثم تدخل حسين بدر الدين الحوثي أواخر عام 2000م لصالح طرف شقيقه محمد، أي لترجيح فكرة تقديس الموروث، والكف عن التحديث والانفتاح، واعتبر ذلك خطراً ومفسداً لأتباع المذهب.
وهنا يقول عزّان: “وبعد جدل وحوار دام عدة أشهر، اضطررنا إلى توسيع إدارة المنتدى، بحيث شملت: حسين بدر الدين، ويحيى بدر الدين، وعبد الله الرزامي وآخرين. ولكن لم تستمر تلك الإدارة إلا عاماً واحدا، ثم انفرط عقدها، حيث كان الخلاف في أواخر عام 2001م قد قسم الساحة بشكل بيّن، ولم يكن حسين قد أعلن عن توجهه الجديد، إلا أنه كان يصر على الإعلان عن أنه لم يعد هنالك ما يعرف بالشباب المؤمن. ولكننا رفضنا ذلك، وأكدنا تمسكنا بهذا الاسم وبالأهداف التي وضعناها من قبل، والمنهج الذي سرنا عليه فكرياً وثقافياً وسلوكياً. وأطلقت علينا التهم وأصدرت التحذيرات عن مراكزنا، وعرف الخلاف في كل مكان حتى كادت أن تقع بيننا وبينهم مواجهة في بعض مناطق خولان وسحار، ولكننا استمرينا (هكذا والصواب استمررنا) على نهجنا واستمروا على نهجهم حتى وقع التمرد وأشعلت الفتنة الأولى” (حوار صحيفة 26 سبتمبر مع محمّد سالم عزّان، مرجع سابق).
ولا يستبعد الباحث أن مما عزّز من ذلك الخلاف، قيام دعم مالي رسمي للتنظيم هدفه المعلن تعزيز الاتجاه المعتدل بين الفصائل (الدينية). وقد صرّح بذلك الرئيس علي عبد الله صالح في خطابه أثناء اللقاء مع العلماء المصنّفين على المذهب الزيدي، حيث قال: “سارت الأيام وجاءت المظاهرات على السفارة الأمريكية بداية غزو العراق، وإذا ما يسمّى بالشباب المؤمن في مقدّمة الصفوف، فعاتبنا الكثير من القوى السياسية بأن هذا لا يخدم مصلحة اليمن وقلنا لهم: إنكم بذلك تجرّون علينا المشاكل، فقالوا: هؤلاء الشباب حقّك الشباب المؤمن شباب الرئيس، أنت الذي نظمتهم. صحيح أن هناك مجموعة من إخواننا من هنا ومن هنا، قالوا هؤلاء الشباب مؤمنين ومعتدلين [هكذا والصواب مؤمنون ومعتدلون]، ولا يريدون أن يكون لهم ارتباط خارجي مع أية فئة خارجية، فيريدون دعم الدولة، ويبتعدون عن الارتباط أو التبعية الخارجية. وقدّمنا لهم الدّعم. ويعرف الأخ عضو مجلس النواب عبد الكريم جدبان، وأخذوا هذا الدعم على أنّهم شباب مؤمن فقط، إنه إيمان بالله، معتدلين [هكذا والصواب معتدلون] ووسط، غير متعصّبين، تعصّب متطرّف، أو أيّ تعصّب آخر مذهبي”. (خطاب رئيس الجمهورية مع بعض العلماء المصنفين على المذهب الزيدي في 3\7\2004م وانظر: عادل الأحمدي (ملاحق)، ص 259-260، مرجع سابق).
ويصرّح بذلك الأمين العام الأسبق لتنظيم الشباب المؤمن محمّد يحي سالم عزّان في بعض حواراته حين قال في بعضها:” وفي الأخير جاءتنا مساعدة من فخامة رئيس جمهورية ـ رعاه الله ـ فسدّت كثيراً من حاجاتنا، وذلك معروف منه لن ننساه، ولن ننكره وإن التبس أمرنا فالأيام كفيلة بكشف ما غُيّب” (حوار عزان مع صحيفة 26 سبتمبر، مرجع سابق).
ولكن يلاحظ أن هذا الدعم قد اقتصر على طرف دون الطرف الآخر، حيث يقول عزّان في هذا: “الرئيس حينما ظهرت المشكلة بيننا وبين الوالد مجد الدين في صعدة، واشتهرت أن هناك مشاكل وتحزّبات، استدعى الطرفين، فقابل الرئيس مجد الّدين وأصحابه وسمع كلاماً عنّا، ربما مجمله هو أن هؤلاء الشباب طائشون، واستدعانا الرئيس بطبيعة الحال، وشرحنا له منهجنا وكتبنا، وقلنا له بأننا نريد أن نخرج صعدة من حالة العزلة القاتلة التي هي فيها، ونريد أن ننفتح على الآخرين، ونريد أن يعرف الناس أن في الدنيا غيرهم، وأنه يوجد مذاهب أخرى، وأنه يوجد ناس آخرون، ورؤى مختلفة، وأنه بالإمكان احترام الآخرين إلى آخر ما هنالك. الرئيس في الواقع أعجبه الطرح، وقال: “هذا خلاف بين عقليتين وجيلين وهو طبيعي”. وربما كانت قد وصلته تقارير من المحافظة، لأننا كنا نستدعى من المحافظ ومدير الأمن والناحية، ليحضروا ويقيّموا في حالة ما إذا كان خطأ في مسيرتنا، فكانت العلاقة علاقة رضا” (حوار عزّان مع الوسط، مرجع سابق).
ثم سئل عزّان: “هل خرجتم من عند الرئيس باتفاق على دعمه لكم؟”، فأجاب بما حاصله، أنهم الجماعة الوحيدة في البلاد التي ليس لها أيّ مساعدة. وأنهم كانوا يوضحون لمن يدعمهم من فاعلي الخير أنه إذا لم يتم دعمهم فربما مدّوا أيديهم إلى الخارج؟ فسئل: “وبدأ الدعم المالي؟”، فقال: “نعم. دعم مالي فقط ومحدود”. وكم كان هذا الدعم بالتحديد؟، أربعمائة ألف ريال شهرياً، مقابل العمل الواسع جدّا جدّا، وكنا نتقشّف، إلى درجة أن الذين كانوا يريدون إنشاء مراكز، كنا نقول لهم أن يتكفلّوا بـ80% من التكلفة؟” (المرجع السابق).
ومع أن بعض الباحثين يذهب إلى أن أجهزة الدولة المختلفة، تفاجأت بتحوّل حسين بدر الدّين الحوثي وتنظيمه الشباب المؤمن من حركة سعت إلى دعمها، كحركة علمية دينية مسالمة، إلى حركة مسلّحة ومنظّمة ومجهزة بالأسلحة المختلفة، بدأت بالإعلان عن تمرّدها متجهة اتجاهاً آخر (عبد الفتاح محمّد البتول، عصر الإمامة الزيدية في اليمن، ص 378)؛ إلا أن بعض المراقبين يذهبون إلى أن الهدف الأبرز غير المعلن لدعم التنظيم كان تفويت الفرصة على الجماعات الحركية وبعض فصائل السلفية.
ثم إن من المرجّح ـ وفقاً لحديث عزّان ـ أن الدعم قد اتجه نحو فصيله وحده، لذلك حين سئل: “هل كان هذا الدّعم مقصوداً منه مواجهة بدر الّدين الحوثي؟”، أجاب: لا. وفهمت أنّ هذا الدّعم كان لأنّهم رأوا أننا بدأنا ننظر نظرة جديدة، ونفتح آفاق المنطقة، ونجدّد فكرها، وهذا الشيء مطلوب في الواقع؟” (حوار عزّان مع الوسط، مرجع سابق).
وفي سياق مماثل سئل: “هل دعمكم من قبل السلطة في فترة معينة كان بغرض استخدامكم لتصفية حسابات مع جماعات أخرى؟”، فقال: “الرئيس يدعم أكثر من جماعة باعتبار الدعم يذهب إلى اليمن، وكنا من الجماعات الناشئة التي لا عون لنا وكنا نصر على أن يكون انتماؤنا للداخل، فالرئيس شعر بهذا وأراد أن يساوينا ببعض الآخرين لأنهم مدعومون على مستويات رفيعة” (حوار عزّان مع الناس، مرجع سابق).
ويبدو أن لعامل الدّعم ومصدره أثراً لا يخفى في توسيع شقّة الخلاف بين الطرفين. فعلى حين يقرّ محمّد عزان بالدّعم ـ على نحو ما سبق ـ فإن بدر الدين الحوثي ينفي وصول أي دعم، وذلك حين سئل عن دعم الرئيس لحسين؟، فقال: “غير صحيح الرئيس لم يدعم حسين، ولو بريال واحد،ونحن مستعدون لأن نرجع أي ريال للرئيس؟” (حوار بدر الدين الحوثي مع الوسط، مرجع سابق).
ومن ثم، فقد جّر ذلك إلى تساؤلات داخلية لا تخلو من اتهامات مبطّنة وربما صاحب ذلك قدر من التحريض، عن مصدر دعم أيّ من الطرفين. وفي هذا يقول عزّان عن مصدر دعم حسين وأتباعه: “من البديهي أن يكون لدى أية جماعة تتمترس في الجبال منذ سنوات مصادر للدعم، غير أني لا أملك معلومات صحيحة عن مصدر معين، إلا ما أسمع عن دعم تجار لا أعرفهم وتجمعات دينية من خارج اليمن. ومن الطبيعي أن يكون لهم دعم، ولكن ليس من الطبيعي أن لا تعرف الدولة مصدر ذلك” (حوار عزّان مع 26 سبتمبر، مرجع سابق).
على حين، يحصر بدر الدّين الحوثي الدّعم المادي الذي كان يحصل عليه ولده حسين، في المواد الغذائية وما أشبه، وإن كان لا ينفي أن ذلك يأتيه من جهات عدّة، وهو ما يفهم منه جهات داخلية وخارجية. ولذلك حين سئل عن مصدر الدّعم قال: “الباري ـ سبحانه وتعالى ـ،وتأتي له من جهات عديدة، مساعدات عينية تتمثل في المواد الغذائية كالقمح وما أشبه ذلك، وهو يحمل ديوناً كبيرة، ونحن الآن نقضي الديون، وقد كان يكتبها بخطّه إلا أن الدولة أخذتها” (حوار بدر الدين الحوثي مع الوسط، مرجع سابق).
والحق أنه مما يستأهل التأمّل الطويل، ذلك التركيز اللافت للحوثية على مصدرية القرآن الكريم، بما يومئ أحياناً إلى ما يشبه الاقتصار عليه وحده، غير أن ذلك يتعارض ـ على المستوى العملي ـ مع الاستناد بين حين وآخر إلى مصدرية السنّة النبوية، مادام مروياً عن طريق أئمة أهل البيت ورجالهم.

