الرئيسية / دراسات / النيوكولونيالية وإعادة صياغة خرائط المنطقة العربية
unnamed

النيوكولونيالية وإعادة صياغة خرائط المنطقة العربية

1 – إيديولوجية الانفصال: الورم السرطاني الذي يهدد الجسد العربي

منذ مخطط “سايكس- بيكو” وإلى حدود مخطط “الشرق الأوسط الكبير”، عاش العالم العربي بمشرقه ومغربه على إيقاع التقسيم والتمزيق إلى دويلات/ قبائل، خدمة للمصالح الغربية، التي تعمل بمقولة “فرق تسد”.
فبعد أن حكم العرب/ المسلمون جغرافية تمتد من آسيا إلى إفريقيا وأوروبا، أصبحوا الآن يعيشون في جغرافية أصبحت تضيق كل يوم أكثر، نتيجة المؤامرات الغربية، وكذلك نتيجة الضعف والتراجع العربي المتزايد، الذي يشجع هذه المؤامرات، ويوفر لها الظروف المواتية لتحقيق النجاح.
وفي هذا الإطار تحضر إيديولوجية الانفصال، التي أصبحت سرطانا ينخر الجسد العربي، حيث تحولت الإثنيات والمذاهب والأعراق المشكّلة للعالم العربي، إلى مشاريع دويلات أنابيب مشوهة الخلقة، تخدم الأجندة الغربية في العالم العربي.
فكلما فكر الغرب في تمزيق دولة عربية، إلا وزرع فيها بذور الانفصال، عبر استغلال التعدد الإثني والعرقي والمذهبي الذي يميز العالم العربي، وذلك عبر تحويل هذا التعدد إلى صراعات وحروب طائفية، تأتي على الأخضر واليابس، وتكون سببا في تمزيق الدولة الواحدة القوية إلى دويلات، لا يمكنها أن تحيى وتستمر إلا عبر الدعم الغربي، الذي له مقابل باهظ الثمن طبعا، يكون على حساب السيادة الوطنية.
وإذا قمنا بإطلالة خاطفة على جغرافية العالم العربي من المشرق إلى المغرب، فإننا نجد جميع الأقطار العربية تقريبا مهددة بالانفصال، إما لاعتبارات إثنية وعرقية، أو لاعتبارات دينية ومذهبية… وكلها اعتبارات، بدل أن تكون ثراء، تتحول إلى قنابل موقوتة، تهدد ببلقنة العالم العربي، وتحويله إلى دويلات وقبائل متناحرة، تخدم المصالح الغربية، طلبا للحماية.
إننا نعيش اليوم بحسرة كبيرة، على إيقاع التقسيم الذي يتعرض له السودان الشقيق، بدعم أمريكي- أوروبي- صهيوني، وفي نفس الآن خرج علينا أكراد العراق أخيرا ملوحين بخيار الانفصال، أما جمهورية مصر العربية التي كنا نتباهى كعرب بوحدتها، فإن فيروس الانفصال بدأ يخترق جسدها، من خلال الضجة الإعلامية التي أصبح يثيرها المسيحيون الأقباط، مستغلين الدعم الغربي المتزايد لأطروحتهم، التي أصبحت تعلن عن نفسها بشكل متزايد. أما لبنان فيشكل نموذجا للبلقنة والتقسيم، فهو يعيش لعقود على صفيح ساخن، وهو مستعد في كل يوم للتحول إلى دويلات، تخدم المحاور الدولية والإقليمية المتصارعة.
وفي المغرب العربي، أصبحنا نعيش على واقع جديد، من خلال التدخل الغربي لدعم الأطروحة الانفصالية الأمازيغية في الجزائر، والتي تبلورت أخيرا على شكل حكومة صورية، أعلن عنها في فرنسا. أما المملكة المغربية فتعاني من أطروحة الانفصال المدعومة دوليا وإقليميا منذ 1975، حيث جسدت جبهة البوليساريو الانفصالية وبشكل جيد، الدعوات الاستعمارية الداعمة لتقسيم المغرب، لإحكام السيطرة عليه، وعرقلة تقدمه وازدهاره… ولعل القائمة تطول لتعم جميع أقطار العالم العربي، التي أصبحت مهددة بالتقسيم، إلى دويلات طوائف، تهدد العالم العربي بالانفجار والبلقنة على المدى القريب، بله البعيد.
إننا هنا لا نتباكى على ما يجري في عالمنا العربي، بل لا بد من محاولة فهم ما يجري، لتفادي الآثار المدمرة التي يمكن أن تهدد وجودنا في أية لحظة، وذلك من خلال إثارة الانتباه إلى خطورة الموقف العربي الراهن، خصوصا في ظل المحاور العربية المتصارعة، والتي تلعب بالنار، حينما تستثمر في دعم التقسيم والانفصال، خدمة لأجندة سياسوية ضيقة، هي في صالح القوى الاستعمارية بالدرجة الأولى.
ولعل أهم ما يجب أن نثير إليه انتباه الشعوب والحكومات العربية، هو أن إيديولوجية الانفصال، التي أصبح يسوقها الغرب في بلداننا باعتبارها موضة العصر، هذه الإيديولوجية الخطيرة تعتبر البوابة الجديدة التي تعتمدها النيوكولونيالية، لفرض السيطرة على العالم العربي، وذلك بهدف استنزاف ثرواته الطبيعية، التي يعتبرها الغرب المحرك الأساسي لثورته الصناعية.
لذلك فإن الواجب يفرض علينا