الثاني: والسبب الثاني يعود إلى أن جزءاً لا يتجزأ من تكوين حسين الحوثي الفكري والسياسي نابع في الأساس من الفكر السياسي الزيدي، الذي يعدّ الأصل الخامس عنده هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن مستلزمات الإيمان به، الرفض والتمرّد والعصيان، بل المحاربة والثأر على كل حاكم يُعتقد فسقه وفساده (علي عبد الكريم الفضيل شرف الدين، مرجع سابق، ص89-91 91).
ولعل من مظاهر ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما ورد في سياق حديث حسين الحوثي، عمّا وصفه بمحاولات تعميم وزارة الأوقاف والإرشاد (اليمنية) لثقافة طاعة ولي الأمر أيًا ما كان مسلكه (راجع: ملزمة دروس من هدي القرآن: الثقافة القرآنية، ص 19-22، مرجع سابق، والصرخة في وجه المستكبرين،ص6، مرجع سابق).
لقد أضحى الرجل صاحب حضور لافت في بيئته وخارجها، لأسباب مختلفة، لعل في مقدّمتها تلك النزعة الثورية المتمرّدة، في واقع اجتماعي وسياسي بائس، هذا عدا امتلاكه خطاباً جذّاباً في أسلوبه، غير معهود ـ عادة ـ في الأوساط التقليدية، وفي مثل بيئته بوجه خاص؛ فقد غدت شخصيته (كارزمية)، ومن يتابع أطروحاته، لا يمكنه إلا أن يقرّ أن الرجل يأسر الفرد العادي بخطابه، إذ يسعى حثيثاً بكل الأساليب الممكنة لإقناعه بفكرته، وفق منهج علمي ـ أيّاً اختلف معه المرء أو اتفق ـ مستخدماً أسلوب المثال والاستشهاد والمقارنة، ومعمّداً لذلك كلّه بشعاره المصيري (الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام)، وسيأتي الحديث المفصّل عن هذا الشعار في سياق الحديث عن العوامل الخارجية.
ومما يستوقف الباحث في فلسفة التربية الحوثية ـ بوجه خاص ـ مدى التمكّن التربوي الأيديولوجي الذي استطاع حسين الحوثي أن يزرعه في نفوس أتباعه، حتى إن الأخبار التي كانت ترد من أرض المعارك، تفيد بأنهم كانوا في البداية ـ على وجه التحديد ـ لا يفرّون من المعركة، ويستقبلون الموت بصدر رحب، اعتقاداً منهم بالوعد (المقدّس) والنصر الأكيد.
كما أنهم كانوا يرفضون الموافقة على أيّة رؤية أو فكرة تطرح من بعض المرجعيات الزيدية العليا، التي سعت عبر ما عُرف بلجنة الحوار، التي قادها القاضي حمود الهتار مع المعتقلين في السجون الأمنية، لثني أولئك الشباب عن أفكارهم (الحوثية)، وعبثاً حاولت، إذ كانت الأيديولوجيا الحوثية قد تغلغلت في أعماقهم، بحيث كان لسان المقال ـ بحسب بعض رواية أعضاء لجنة الحوار ـ يردّ على كل تلك المرجعيات بالقول: (لا نتراجع حتى يأذن لنا سِيدي حسين) أو نحو ذلك!.
هذا مع الإشارة إلى أن جانباً من تلك الحوارات وإجابات الحوثيين قد تمت بعد مقتل زعيمهم حسين الحوثي، غير أن بعضهم كان يشكّك بحقيقة ذلك، والأغرب أن أباه بدر الدين يشاركهم في هذه الشكوك (راجع ختام حوار صحيفة الوسط مع بدر الدين الحوثي، مرجع سابق). كما رفض أيّ من المعتقلين الموافقة على الخروج من السجن بناء على تعهّد يضمن للجهات الأمنية، عدم قيامهم بترديد الشعار الحوثي الشهير (الله أكبر…الموت لأمريكا…).

العوامل الخارجية
والحق أن الباحث بعد إطلاعه المباشر على تلك النصوص، وقبل استماعه إلى محاضرة مسجّلة لحسين الحوثي في السياق ذاته، كان يعدّ ذلك الكتاب وما ورد فيه عن اليمن ـ بوجه خاص ـ دليلاً كافياً على صحة الاتهام الذي لطالما وجّه إلى حسين الحوثي، وكان يعتقد كما آخرون أن ما تبناه حسين الحوثي من فكر، إنما يستمد جوهره ـ على الأقل ـ من خلال تبعيته المطلقة لإيران، وأن حركته العسكرية هذه إنما قامت في إطار خطّة محكمة الأبعاد، تتدثر برداء النصوص (المقدّسة) تل

ثانياً: العوامل الخارجية:

ثمّة جملة عوامل خارجية أسهمت بأقدار متفاوتة في أن تبلغ ظاهرة الحوثي ذلك المدى.
وقبل المضي في الحديث عن شواهد هذه العوامل، تحسن الإشارة إلى أن ظاهرة التطرّف والمغالاة في التشيع في اليمن قد لا تخلو من تأثير خارجي منذ القديم، حسبما يذهب إليه بعض الدارسين، إذ يؤكّد أنه كان يفد إلى اليمن بعض الأفراد أو الجماعات من فارس (إيران) لغرض سياحة أو تجارة أو نحو ذلك، لكنهم يعمدون أثناء إقامتهم باليمن إلى نشر مذهبهم (الإمامي) في أوساط العامة (عبد الله السريحي، محقّق ودارس كتاب أدب الطلب ومنتهى الأرب للشوكاني، ص 62، 1419هـ- 1998م، الطبعة الأولى،بيروت: دار ابن حزم وصنعاء: مكتبة الإرشاد).
ويورد الشوكاني (ت:1250هـ) في ترجمته للإمام محمّد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (ت: 1182هـ)، أن فتنة حدثت في أيام الإمام المنصور الحسين بن القاسم (حكم اليمن من سنة 1139-1161هـ)، بسبب أنه اتفق في بعض الجمع أن الأمير الصنعاني لم يذكر الأئمة الذين جرت العادة بذكرهم في الخطبة الأخرى، مما أثار عليه جماعة من آل الإمام مع جماعة من العوام وأعدّوا خطة لقتل الأمير في الجمعة المقبلة.
وكان من أعظم مثيري الشغب والفتنة شخص إمامي قدم من (فارس) يدعى يوسف العجمي، وكان قد حظي بمنزلة رفيعة عند المنصور، إذ صار مدرّساً بحضرته، ولم يطرده من اليمن إلا الإمام المهدي عباس بن الحسين (حكم اليمن من سنة 1161- 1189هـ) على خلفية الفتنة إياها (محمّد بن علي الشوكاني، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، جـ2، ص 134،، د.ت، د.ط، بيروت: دار المعرفة).

* عقيدة تصدير الثورة الإيرانية:

سبقت الإشارة إلى أن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م؛ قد أعلنت حقّها في تصدير الثورة إلى العالم. وسعت عملياً إلى تنفيذ ذلك في بعض الأقطار. وفي وقت مبكّر نسبياً (يناير 1984م) من عمر الثورة الإيرانية، أجرى الكاتب والصحافي المصري فهمي هويدي حواراً حول العنف وتصدير الثورة مع حجة الإسلام هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس الشورى ـ آنذاك ـ حاصله الإقرار أن الثورة لا تجد حرجاً في إيصال صوتها إلى الناس بعيداً عن فرض ذلك عليهم، سيما “أن الأغلبية الساحقة من الشعوب الإسلامية تعاني من مظالم حكامها، الأمر الذي يدفع البعض من أبنائها إلى معارضة الطواغيت في بلادهم بصورة أو أخرى، وربما قوي الأمل لدى أولئك المستعفين بعد النجاح الذي حققته الثورة الإيرانية…” (فهمي هويدي، إيران من الداخل، ص 202-203، 1408هـ-1988م، الطبعة الثانية، القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر).

* الإمامية في فكر الحوثي:

هناك كتاب مثبت في موقع المرجع الشيعي الجعفري علي الكوراني، يسمى (عصر الظهور)، وفيه فصل عن (اليمن في عصر الظهور)، والمقام لا يتسع لإيراد نصوصه، بيد أن فحواه التبشير بقدوم رجل يقال له حسن أو حسين من كرعة بالقرب من صعدة باليمن، يقود ثورة تمهِّد لظهور المهدي الغائب (الإثني عشر) (راجع: موقع الشيخ علي الكوراني العاملي)، وهو ما أثار جدلاً واسعاً عن علاقة ذلك بدعوة الحوثي.
والحق أن الباحث بعد إطلاعه المباشر على تلك النصوص، وقبل استماعه إلى محاضرة مسجّلة لحسين الحوثي في السياق ذاته، كان يعدّ ذلك الكتاب وما ورد فيه عن اليمن ـ بوجه خاص ـ دليلاً كافياً على صحة الاتهام الذي لطالما وجّه إلى حسين الحوثي، وكان يعتقد كما آخرون (راجع على سبيل المثال: عبد الله الصنعاني، الحرب في صعدة، ج2، ص 35-37، مرجع سابق)، أن ما تبناه حسين الحوثي من فكر، إنما يستمد جوهره ـ على الأقل ـ من خلال تبعيته المطلقة لإيران، وأن حركته العسكرية هذه إنما قامت في إطار خطّة محكمة الأبعاد، تتدثر برداء النصوص (المقدّسة) تلك.
بيد أن المتابعة المعمّقة لجملة ما صدر عن الحوثي عبر المحاضرات والدروس والملازم ونحوهما، فرض على الباحث التروّي وضرورة التحليل المعمّق، لهذه المسألة، على نحو ما سيرد توّاً.
وفي ضوء حديث مثير مسجّل لحسين الحوثي عن الإمامية والزيدية، يمكن للباحث في الفكر الحوثي أن يتوصّل إلى حقيقة ما يتردّد عن علاقة بين الحوثي والمذهب الإمامي الإثني عشري.
وحاصل ما دار في حديثه ذاك، ويستسمح الباحث القارئ الكريم لإيراد أجزاء منه وإن طال الاقتباس لأهميته في هذا السياق، أنه بعد تأكيد الحوثي على أن فكرة المهدي المنتظر وكونه من أهل البيت، من حيث هي؛ ليست موضع خلاف لدى عموم المذاهب الإسلامية، ينتقل إلى عقيدة الإمام الغائب، التي تمثل ركناً أساسياً في الفكر الإثني عشري الإمامي، فيوسعها استخفافاً وسخرية ودحضاً وتفنيداً، مبتدئاً بفكرة الغيبوبة تلك، وتصويرها بأنها مؤامرة مصطنعة، نسجت خيوطها في العهد العباسي، بهدف نزع فتيل التشيع وشوكته من النفوس، وتأكيده على عدم ثبوت ولادة ما يسمى بالإمام المهدي الغائب، ومحاججته الجعفرية الإمامية القائلة بذلك، منكراً صراحة وجود إمام غائب يمثّل حجة الله على الناس، داعماً رأيه بعدم معرفة الأمة به، إذ لم يتصل بالأمة، ومؤكّداً أن حجة المهدي على الناس إنما تكون في حال ظهوره، وليس في فترة غيابه التي لا يعلم أحد كم ستستمر.
ويمضي مع القوم في عقيدتهم، فيفترض معهم التسليم بولادته، وأنه لا يزال يعيش إلى آخر الزمن وسيظهر محاججاً إياهم، بقوله فإن “كان المراد بالمهدي هو أنه إمام للأمة منذ ذلك الزمن وعلى امتداد التاريخ وحجة عليهم؛ فلماذا تتحدثون عن ظهور المهدي؟ وعندما يأتي المهدي؟ ودولة المهدي؟ وأنه رجل أعد لهذا العصر المتأخر؟ منطقكم ذا يدل على أن المهدي هو رجل أعدّ لعصر لم يأت بعد، أي فما هو الآن فيه ليس هو فترة دولته ولا فترة حجيته، ولا فترة ارتباط الأمة به”.
والحق أن هذه العبارة وحدها كفيلة بنقض تهمة تحضيره من قبل إيران ليكون الرجل الذي جاءت به الآثار التي أوردها الكوراني في كتابه (عصر الظهور). وقد اطّلع الباحث لاحقاً على نفي الكوراني للتهمة الموجّهة إليه، بكونه المرجع الأول لحركة الحوثي، مشيراً إلى أنه قد أوضح للسفير اليمني بطهران الذي زارهم إلى مدينة قم، أن لا علاقة له بحركة حسين الحوثي، وأنّه ليس اليماني الموعود قائلاً: “وإذ ادّعى ذلك لا نصدّقه، حتى يأتي بمعجزة”. وأكّد في بعض المنتديات أن “كتابه مؤلّف من سنين طويلة، وأنّه ينقل أحاديث شريفة عن النبي والأئمة ـ صلوات الله عليهم ـ، ويتحدّث عن عصر ظهور المهدي، عليه السلام، الذي لا يعلم أحد متى يكون؟ فقد يكون بعد قرون، وليس في الكتاب خطّة مني، ولا توجيه، ولا تحريك، وشخصياً أرى أن القتال وسفك الدماء حرام على الطرفين، وأنّه يجب عليهم حلّ مشاكلهم بالطرق السلمية” (راجع تقرير: محمّد الخامري، إيران تنفي علاقتها بتمرّد الحوثي، موقع إيلاف، 13\إبريل\2005م، وهو مثبت في: عادل الأحمدي (ملحق)، مرجع سابق، ص 292).
ووصف فكرة التعمير الطويل لمن تصفه الإمامية بـ(الإمام الغائب)، بكونه سابقاً للحضارات وكي لا ينبهر بها بـ(المغالطة)، واستشهد بولادة الإمام الخميني من رحم هذه الحضارة الغربية، فهو ابن القرن العشرين، وكان من أشدّ الناس مقاومة لطغيان الحضارة الغربية المعاصرة، دون أن ينبهر بها!
كما ردّ دعوى ظهوره لبعض الإثني عشرية في صورة (شبح)، رغم الزعم بأنه حجة على الناس جميعاً وليس على الإثني عشرية وحدها، بأنه من أساطيرهم، وتساءل: لماذا لم يره أحد من علماء الزيدية الكبار عبر تاريخهم، رغم أن فيهم أئمة وعلماء وعبّاداً وصالحين من المؤمنين بفكرة المهدي وأنه من آل البيت؟
وتساءل بلهجته “ليش ما بيلقاه المهدي هذا”، أي لماذا لم نعثر على المهدي؟ ولفظ (هذا) هنا للتهكّم؟، مستنتجاً أن الهدف من ذلك هو تحقيق الإمامية لمطلب التحوّل للزيدية تحديداً، وعبّر عن ذلك بالقول: “ما بلّا إذا بدا يتحوّل إلى اثني عشري فسيلقى المهدي”، أي أن الشرط لرؤية المهدي الغائب هو البدء بالتحوّل الفعلي إلى المذهب الإثني عشري، وهذا دليل أكثر قوّة على اختلافه مع فكرة إحلال المذهب الإثني عشري في اليمن أو موافقته على عمليات التحوّل التي تقع لبعض أفراد المذهب الزيدي ورجالاته.
ومضى في كشف تلك الأسطورة راجياً ممن يصرّ على أنه رأى المهدي بأن يمسكه ويطلب موعداً للحوثي، كي يأتي إليه ليراه!، “قلنا لواحد منهم طيّب أنت بتشوفه (أي تراه)، رجاء متى ما لقيته حدّد لنا موعد (هكذا والصواب موعداً) معه لنجلس معه ونحن مستعدون، أنت ثقة خلاص متى ما لقيته حدّد لنا موعد(هكذا والصواب موعداً) لنجتمع معه ونؤمن به وننصره”، ووصف ذلك بالخرافة، حين قال: “هذا من الأشياء التي تعتبر خرافة، دعوى أنه لا يراه إلا هم …”.
ثم يأتي إلى تعزيز مناقشته في دحض فكرة الإمام الغائب بما ورد في بعض الروايات الإثني عشرية -وقد أوردها كتاب الكوراني المشار إليه سابقاً وإن لم يذكره بالاسم، من كون الرجل الذي يأتي قبيل ظهور المهدي من اليمن، وان رايته أهدى الرايات، واصفاً لذلك بأنها “إشكالية لديهم”.
وأشار إلى أنهم حاولوا التملّص من ذلك بقولهم: “إنه لا يعني هذا بأنه يمكن أن يظهر وهم ليسوا إثني عشرية، يفترض بأنهم سيكونون اثني عشرية” ثم جاراهم، وقال: “حتى إذا كانوا إثني عشرية؛ فلماذا رايتهم أهدى من راية الخرساني والخرساني هو منهم اليوم…؟ إذا ليش ما يظهر لليمانيين…؟ وهم من سيكونون من أنصار المهدي، واليماني هذا فيهم هو رايته أهدى الرايات؟ مابش (أي لاشيء) مابلا فقط الإثني عشرية (أي لابد من الإثني عشرية)”.
واستغرب أن يترك المهدي ـ مادام موجوداً ـ أتباعه من الإثني عشرية في هذا الاضطراب في فنونهم وعلومهم سواء في التفسير أم الحديث أم الفقه أم الأصول،شأنهم في ذلك، شأن غيرهم من أهل السنّة وغيرهم، مختلفين متنازعين، فلماذا لا يعطيهم المهدي الغائب العلم الحق الذي يرفع النزاع ويقطع الخلاف في العلوم جميعا؟
كما استغرب أن يوردوا حديث: “من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية”، في حين لم يظهر هذا الإمام، ولم يدع الناس إلى بيعته مباشرة! واستهجن اعتقاد أن يكون هناك إمام يعلم الغيب، لأن الأنبياء لا يعلمون الغيب، ولا علي ولا الحسن ولا الحسين، وحشد عدداً من الأدلة من تاريخ آل البيت تدحض جميعها هذا الاعتقاد. مشيراً إلى أن الإمامية طيلة تاريخها تحرّك مسألة آل البيت عاطفياً، وإن بدأوا يحركونها اليوم ثورياً، وتفرّق بين الحسن والحسين، لتعلي من أهمية الأول، في مقابل ازدراء الثاني أو التقليل من شأنه، على حين أن الزيدية لا تفرّق بينهما. وأشار إلى أن فكرة الإثني عشر إماماً عند الإمامية، لا تختلف عن مفهوم عدالة الصحابة عند السنّة، وعقيدة الصليبية عند النصارى، لكنه أشار إلى أن الإمامية بالغت في تضخيم أئمتها إلى حدّ أن جعلت عدد الساعات الإثني عشرة مرتبطاً بكل إمام، فالساعة الأولى باسم الإمام فلان والثانية باسم الإمام فلان وهكذا…إلخ وكذا الأذكار.
واستنكر أن تقدّم الإمامية فكرة الأئمة الإثني عشر، وتعدّها من المسلمات المفروغ منها!! كما استنكر بعض المظاهر التي تقيمها الإثني عشرية عند المشاهد كالسجود عند باب المشهد مستقبلاً القبر نفسه، من غير اتجاه القبلة، وعلّل ذلك بالنسبة للإثني عشرية بطغيان مسألة الأئمة عندهم حتى “تراها وكأنها طاغية على النبوة” فلم تعد لديهم المسألة مستنكرة، تماماً كما طغت مسألة الصحبة عند السنة على النبوة!.
وبرر إعجابه بإيران والخميني ونصر الله أو حزب الله، بجانب الإرادة والحركة والقدرة على التغيير، وليس بمذهبهم العقدي والفقهي، لأنهم تجاوزوا مذهبهم: “نحن لا نلحظ إطلاقاً الجانب المذهبي لديهم، لأنه، كما قلت سابقاً : لو أتأثر بهم مذهبياً لوجدت مذهبهم غيرهم، لوجدت مذهبهم يفرض عليهم أن لا يكونوا على ذلك النحو الذي كانوا عليه. ليس في مذهبهم مسألة ولاية الفقيه ولا حركة ولا حكومة إسلامية”.
وأضاف: “بعض الناس استشكل عندما أتحدّث عن الخميني أو أتحدث عن كذا، لأن هذا قد يؤدي إلى أن الناس يتأثرون بهم مذهبياً، انظر إلى حديثي عنهم أنا أقدمهم كأشخاص جربوا القرآن في تاريخنا هذا، لأن الناس من حولنا ما عاد أصبح يكفيهم نصوص الآيات القرآنية… نقدّمهم كمَثَل ونحن ليس لدينا من كتبهم الفقهية ولا نتأثر بهم اعتقادياً، ولا نلتفت إلى هذا الجانب إطلاقاً”.
وحمل على الزيدية، متهماً أتباعها بأهم صاروا من الضعف، بحيث بات الناس يتخطفونهم من حولهم، مشيراً إلى أنه بدلاً من أن يقدّم الزيدية أنفسهم بأنفسهم، صار الآخرون ـ في إشارة إلى الإمامية ـ يقدّمونهم مشوهَّين. ثم صرّح ـ عقب ذلك ـ بأنه لابد من استنكار تشويه الزيدية من قبل الإثني عشرية الذين يتحرّكون في اليمن اليوم، وأن هؤلاء ليسوا على خط الخميني، وقد بدأت المعاناة منهم (يقصد الإصلاحيين) داخل إيران ذاتها، عندما بدأوا يتخلّون عن فكرة تصدير الثورة.
وحذّر الشباب من الاستعانة بكتب الجعفرية في خطبة أو نحوها لما فيها من السلبيات الكثيرة كدعوى علم أئمة الإثني عشرية الغيب. مؤكّداً على ضرورة إدراك أن السلوك الذي يبعث على الإعجاب بمثل الخميني أو نصر الله، يأتي بمعزل عن مذهبهم!، محذِّراً ـ في الوقت ذاته ـ من خطورة التسهيلات التي تقدّم للجعفرية، ومنوّهاً إلى أن من أخطر القضايا لدى الإمامية: قضيتي الخمس والمتعة، وتكادان أن تكونا من أصول المذهب عندهم، وتساءل مستنكراً: هل يمكن لليمنيين أن يسلِّموا الخُمُس؟ هل يمكن لأهل الجوف ـ مثلاً ـ أن يسلّموا الخُمُس مع أنهم يخطفون الطير من الهواء؟ أمّا المتعة فأكّد أنها لا تنسجم مع مذهب الزيدية وتقاليدهم وشهامتهم وشيمهم. وغمز من انخرط مع الجعفرية وراحوا يدعون إليها بسؤالهم: “لماذا لا تجعفر أخواتك”؟ وحين يراهم يتردّدون قال لهم: “إذاً أنت ماتتشتي (لا تريد) اثني عشر من صدق”، وأردف: المعلوم أن الذين تجعفروا هم رجال فقط، وليس هناك نساء. وأكّد أن اليمنيين يبحثون عن من يعطيهم مصروفاً، كما كان في عهد الإمام أحمد، وفي التاريخ، ولذلك من يذهب إلى حوزة أو نحوها إنما ذهب للبحث عن مصروف من هناك أو” يترزّق الله ويتعيّش”.
ومع أن الجعفرية تعلم بأنه لا يمكن لليمنيين تطبيق المتعة والخمس، فإنهم يقبلونهم “حياهم الله، المسألة مسألة إيجاد طائفة على هذا النحو”. وانتقد بشدّة ظاهرة التبشير بالإثني عشرية في اليمن، وأن البعض تصدّى لها، وأن هناك كتباً تبيّن الفرق بين الإمامية والزيدية، وهو وإن كان يعتقد أن المرحلة ليست مرحلة تخصيص ردود عليهم، لكن إذا استمرّوا في منهجهم في نشر الإثني عشرية فتوعَّد بالتصدّي لهم، مذكّراً بأن لديه من الشواهد ما يجعله قادراً على كشفهم. ثم أكّد أن الزيدية هي أصدق الفرق في ولائها لآل البيت (حسين الحوثي، شريط الزيدية والإمامية، مرجع سابق).

الإمامة في فكر الحوثي استخلاصات ونتائج
ضرورة إدراك أن نشأة حسين الحوثي وتربيته وتفاعله مع المحيط البيئي من حوله، ومع العالم الخارجي، قد أسهم بنصيب وافر، في إخراج (سيكولوجيته) على ذلك النحو.. وإن التأكيد على عدم مشايعة تهمة الارتباط العقدي والمذهبي للحوثي بالإثني عشرية الإمامية، بل وقوفه ضدّها، لا يعني نفي سعي إيران سواء على المستوى الرسمي أم على مستوى بعض المرجعيات اللافت والدؤوب لسيطرة مشروعها المعروف
في ضوء ذلك البيان الصريح الذي أورد الكاتب جوهره في الحلقة السابقة عن موقف الحوثي من الإمامية الإثني عشرية؛ بوسعه استخلاص الحقيقتين التاليتين:
الحقيقة الأولى: ضرورة إدراك أن نشأة حسين الحوثي وتربيته وتفاعله مع المحيط البيئي من حوله، ومع العالم الخارجي، الذي اطّلع على مجريات الأحداث فيه، مباشرة أو غير مباشرة؛ قد أسهم بنصيب وافر، في إخراج (سيكولوجيته) على ذلك النحو.
ولاشك أن سفره في 1994م ووالده إلى إيران، ثم لبنان، جعله يعود أكثر إعجاباً بالتجربة الإيرانية والخمينية وكذا حزب الله، وهو مما استفاضت به محاضراته ودروسه المسجّلة وملازمه، ولا أحسب ذلك موضع نزاع لدى أحد من أتباعه.
بيد أن ذلك لا يعدّ ـ من الناحية المنهجية ـ دليلاً كافياً على تبعية مطلقة لإيران أو حزب الله ومذهبهما الإثني عشري الإمامي، إذ إن دعم إيران المعنوي والمادي لم يقتصر على جهات أو اتجاهات شيعية فحسب، بل ثمّة أطراف سنيّة تعلن اعتزازها بموقف إيران (الشيعية) ودعمها لها، ولعل أنموذج حركة حماس (الفلسطينية) خير شاهد على ذلك.
وإذا صحّت شهادة القائد الميداني الأسبق لتنظيم القاعدة في السعودية محمّد عتيق العوفي بأنه قد انفصل عن التنظيم وسلّم نفسه لأجهزة الأمن السعودية، بعد أن تاكّد له ـ أثناء هروبه إلى اليمن ـ أن هناك دعماً مادياً إيرانياً لتنظيم القاعدة يرد إليها عبر الحوثية (راجع تصريحات العوفي للقناة السعودية الأولى، على سبيل المثال في: صحيفة الثورة، العدد 161208، 1 ربيع ثاني 1430هـ الموافق 28 مارس 2009م، ص 3)؛ فإن ذلك شاهد آخر على أن للسياسة حساباتها أحياناً، بمنأى عن الأيديولوجية والطائفة والمذهب، إذ كيف يجتمع تنظيم، يوصف بأقصى درجات التطرّف السلفي السنّي بتنظيم مضادّ، يوصف كذلك بأعلى درجات التطرّف الشيعي (الإمامي)؟!. وكم من معجب سنّي وغير سنّي، بتجربة إيران والخميني وحزب الله. وكم من معجب بهما ليس متديّناً، بل قد لا يكون مسلماً من الأساس، لأسباب عِدّة، يأتي في مقدّمتها الموقف الصُلب من الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني. وكم من خصم لهما، من أبناء الطائفة ذاتها. وبالمقابل كم من معجب بتنظيم القاعدة (السنيّة) وقادتها المعروفين بسلفيتهم (السنيّة)، من شيعة وعلمانيين ومن أفراد كُثر غير مسلمين كذلك نكاية بالولايات المتحدة وغطرستها!
فلا تلازم إذاً بين إعلان الإعجاب أو حتى تلقي الدعم الإعلامي أو حتى المادي ـ في ظروف معيّنة ـ بتجربة ما وقائد أو قادة ما وبين التبعية العقدية والفكرية المطلقة. وغاية ما في الأمر بالنسبة للحوثية ـ في ظل قيادة حسين الحوثي تحديداً ـ هو أنها قد التقت مع إيران وحزب الله ـ من الناحية العقدية والفكرية ـ على غير تخطيط مسبق في فكرتها الجوهرية المتمثّلة في النيل من كبار الصحابة، سيما أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما-، وجعل الولاية حكراً على آل البيت، وذلك ما لا يمكن إنكاره بوصفه مستفيضاً جدّاً في الفكر الحوثي، وإن اختلفت الحوثية بعد ذلك كليّاً مع الإثني عشرية في مفهوم الولاية هذه وشروطها ومواصفاتها.
وذلك هو جوهر الفكر الزيدي (الجارودي)، الذي بات الباحث مقتنعاً بتوصيف الحوثية في إطاره، سيما في الفترة التي قاد فيها حسين الحوثي تنظيم الشباب المؤمن. ويشاطره في هذا الاستخلاص طرفان من الناحية الفكرية والمذهبية، ووسط، بيد أنهم اتفقوا جميعاً على توصيف الفكر الحوثي ومؤسسه على نحو ما ذهب إليه الباحث.
أمّا الطرف الأول: فسنّي سلفي، وأمّا الآخر، فشيعي جعفري إمامي. أما الأول، فهو الشيخ محمّد بن محمّد المهدي (رئيس جمعية الحكمة اليمانية في مدينة إب)، الذي قال في سياق مناقشة له بهذا الشأن: “ما يتعلّق بالأستاذ حسين الحوثي، فرسائله بعد قراءتي لها، وصلت إلى القناعة التي أجبت عليها في بعض المقابلات الصحفية مؤخراًـ أنه زيدي جارودي متأثر بالإثني عشرية في أمور، فيتكلّم في أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة في رسائله طولاً وعرضاً، وعنده غلو في مسألة إمامة علي بن أبي طالب … وأن المسألة مرتبطة بعلي وذريّته فقط… فعلى كل حال، هو باختصار زيدي جارودي، أخذت ذلك من رسائله، ومن أشرطته …فإذاً لا يمنع من أن أقول لك، إنّه متأثر بالإثني عشرية، مع كونه لا يستطيع أن ينكر أنّه زيدي” ( محمّد بن محمّد المهدي، على هامش حوارات سابقة مع الأستاذ عبد الفتاح الحكيمي، صحيفة إيلاف(اليمنية)، العدد( 65)، ص 13، 3 ذو الحجة 1429هـ- 2 ديسمبر 2008م).
وأمّا الآخر، فهو الطالب الجعفري الذي تحوّل من الزيدية إلى الجعفرية، حسن علي العماد، الذي أجاب عن سؤال: “هل صحيح أن الحوثيين اثني عشرية؟”، فأجاب: “(متأثرين [هكذا والصواب متأثرون] ببعض الأفكار الإثني عشرية” (حوار من إيران مع الطالب الجعفري حسن علي العماد (لم يذكر اسم المحاور)، صحيفة إيلاف (اليمنية،، العدد (65)، المرجع السابق، ص3).
أمّا الطرف الوسط ـ من وجهة نظر الباحث ـ فيمثَله الأستاذ محمّد سالم عزان، الأمين العام الأسبق لتنظيم الشباب المؤمن، الذي خرج على التنظيم بعد بلوغه مرحلة المواجهة المسلّحة مع السلطة، وقد أجاب على سؤال: “هل ارتبطوا بالمذهب الاثنى عشري؟ بـ: “لا”. وحين سئل: فمن من أي أصول استمدت إذن؟”، أجاب: “خليط من كل شيء، بعضها فيها طابع الفكر الجعفري، وبعضها السلفي، لا تستطيع أن تحدّد لها هوية”. (حوار محمّد يحي سالم عزان، مع صحيفة الناس، مرجع سابق).
هذا فيما يتصل بحسين أما بالنسبة للأب بدر الدين، فقد نفى تهمة الجعفرية عنه وعن ابنه. وفي معرض إجابته عن العلاقة مع الجعفرية وإقامة السيستاني علاقة مع الأمريكان في العراق، قال:” إن طريقة الزيدية مختلفة عن طريقة السيستاني الجعفرية”، وفي إجابته على سؤال عن حقيقة اعتناق ابنه حسين للمذهب الجعفري، نفى ذلك، بالقول: “غير صحيح، هذه دعاية كاذبة مثلها مثل ما قالوا إنّه ادّعى النبوة والإمامة، كلّه كذب” (راجع حوار بدر الدين الحوثي مع صحيفة الوسط، مرجع سابق).
ويؤكّد نفي ارتباط بدر الدين الحوثي بالجعفرية السيّد علي يحي العماد (والد حسن المتقدِّم ذكره، وهو من أشهر الشخصيات اليمنية المعروفة بولائها الكبير لآل الحوثي، كما أنّه على علاقة متميّزة ببعض المرجعيات في إيران)نفى أن يكون بدر الدين الحوثي جعفرياً، معلّلاً سبب (هروبه) من إيران ـ بعد أن كان قد أقام فيها فترة قصيرة ـ بأنه تعرّض لمضايقات من بعض المراجع تهدف إلى اعتناقه للمذهب الجعفري، وتخلّيه عن الزيدي، وأضاف العماد أنّه قد تأكّد من حقيقة ذلك من ابنه عصام، وأنّه ـ والحديث لا يزال لعلي العماد ـ صارح باستياء بدر الدين الحوثي أحد أعضاء مجلس الشورى الإيراني، واتهمهم بالتهوّر، ثمّ أكّد موقف بدر الدين من الجعفريه بسماعه شريطاً مسجّلاً لبدر الدين فيه يرفض المذهب الجعفري وينتقده بشدّة، مختتماً حديثه بهذا الخصوص بأن من لا يزال بعد كل ذلك يتهم بدر الدين الحوثي بأنه جعفري”، فهو جاهل، لأنه زيدي متعصّب” (راجع حوار علي يحي العماد مع صحيفة الوسط).
الحقيقة الثانية: إن تأكيد الباحث على عدم مشايعة تهمة الارتباط العقدي والمذهبي للحوثي بالإثني عشرية الإمامية، بل وقوفه ضدّها، كما تقدّم، لا يعني ـ بالمقابل ـ نفي سعي إيران سواء على المستوى الرسمي أم على مستوى بعض المرجعيات اللافت والدؤوب لسيطرة مشروعها المعروف، على كل مكان تستطيع أن تتمدد إليه، أو تجد لها موطئ قدم فيه، انطلاقاً من عقيدة تصدير الثورة المعلن، وما عاد مسلكها في العراق بحاجة إلى مزيد تدليل أو تأكيد.
ويعترف أحد المتحوّلين من الزيدية إلى الإثني عشرية (واسمه حسن علي العماد) بالنفوذ الإيراني، وأنّه صار يهدّد العرب، ولكنّه برّر ذلك بسبب ضيق بعض حكامنا في استيعاب “الشريحة الشيعية في بلادهم، فكان المنفذ الوحيد للتغذية الفكرية الشيعية إيران” (حوار مع الطالب الجعفري، صحيفة إيلاف (اليمنية)، ص، 3، العدد (65)، مرجع سابق). وحين سئل: هل خدم شقيقه عصام الفكر الحوثي من خلال نشاطاته في إيران؟ أجاب: “تجار الفتن، كان لديهم غايتان رئيسيتان [هكذا والأصوب رئيستان] من ضرب الحوثيين، ونجاح هاتين الغايتين مرهون بتحرّك إيران” (المرجع السابق، ص 3).
يذكر أن عصام العماد غدا واحداً من أبرز المتحوّلين إلى الجعفرية في اليمن، بل صار يعرف بلقب (آية الله)، ويرأس ما يسمّى بالمجلس الشيعي الأعلى في اليمن، وإن ظل ذلك عنواناً لا تُعرف له حقيقة على الأرض، مع العلم أنّ عصاماً مختلف اختلافاً شخصياً حادّا مع أخيه حسن.
وفي سياق التأكيد على مدى الجهود المبذولة من بعض الأطراف الإيرانية في سبيل نشر المذهب الجعفري في اليمن، يؤكِّد علي يحي العماد (والد حسن وعصام) أن بعض المرجعيات الإيرانية يئست من محاولة إقناع المرجع الزيدي بدر الدين الحوثي (والد حسين) في التحوّل من الزيدية إلى الجعفرية، مما اضطره إلى الهرب منها، وأنه ـ أي علي العماد ـ قد صارح بعض أعضاء مجلس الشورى الإيراني بذلك، متّهِماً الإيرانيين بالتهوّر، حين وجّه الأخير إلى الأول سؤالاً عن سرّ هرب الحوثي (الأب) من إيران؟ كما أن ذلك لا ينفي وجود قرائن موضوعية تشير إلى تبعية مقصودة مطلقة لبعض أفراد أو قيادات شيعية يمنية، من غير المستبعد أن تستغل العباءة الحوثية لتتدثر بها ـ إذ هي سابقة في صعدة أو غيرها على إعلان تنظيم الشباب المؤمن ـ بهدف إحلال المذهب الشيعي الإثني عشري القادم من إيران وتصديره إلى اليمن.
وتؤكّد ذلك بعض المعطيات الموضوعية على الأرض، مثل تبني بعضهم منظومة الأفكار الإثني عشرية ـ دعك من الصحابة وقداسة آل البيت ـ وتلقينها علانية للناشئة، قبل اندلاع المواجهات المسلّحة في بعض المراكز التابعة لبعض الرموز اليمنية المشتهرة بخلافها مع الفكر السنّي العام، بل إعلان ذلك في بعض الخطب المنبرية ودروس المساجد في أحيان نادرة، والقيام بالتبشير بالفكر الإثني عشري عبر التوزيع المجاني اللافت للإصدارات الشيعية، مع ما يُعلم من مخالفتها للعقيدة الزيدية ومذهبها.
وما صدور بيانين منسوبين في بعض مراحل القتال عن الحوزتين العلميتين بالنجف وقم، ووصف واقع الأحداث في اليمن بأنه اضطهاد للشيعة في اليمن، بقسميها الزيدي والإمامي الإثني عشري (راجع؛ بيان حوزة قم في: عادل الأحمدي، مرجع سابق، 281، ورد علماء اليمن على البيانين في: المرجع السابق، ص 305-306)، إلا تأكيد على أن ثمّة اهتماماً خارجياً علنياً لا يخفى، وأن ثمّة أفراداً من الشيعة الإمامية الإثني عشرية تنشط في البلاد.
وقد صدر بيان منسوب إلى من وصفوا أنفسهم بالإثني عشرية اليمنيين، صوّروا فيه الشيعة الزيدية والإثني عشرية، بأنها مضطهدة منذ قيام الثورة اليمنية في سنة 1962م، وأنه تم منذ ذلك التاريخ وبعده إعدام المئات من علماء الحوزة العلمية وطلبتها…إلخ (راجع نص البيان في صحيفة الناس، مرجع سابق).
ويصرِّح حسن علي العماد، بأنه “شيعي جعفري إثني عشري”، جواباً على سؤال عن مذهبه (حوار مع الطالب الجعفري حسن علي العماد، مرجع سابق، ص 3). وحين سئل: “هل هناك مذهب اثتي عشري في اليمن؟ ومنذ متى؟ وكيف انتشر؟”، أجاب: “التشيع الإمامي الإثني عشري كان يظهر في اليمن ويقمع بشكل أو بآخر، حتى يقال إن المطرفية الذين عاصروا الإمام عبد الله بن حمزة كانوا اثني عشرية، وأيضاً في زمان المتوكّل على الله إسماعيل (ع) في مناطق بني مطر وخولان، كان يؤذّن الشيعة بأشهد أن عليّاً ولي الله، ولكن وكما ذكرت سابقاً، الحريّة العقائدية والفكرية التي عشناها من التسعينات إلفى 2004هـ لم يسبق لها مثيل في اليمن، وهي المرحلة الحقيقية التي نستطيع أن نقول إن وجود الإثني عشرية بدأ منها”. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين قال: “أنا ذكرت بالدليل الجامع أن التشيّع الإثني عشري دخل إيران من اليمن”. ويبرّر تحوّله من الزيدية إلى الإثني عشرية، بقوله: “الزيدية تحكم اليمن منذ أكثر من ألف سنة، وهذا المدّة تجربة كافية لأي فكر أو نظرية أو مذهب حاكم لتثبيت السعادة المطلقة للبشرية، لكن هذا لم يتحقّق، إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على فشل هذه النظرية” (المرجع السابق، ص3). وقد مرّ بنا أن شقيق حسن العماد عصام، أعلن ترؤسّه لما يسمّى بالمجلس الشيعي الأعلى في اليمن!

مستقبل الحوثية
ولعله من المرجّح أن الأمر قد استقرّ على الرفض، إذ لو كانت المسألة تحلّ سياسياً ـ من وجهة نظر الحوثيين أو بعضهم على الأقل ـ بتشكيل حزب سياسي، فإن حزب الحق، يمكن أن يستجيب لمطالبهم إلى حدّ بعيد، فينضووا في إطاره، وهو حزبهم الأصلي، قبل أن يقدّم معظمهم، وفي مقدّمتهم حسين الحوثي، استقالتهم منه، وله تسجيل قانوني سابق في لجنة الأحزاب، ولا يستدعي سوى إعلان هذه الأخيرة رفع الحظر عنه، بعد أن طلب منها أمينه العام الأسبق أحمد الشامي حلّه، نظراً لصعوبات فنية وقانونية واجهته، مع أنّه عملياً قائم يمارس نشاطه، كأي حزبي علني مشروع آخر. ..
عند الحديث عن مستقبل الحوثية، فإن ثمّة من قد يختلف مع هذا العنوان ابتداءً، إذ يعتقد أن الحوثية قد دُفِنت ساعة إعلان إيقاف الحرب الخامسة، ولربما كان يعتقد الاعتقاد ذاته، ساعة القضاء على التمرّد الحوثي في الجولات السابقة، لكن لا أحد ـ في الوقت ذاته ـ بوسعه أن ينكر أن الظاهرة الحوثية ليست ظاهرة بسيطة، بل تؤكِّد كل الشواهد أنها ظاهرة معقّدة، ذات بُعد أيديولوجي وتربوي وتاريخي، وسياسي متشابك متداخل، ولذلك فتحسن الإشارة إلى أن المقصود بالمستقبل هنا احتمالات ثلاثة تسير في ثلاثة اتجاهات هي: الاتجاه العسكري والإعلامي، والاتجاه السياسي والتنظيمي، والاتجاه التربوي والفكري. وسيبدأ الباحث بالأول منها، وذلك على النحو التالي:

أولاً: الاتجاه العسكري والإعلامي:

إذا استحضرنا جملة العوامل والملابسات التي أسهمت في تأسيس تنظيم الشباب المؤمن في طور المواجهة المسلّحة، وما آلت إليه الأمور بعد ذلك حتى الإعلان عن إيقاف الحرب الخامسة؛ فإنه بات من الواضح جدّاً أن إيقافها لم يتم بناء على حسم عسكري لأيّ من الطرفين، كما لم يكن مبنياً على اتفاق حقيقي، ولو من الناحية النظرية، كما جرت العادة في بعض الجولات السابقة، بل مثّل إعلان رئيس الجمهورية لذلك في 17\\7\2008م مفاجأة بعثت على الدهشة لدى لجميع، إذ في الوقت الذي تعالت فيه صيحات المناداة من بعض الأصوات داخل السلطة بعدم إيقاف الحرب إلا بعد الحسم النهائي، نظراً لتمادي الطرف الآخر، وعدم خضوعه لصوت العقل والحكمة، والاستفادة من روح التسامح التي تمت معه في الجولات السابقة؛ يصدر قرار الإيقاف.
غير أن عبد الملك الحوثي قد أفاد بعد نحو أسبوعين من إيقاف الحرب؛ بأن إيقافها تم “عن طريق تفاهمات ثنائية عبر وساطات محلية من أبناء المحافظة …. الشيخ فارس مناع والأخ دغسان احمد دغسان و الاخ علي ناصر قرشة وغيرهم قاموا بجهود كبيرة تكللت بالنجاح وقد كان بواسطتهم”..
وحين سئل: “هل وقف الحرب تم على أساس بنود اتفاق الدوحة أم أنكم من طلب وقف الحرب بعد تضييق الخناق عليكم كما تقول بعض الصحف!؟”، أجاب: “هناك تفاهم شفوي بوساطة محلية وفي البداية حدثت تفاهمات على هدنة يتم خلالها إيصال الأغذية والأدوية للناس في صعدة وغيرها ثم أوقفت الحرب بقرار من السلطة أثناء الهدنة”، راجع حوار عبد الملك الحوثي مع صحيفة الثوري (لم يُذكر المحاوِر)، المنشور في مأرب بريس، في 31 يوليو-تموز 2008 م).
وأكّد في لقاء صحفي آخر أجري معه بعد أشهر من إيقاف الحرب الخامسة، أن إيقافها “مبني على وقف إطلاق النار وفك الحصار المتبادل ورفع الحملات العسكرية وإيقاف الحشود العسكرية في المرحلة الأولى. وفي المرحلة الثانية الإفراج عن جميع السجناء والإعمار، وتطبيع الوضع العام حتى يعود كبقية البلد”. وردا على سؤال: “ما آخر ما وصلت إليه أعمال لجنة الوساطة برئاسة مناع ولجنة حصر الأضرار والتعويضات؟”، أجاب: “لا يوجد أي بوادر إيجابية حالياً، فقد توقفت عجلة السلام في حدود ملف السجناء والإعمار، ولازالت السلطة ـ ودون أي مبرر ـ تماطل ولا تقوم بأي خطوة إيجابية تجاه ذل”. ( راجع حوار عبد الملك الحوثي مع صحيفة الديار (أجرى الحوار عابد المهذري) وهو منشور في موقع مأرب بريس في 26 نوفمبر-تشرين الثاني 2008م).
أما عن عوامل إيقاف الحرب من جانب الرئيس وما إذا كانت ثمة ضغوط دولية قد مورست على السلطة.. وهل تم إجراء أية اتصالات معهم من قبل أطراف دولية أو إقليمية قبل إعلان الرئيس وقف الحرب؟! أجاب: “هناك عوامل كثيرة لوقف الحرب العامل الدولي ليس العامل الوحيد أو الأساسي في وقف الحرب .. ربما يكون هنالك عوامل سياسية وربما دولية لا أدري.. لكن الأهم والأكثر تأثيرا في وقف الحر ب هي عوامل داخلية وميدانية، فقد لوحظ من أداء الجيش في المواجهات انه لم يكن مقتنعا بالحرب….. وهناك أعداد كبيرة من الجنود والضباط لم تشارك في الحرب وكانوا يعلمون بأنها حرب عبثية، وقد انعكس هذا على أدائهم في جبهات القتال وبالذات الشرفاء الذين رفضوا المشاركة في العمليات العسكرية بعضهم رفضوا الحرب منذ البداية وبعضهم عادوا إلى معسكراتهم ومنازلهم من جبهات الحرب. في المقابل كان المظلومون من أبناء صعدة لديهم قناعة بمظلوميتهم وبحقهم في الدفاع عن أنفسهم ومساكنهم … كان هذا هو العامل الأهم في فشل العمليات العسكرية ويبدو لي أن السلطة ورئيس الجمهورية تحديدا قد اقتنع بعدم جدوى الحرب وبخطورتها على امن واستقرار البلاد فقرر التوقف عنها وإنهاءها ونتمنى أن تكون القناعة كاملة ونهائية لدى الآخرين أيضا”.
والواقع أنه كان قد أكّد في إجابته على سؤال سابق عن مدى التأثير الدولي، حين سئل “صدر إعلان الاتحاد الأوربي قبل شهر من توقف الحرب وطالب بوقف الحرب والعودة إلى اتفاق الدوحة، ألم يكن لكم اتصالات بأطراف دولية وإقليمية لوقف الحرب؟ فأجاب: “الأخ يحيى بدر الدين الحوثي يجري اتصالات على المستوى الدولي والعربي من أجل المساهمة في وقف الحرب وتثبيت السلام، ولا شك أن الجهود التي بذلها قد ساهمت في ذلك، ولكن العامل الداخلي والوساطة المحلية والإرادة السياسية لدى السلطة هي العامل الأهم في وقف الحرب والشيء المؤسف أن تدرك بعض الأطراف الدولية بان الحرب ليست من صالح اليمن ولا من مصلحة الأمن والاستقرار في المنطقة قبل أن تدرك هذا أطراف أساسية في السلطة وفي بلدان عربية شقيقة” (حوار عبد الملك الحوثي مع صحيفة الثوري، مرجع سابق).
وكل ما تقدّم يدفع لا ستخلاص حقيقة جوهرية هي أن ليس ثمّة قواعد متينة بني على أساسها قرار إيقاف الحرب، مما يهدّد باندلاعها في أي لحظة ـ لا قدّر الله ـ، خاصة مع ما يتواتر من أنباء قادمة من صعدة، سيما أثناء كتابة هذا الفصل من الكتاب، عن توترات عسكرية ومهاترات إعلامية بين السلطة والحوثيين، وقد وصلت حدّ الاشتباك المسلّح في أكثر من منطقة بين عناصر تابعة للحوثي من جهة ورجال الأمن وقبائل (ولد عامر) من جهة أخرى، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بين الطرفين، ولعل من أحدث تلك المواجهات ما وقع في مديرية غمر بمحافظة صعدة،، حيث أكّدت المصادر أن المواجهات استمرت عدّة ساعات (صحيفة الناس، تقرير عبد الله قطران، العدد(437)، 13\3\1430هـ- 9\3\2009م، ص3).
ومع أنه قد نقل أن وساطة قادها الشيخ فارس مناع وعدد من شيوخ صعدة، نجحت في إيقاف الاشتباكات التي وقعت في مديرية غمر بين الجيش وقبائل ولد عامر من جهة والحوثيين من جهة أخرى (مأرب بريس في 08 مارس – آذار 2009م)، إلا أن من المشكوك فيه ـ بحسب تجارب السابق ـ صمود ذلك الاتفاق، أو عدم اندلاع مواجهات أخرى في مناطق ثانية.
ومن الأبعاد الجديدة التي بدأت في البروز في فترة التهدئة التي أعقبت الحرب الخامسة، ظاهرة الثارات المتبادلة بين الحوثيين من جهة، وخصومهم من القبائل التي يتهمها الحوثيون، بأنها وقفت مع الجيش في حربه ضدّهم من الجهة الأخرى. وفي واحدة من هذه المظاهر تتناقل الأخبار الواردة من محافظة عمران أن عدد القتلى تجاوز الـ( 80)، والجرحى الـ( 200) بينهم نساء وأطفال، كما أغلقت المدارس التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، وذلك منذ منتصف نوفمبر 2008م، بين قبائل سفيان من جهة وقبائل العصيمات من جهة أخرى، وذلك على خلفية الحرب الحوثية مع الجيش، إذ خرجت القضية عن عنوانها المرفوع وهو (حدّ السواد) المتنازع عليه بين القبيلتين، إلى اتهام الشيخ ناصر سلطان (أبو شوصا) شيخ ذو محمّد وقائدها الميداني من العصيمات مسلّحي الحوثي بالقتال إلى جانب الشيخ زايد بن زايد الصباري شيخ صبارة وقائدها الميداني وسفيان المشرق ضدّه وأصحابه، مع تأكيده على عدم حدوث خلافات بينه وبين الحوثي وأتباعه، وعدم مشاركته إلى جانب الجيش في قتال الحوثيين! (محمود طه، تقرير أخباري، صحيفة الناس، العدد( 437)، مرجع سابق، ص 7).
كما أن هناك حديثاً متزايداً عن منع الحوثيين عودة بعض المشايخ وبعض القبائل الذين يتهمهم الحوثيون بالتعاون مع الجيش أثناء المواجهات في الحروب الخمسة السابقة، رغم النفي المتكرِّر لذلك من قِبل عبد الملك الحوثي ـ على سبيل المثال ـ (راجع على سبيل المثال حوار صحيفة الثوري مع عبد الملك الحوثي، مرجع سابق، وكذا حوار عبد الملك الحوثي مع صحيفة الديار، مرجع سابق).
وعلى الصعيد الإعلامي، نفى مصدر أمني مسئول ما وصفها بالمزاعم التي أطلقها صالح هبرة الناطق الرسمي باسم الحوثيين، حيث كان الأخير قد صرّح في وقت سابق بأن السلطة تحضِّر لحرب سادسة، واتهم المصدر الأمني هبرة بأن الحرب السادسة ليست موجودة إلا في عقله ونواياه، وتوعّدت العناصر الخارجة عن القانون، ممن قام بالاعتداء على جنود الأمن بمنطقة الملاحيظ (على القرب من الحدود اليمنية السعودية)، بأنها لن تفلت من العقاب، وستلاحق حتى تقدّم للعدالة (صحيفة الناس، تقرير عبد الله قطران، العدد (437)، مرجع سابق، ص3).
ويبدو أن المواجهات آخذة في التصاعد، إذ تفيد آخر الأنباء الواردة من صعدة ـ أثناء الكتابة ـ أن معارك ضارية أسفرت عن قتلى في معركة بين الجيش والحوثيين الذين استولوا على جبل عرعر عشية المولد النبوي( صحيفة الأيام (اليمنية)، العدد 5661 بتاريخ 9\3\2009م.
وستظل مشكلة المناسبات الدينية، كالغدير وذكرى استشهاد الحسين والإمام علي، رضي الله عنهما، والمولد النبوي، محطات لإعادة فتيل الصراع كلما أخذ في التهدئة النسبية. فقبيل حلول ذكرى المولد النبوي الشريف لهذا العام 1430هـ، تناقلت بعض المصادر الإعلامية ذات الإطلاع أنباء، مفادها “أن قراراً حكوميا قضى بمنع السيد عبد الملك بدر الدين القائد الميداني للحوثيين وأتباعه من إحياء تلك الاحتفالات بالمناسبة الدينية، بل والتهديد بضرب أي احتفالات قد تقام بعد التحذير الحكومي بحسب المصدر”. موقع التغيير نت، تقرير محمود سعيد.
ومع أنه كانت هناك توقّعات بالاستجابة لقرار السلطة بالمنع (المرجع السابق)، إلا أن الأنباء الواردة من محافظة صعدة أفادت بان احتفالاً بدا غير مسبوق، أقامه الحوثيون بهذا المناسبة، حيث تطايرت الألعاب النارية واختلطت بأصوات الرصاص في فضاء معظم مديريات صعدة احتفالا بالمولد النبوي الشريف، وفق طريقة تضمنت بعث عدّة رسائل موجهة إلى عدة جهات. “وكان المكتب الإعلامي لعبد الملك الحوثي قد دعا إلى أن يحظى الاحتفال لهذا العام لاهتمام كبير ردّاً على التحدّيات الهادفة إلى الإساءة إلى النبي — صلى الله عليه وآله وسلّم- .” وأكد البيان أنه لا مبرر شرعياً ولا قانونياً للسلطة التي وصفها بالظالمة في منع الاحتفال بالمناسبة. وأن أي محاولة لإعاقة أو منع الاحتفال بالمناسبة فإنما هو دليلٌ واضح على ما وصلت إليه السلطة من عداءٍ للإسلام ونبيه، وعمل باطل ظالم غير مقبول على حسب تعبير البيان” ( مأرب (بريس د 08 مارس – آذار 2009 ).

ثانياً، الاتجاه السياسي والتنظيمي:

بالنظر إلى مرحلتي النشأة والتكوين، وعوامل الظهور الداخلية والخارجية، ومآلات الصراع بين الحوثيين والقوات الحكومية؛ يجد الباحث اختلافاً بين قادة الشباب المؤمن، في تحديد ملامح المستقبل السياسي والتنظيمي، سواءً لدى أولئك الذين تمكّنوا من السيطرة الفعلية عليه، ويعني بهم الباحث المؤسسين الأوائل الذين أعلنوا براءتهم من الدخول في مواجهة عسكرية مع الدولة، ويعني بهم الباحث الأمين العام الأسبق لتنظيم الشباب المؤمن محمّد سالم عزّان، ومن ظل معه في اتجاه الدعوة السلمية، أم حسين الحوثي وإخوانه ورفاقه ومن تابعه في اتجاه المواجهة والتصعيد، ومع أن محمّد سالم عزان يذهب إلى التأكيد بأن “الذين ذهبوا مع حسين ليسو 90%، كما ورد في سؤال وجّه إليه بهذا الخصوص،بل أكّد أن 20%، فقط يمكن أن يكونوا مع حسين الحوثي، في حين أن 80% من أعضاء المنتدى معتدلون، مضيفاً:” ولو جئنا بإحصائية ستجد أن بعضهم يواجه المتمردين والبعض الآخر جالس في بيته. أما الآن ولا 5% ممن كانوا يعرفون في التنظيم مع عبد الملك الحوثي، وأكثر من 95% من الذين معه لم نعرفهم في حلقات درس ولا في مراكز” (حوار محمد سالم عزان مع صحيفة الناس المنشور في مأرب بريس،بتاريخ 9\ إبريل- نيسان2007، مرجع سابق).
وفي حوار آخر وفي سياق جواب على سؤال: “هل ما يزال منتدى الشباب المؤمن قائماً حتى الآن؟”، أجاب: “الشباب المؤمن لم يعد قائماً الآن كمؤسسة وإدارة وما أشبه ذلك، لكن كون هناك شباب مؤمنين بالفكرة الحمد لله، مازالوا موجودين، وهؤلاء لم يعودوا متقوقعين، فقد ذهبوا إلى الجامعات، والانتماء لهذه المؤسسة لا يعني أنها صنم، لقد كانت فكرتنا أن نصلح الفرد ثم نتركه لأي حزب أو مؤسسة شاء، المهم أن يكون صالحاً في ذاته فكرياً”.
وفي سؤال مباشر نصّه: “هل ستعاود مجدّداً لإحياء منتدى الشباب المؤمن؟”، كانت إجابته: “أنا الآن صارت لديّ قناعة بأنّه يستحسن العمل من خلال مؤسسات الدولة، بحيث نفعل باعتبارها ملك الجميع، ولا تكون بيد حزب أو فئة أو طائفة، وتكون مؤسسات لليمنيين كلهم، بحيث يعود كل اليمنيين إلى الفكر الصحيح والاستقامة، وينفعّل دور الإرشاد والثقافة، لأن إلغاء المذاهب أمر صعب جدّا”.
وفي آخر هذا الحوار سئل عزّان: “الآن ما ذا سيفعل محمّد عِزّان؟”، فأجاب:” لقد قضيت ثمانية عشر عاماً طفولة ومراهقة، وعشر سنوات قضيتها في عمل حزبي ومذهبي، خرجت منه بتهم وفتاوى وإدانات، وعشر سنوات من أجل تشجيع الناس مع الدولة، ومع النظام والديمقراطية والدستور، وأخيراً حبست (إشارة إلى سجنه الذي امتدّ من112004/ 7/م إلى 26/4/2005م)، فلا هذا تأتّى ولا ذاك حصل. أفضِّل أن أعيش ما بقي من عمري لأولادي وأهلي، وأن أكتب ما ينفع الله به، بعيداً عن أي خلفيات سياسية، أو حزبية، وأتمنّى أن أعمل شيئاً يؤدّي إلى التقارب بين المذاهب” (حوار محمّد سالم عزان مع صحيفة الوسط، مرجع سابق).
وبوسع الباحث أن يستخلص مما سبق، أن عزّان بات يعتقد أن فكرة تنظيم الشباب المؤمن بكل أبعادها التربوية والفكرية والتنظيمية والسياسية غدت جزاءً من التاريخ، ومن ثمّ فإن هذا الطرف قد حدّد رؤيته وموقفه المستقبلي من التنظيم، ويبدو أن ذلك الموقف صريح وجدّي، غير تكتيكي، أو اضطراري فرضته المرحلة، بل يمكن الذهاب إلى شبه الاعتقاد بأن ذلك موقف نهائي، لا مرواغة فيه.
وإذا كان من المحال أن يجد الباحث في هذا الشأن حديثاً بأي معنىً لحسين الحوثي نظراً إلى أنه قضى في نهاية الجولة الأولى، من المواجهة المسلّحة؛ فإن حديث بعض إخوانه يكشف عن مسألة جوهرية ذات صلة عضوية بمستقبل الحوثية، ولكن على نحو لا يخلو من التعارض، فعلى حين ينادي يحي الحوثي ـ على سبيل المثال ـ في رسالته إلى العلماء بضرورة “صدور موافقة رسمية بتأسيس حزب سياسي مدني في ظل الدستور والقانون على أن ينتهي التأسيس في مدة أقصاها شهرين من صدور الموافقة، على أن لا يتم وضع شروط تعجيزية لذلك” (يحي الحوثي، رسالة إلى العلماء في 16\5\2007م، ناس بريس)؛ نجد أن شقيقه الأصغر عبد الملك لا يوافقه الرأي، إذ يقول في عرضه لجملة مطالب، وإن كان ليس بين يدي الباحث ما يفيد بأي من المطلبين سابق على الآخر نظراً لإغفال تاريخ هذا البيان، من بينها موضوع تأسيس حزب، حيث ورد قوله: “بخصوص موضوع الحرّية، لا نرغب على الإطلاق في تشكيل حزب، وليس للدولة أن تلزمنا بذلك، كما ليس لها أن تحرمنا من حرّية الكلمة، بحجّة عدم تشكيلنا لحزب، لأن الدستور يكفل لنا كمواطنين حريّة الدين والمعتقد والفكر والكلمة، كما أن الدستور لا يلزمنا بالتحزّب، حتى نحصل على حق حرّية التعبير”( بيان باسم المظلومين من أبناء صعدة، حرّره عنهم عبد الملك الحوثي، عادل الأحمدي (وثائق)، مرجع سابق، ص 407).
ويظهر للباحث أن رفض فكرة الحزب جاءت في الظرف ذاته الذي ظهر فيه البيان باسم المظلومين، بقرينة أن تلك الموافقة الواردة في رسالة يحي جاءت أثناء استعار المعارك في الحرب الثانية، أثناء انعقاد اجتماع لعلماء اليمن لتدارس أزمة صعدة، وكذلك بيان عبد الملك جاء في الظرف ذاته، بدليل أنه ورد فيه الإشارة إلى مطلب السلطة “وصول بدر الدين وأولاده إلى صنعاء”، وأنه قد استجيب لذلك إذا وفّت السلطة بمطالبها، باستثناء “وصول بدر الدين بنفسه، لظروف إنسانية وصحيّة…” (المرجع السابق)، ومعلوم أن ذلك إنما حدث أثناء الحرب الثانية، أي بعد عودة بدر الدين من صنعاء، وبعد حواره الشهير مع صحيفة الوسط، وهو الظرف ذاته، الذي تردّد فيه أن بدر الدين يقود المعركة بعد أن قتل حسين في الجولة الأولى، ثم تردّد أن الأب قد قضى في الثانية. وليس لدى الباحث ما يجعله قادراً على ترجيح ما إذا كانت تلك الموافقة السابقة تمثّل رأي الجميع، أم أن الرفض هو السابق؟ ثم بدت مرونة بالموافقة؟ وما إذا كان كل من الموقفين تكتيكياً أم استراتيجياً؟ أم تعبير عن نزاع حقيقي بين آل الحوثي؟!
ولعله من المرجّح أن الأمر قد استقرّ على الرفض، إذ لو كانت المسألة تحلّ سياسياً ـ من وجهة نظر الحوثيين أو بعضهم على الأقل ـ بتشكيل حزب سياسي، فإن حزب الحق، يمكن أن يستجيب لمطالبهم إلى حدّ بعيد، فينضووا في إطاره، وهو حزبهم الأصلي، قبل أن يقدّم معظمهم، وفي مقدّمتهم حسين الحوثي، استقالتهم منه، وله تسجيل قانوني سابق في لجنة الأحزاب، ولا يستدعي سوى إعلان هذه الأخيرة رفع الحظر عنه، بعد أن طلب منها أمينه العام الأسبق أحمد الشامي حلّه، نظراً لصعوبات فنية وقانونية واجهته، مع أنّه عملياً قائم يمارس نشاطه، كأي حزبي علني مشروع آخر.

مستقبل الحوثية

يمثّل الاتجاه التربوي والفكري في الظاهرة الحوثية جوهر الأزمة ولحمتها وسداها، في حين لا يشكل الاتجاهين، العسكري والإعلامي من جهة والسياسي، والتنظيمي من الجهة الأخرى، أكثر من وسيلتين ضمن وسائل هذا الاتجاه.

ثالثاً الاتجاه التربوي والفكري:

يمثّل الاتجاه التربوي والفكري في الظاهرة الحوثية جوهر الأزمة ولحمتها وسداها، في حين لا يشكل الاتجاهين، العسكري والإعلامي من جهة والسياسي، والتنظيمي من الجهة الأخرى، أكثر من وسيلتين ضمن وسائل هذا الاتجاه.
وفي هذا السياق، يؤكّد الرئيس علي عبد الله صالح في لقائه ببعض علماء الزيدية في 3\7\2004م، أي أثناء اندلاع الجولة الأولى من المواجهات بين الجيش والحوثيين، أن قانون التعليم سيطبّق من الآن على كل أنحاء الجمهورية (لقاء رئيس الجمهورية مع بعض علماء المذهب الزيدي، مرجع سابق). كما أكّد في لقائه التشاوري بجمعية علماء اليمن بتاريخ 14\5 \2005م، أي أثناء المواجهات العسكرية في الحرب الثانية، أن الدولة سوف تشرف على المراكز التعليمية، إشرافاً كاملاً، سواء ما يتعلّق منها بالتعليم الأهلي أم الخاص، بهدف تنشئة جيل وطني معتدل، بعداً عن التعصّب والتطرّف المذهبي (راجع: كلمة رئيس الجمهورية في لقائه التشاوري بجمعية علماء اليمن، في 14\مايو\2005م، موقع 26 سبتمبر، وهي منشورة في عادل الأحمدي (ملحق)، مرجع سابق، ص 312).
وإذا استثنينا الطرف المؤسس لتنظيم الشباب المؤمن، ممثّلاً بمحمّد سالم عزان ومن شايع اتجاهه؛ فإن جملة المعلومات العلنية الرسمية للحوثيين، تؤكّد أنهم لا يمانعون من التوقّف عن المواجهة العسكرية إذا لبيّت لهم بعض المطالب التربوية والفكرية.
ومع أن إجابة عبد الملك الحوثي في سؤال مباشر وجّه إليه، ونصّه: “ما هو مشروعكم المستقبلي، كانت عامة، إذ قال: “لدينا مشروع ذو صبغة ثقافية قرآنية تنويرية لإصلاح واقع أمتنا، ونحن نتحرك في إطاره ونقوم بنشره، وليس مشروعاً سرياً ولا تآمرياً وليس المستقبل بمنفصل عن الحاضر ولكنه امتداد مرحلي” (حوار عبد الملك الحوثي مع الديار، في 26 نوفمبر- تشرين ثاني- 2008م، مرجع سابق)، إلا أن شقيقه يحي قد لخصَّ مطالب الحوثيين في رسالته إلى العلماء على النحو التالي:
(- صدور قرار بإنشاء جامعة معتمدة لأهالي المنطقة في شتى المجالات المعرفية، مع ضمان حق أبناء المذهب الزيدي في تعلم المذهب بحرية في الكليات الشرعية. – إنشاء لجنة نزيهة لحصر واستعادة وإدارة الأوقاف الزيدية وبإشراف لجنة الضمناء. – إعادة اعتماد المذهبين الشافعي والزيدي، كمذهبين رئيسين للدولة، واحترام فكريهما وفقهيهما والمناسبات المتعارف عليها تاريخياً في تراث كل منهما (المولد النبوي، الإسراء والمعراج، النبي هود، الغدير… الخ). ومراجعة المناهج الدراسية الدينية لجميع المراحل بحيث لا تتصادم مع أصول أي من المذهبين الرئيسيين واعتماد ما اتفق عليه الطرفين وتجنب ما اختلفا عليه في هذه المناهج الرسمية. ـ ضمان الحرية الفكرية بما يكفله الدستور والقانون اليمني وعدم التضييق على طباعة ونشر وتوزيع سائر أنواع الإنتاج الفكري والفني الشافعي والزيدي تحت أي مبررات عنصرية أو طائفية تتصادم مع الدستور اليمني والأعراف الدولية لحقوق الإنسان. وتفرج أجهزة الدولة عن كل المصادرات التي قامت بها خلال الأحداث منذ عام 2003م) (رسالة يحي الحوثي إلى العلماء، مرجع سابق).
والحق أن جوهر هذه المطالب، يتركّز على المشكلة التعليمية ذات الصلة بفلسفة المناهج، وهو أمر ـ في تقدير الباحث ـ جدير بالتأمّل والمناقشة، بغية الخروج من المأزق الوطني الذي تعاني منه البلاد برمتها.
وقد أدرك الباحث منذ اندلعت أحداث صعدة في 18\6\2004م، أن الفتنة في جوهرها تربوية تعليمية، فحاول تقديم تصوّر لدرء الفتنة المذهبية في جانب التعليم، لا ينحصر في إطار المذهبين الكبيرين السائدين فحسب، بل شمل الأقليات المذهبية الأخرى، وحاصل رأيه في ذلك:

أولاً:

يجب التأكيد على أن اتجاه المصادرة أو الإلغاء للتعليم الخاص والأهلي، بما فيه التعليم المذهبي، غير وارد، سواء أكان ذلك المذهب معتبراً كالزيدية والشافعية، أم غير معتبر كالإسماعيلية مثلاً، بل وحتى حقوق غير المسلمين، إن كان لهم وجود يدفعهم لإنشاء مدرسة خاصة بدينهم، كالأقلية اليهودية ـ إن جاز ذكرها هنا لمحدوديتها ـ. ولكن ذلك لا يعني أن تبقى مدارس التعليم الخاص والأهلي جزراً لا يصل إليها نظام رسمي، أو يطبق عليها قانون سائد. فإذا جاز لها أن تتعلم كل ما لم يدرس في التعليم العام الرسمي والوطني فيما يتصل بخصوصياتها المذهبية أو حتى الدينية ـ بالنسبة لغير المسلمين ـ، فإن الأصل أن تشترك مع التعليم العام فيما يتعلق بالواجبات العامة تجاه الوطن ووحدته ونظامه الجمهوري، ودين الغالبية فيه، سيما في القضايا العامة التي لا يسع المسلم أو المواطن النزاع فيها، كما وأن احترام كل مذهب لغيره، خاصة بين المذهبين الكبيرين، ثم الأقليات الأخرى، يمثل ضمانة أكيدة، وصمام أمان للمجتمع بكل أطيافه.
وكل نص أو توجيه أو إيحاء ينتج أو يشجع التنشئة على الروح المذهبية الضيقة، المفضية إلى الكراهية والتعصب، أو إثارة الفتن، والنزعات الجاهلية تحت أي عنوان، أو السعي لفرض معتقداتها الخاصة بالقوة المادية، أو تصوير ذاتها بأنها وحدها الفرقة الناجية، أو الطائفة المنصورة، أو أن الآخرين (عامة)، ما لمذهبها، أو طائفتها، أو دينها؛ على الآخرين من سبيل، أو نحو ذلك مما يهدف إلى إلغاء الآخر، وإقصائه، ونزع المشروعية عنه، كل ذلك يعد دعوة إلى الفتنة، وخروجاً عن إطار التوافق الاجتماعي، كما هو خروج عن القانون في الوقت ذاته.
ويسند هذا التوجّه قول الحق، جل وعلا: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأثنى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا..) الحجرات: 13. (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة: 256. (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين). (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد) الحج: 17.
إن هذا التوجّه لا يدعو إلى فتح الباب على مصراعيه لأي مذهب جديد أو طارئ، بل يركّز على المذاهب القائمة في المجتمع، ففي اعتقاد الباحث أن أية دعوة لإضافة مذهب أو مذاهب جديدة، لا تخرج عن إذكاء الفتنة، والسعي لتهديد السلم الاجتماعي.
وإذا تذكّرنا أن حسين الحوثي هو الآخر ممن يحذِر من خطورة إحلال أو استيراد المذهب الجعفري إلى البلاد، ويرى في ذلك تهديداً للمذهب الزيدي؛ فإن ذلك يساعد أكثر في لجم أية دعوة مفتونة بمذهب قادم من هذه البيئة أو تلك، وليتذكر أولئك المفتونون باستيراد الدعوات المذهبية من خارج بيئتهم، سيما المذهب الإثني عشري الحعفري الإمامي أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنص في أول الأهداف العقدية العامة للتعليم هناك على “ترسيخ مبادئ وتعاليم الإسلام في إطار المذهب الشيعي الاثني عشري” (راجع: مجموعة من الكتاب، التعليم من حولنا (كتاب مجلة المعرفة “السعودية” رقم (11)، 1422هـ، ص 96، الطبعة الأولى، الرياض: وزارة المعارف)، دون مراعاة للأقليات الإسلامية الأخرى وفي مقدمتها: السنة. وفي مقابل ذلك لا يسع المرء إلا أن يقف مقدراً لمنهج الأزهر (السني)، الذي يؤكد بعض أعلامه أن أحد أسباب تميزه، حرص الأزهر على عدم فرض مذهب واحد أو وحيد على منتسبيه، بل يتيح لهم حرية الاختيار لأي من المذاهب الفقهية كافة (راجع ما ورد في حوار: صلاح الصاوي، مع مجلة الجسور، العدد الثالث، شعبان 1424هـ ص 71، قبرص: شركة النجوم للصحافة والنشر).

ثانياً:

تكوين لجنة موسعة تضم خبراء في التربية وعلماء في الشريعة وكل من له صلة بهذا الشأن. ولعله من لازم القول التشديد على أن عناصر هذه اللجنة تضم ممثلين لكلا المذهبين السائدين، بالإضافة إلى الشخصيات التربوية والعلمية المتحررة حقاً، والمتسمة جميعها بشروط الكفاءة والنزاهة والتجرد للحق ما أمكن، نظراً لأهمية المهمة، وحساسية المرحلة للنظر في:

1ـ مناهج التعليم العام الرسمي في المرحلتين الأساسية والثانوية: من حيث المعايير المنضبطة للمحتوى الحالي، وما يمكن أن يضاف أو يحذف أو يعدل، بما يحقق الهدف الرئيسي العام وهو إخراج النشء الصالح المعتدل الموحّد فكراً وسلوكاً. ولا شك أن المعايير الأساسية سالفة الذكر من عدالة اجتماعية وحرية ومساواة ـ بوصفها مقاصد يقينية للمشرع ـ ستكون الهادية والنموذج الحاكم لمسار عمل اللجنة في كل مراحلها، أما مسألة الدليل العلمي والعملي لآلية عملها فتتمثل في القواعد الأصولية العامة في الفهم والاستنباط ومنهج الاستدلال العام.

2ـ مناهج التعليم الجامعي العام الحكومي: من حيث الإشراف على المقررات والمناهج من زاوية التأكد من عدم انغلاق الكتاب المقرر على مذهب بعينه، بل حتى التأكد كذلك من التزام أستاذ المقرر ـ إن أمكن ذلك ـ من عدم فرض مذهب بعينه، فيما يتصل بالمذاهب الفقهية الفرعية في إطار الفقه المقارن بأوسع معاني الفقه، لتشمل كل أبوابه ومجالاته، وليس المعنى السائد المحصور في مباحث العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية فحسب، مستهدين بالقاعدة الذهبية: “اجتماعهم حجة، واختلافهم رحمة”. أو: “نجتمع فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه”. أو أنه “لا إنكار في مختلف فيه إنما الإنكار في المجمع عليه” ونحو ذلك.
وكذا حظر تضليل أو تفسيق ـ ناهيك عن تكفير ـ أتباع المذاهب أو الفرق الإسلامية المعتبرة الأخرى أياً ما بلغ الاختلاف معها، أو شذت في أفكارها ما دام للتأويل ـ بأبعد معانيه ـ متسع فيها، وذلك وإن خرج عن عرف بعض السابقين في التعامل مع المخالف، ولكنه يحقق اليوم ـ في ظل التكالب الدولي على الأمة الإسلامية ـ مقصداً أساسياً من مقاصد الدين وهو حفظه من التآكل الداخلي (فساد ذات البين الني تحلق الدِّين ).
وليُعلم أن المحققين من أهل العلم في القديم والحديث لا يفرّقون بين الاجتهاد في المسائل الفقهية الفرعية والمسائل العقدية الفرعية ما دام الدليل فيها يحتمل ذلك التأويل أو الخلاف، حيث إن الأمر منهجي مبني على سلامة الدليل وقطعيته وروداً ودلالة بصرف النظر عن موضوع البحث، كان فرعاً للأحكام أم فرعاً للاعتقاد، وهذا مبسوط في مقامه (راجع على سبيل المثال ما جمعه الباحث، بهذا الخصوص من أقوال لبعض المحققين في كتابيه، أهل السنة والجماعة: إشكال في الفهم أم في المفهوم، والتقريب بين السنة والشيعة، 1424هـ- 2003م، والخلاف السلفي السلفي في اليمن، 1425هـ- 2004م وكلاهما صادران في طبعتيهما الأولى عن مركز عبادي للنشر ـ صنعاء).
وإذا كان من حق الباحث المحقق ولوج باب الخلاف الفقهي أو العقدي، فإن إثارة هذه المسائل أمام طلبة مبتدئين في سلم التعليم العالي سيحيل الدرس إلى قاعة محاكمة لأفكار ورجال لا محامي كفؤ لهم، وسيتحول التلاميذ إلى خصوم ما بين ادعاء ومدعى عليه، ولا قاضي عدل متجرد مقبول من الطرفين بينهم، علاوة على أن منهجاً كهذا سيفضي إلى تعزيز المشكلة من حيث تغذية الانقسام والفرقة. وحسب التعليم الجامعي أن يمنح الطالب مفاتيح البحث والمعرفة، ليلج بنفسه غمار هذه المجالات بعد التخرج إن شاء.

3- مناهج التعليم الشرعي الأساسي والثانوي والجامعي (الخاصة):

وهنا يتم التأكيد على ضرورة إتاحة المجال لهذا النوع من التعليم، سواء كان مذهبياً أم سلفياً أم طرائقياً (صوفيا) أم غير ذلك، كما تقدم، شريطة قيام الجهات ذات العلاقة في وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي للنظر في شأن الترخيص لعمل هذه المؤسسات، ومدى توافر الشروط اللازمة لذلك، بحسب القانون واجب التنفيذ للتعليم الأهلي والخاص، ثم المتابعة الدورية المستمرة للتأكد من سلامة المسار وعدم خروجه عن الضوابط.
ومن أولى المهام والشرائط المفترض أن يتضمنها القانون، التأكد من براءة هذه المؤسسات من كل ما من شأنه زرع روح المذهبية الضيفة، أو التنشئة على الكراهية، أو تهديد السلم الاجتماعي، أو فرض الأفكار والمعتقدات الخاصة بالقوة المادية، أو تصوير أفكار أصحاب هذه المؤسسة بأنها وحدها الممثل الشرعي للإسلام، أو الدعوة إلى الفتنة بأي معنى (راجع: أحمد محمّد الدغشي، إشكالية التعليم المذهبي: الداء والدواء، مجلّة نوافذ (اليمنية)، العدد(52)، جمادي الآخرة\1425هـ- أغسطس 2004م، ص 22-23).

*أستاذ أصول التربية وفلسفتها المشارك (كلية التربية) جامعة صنعاء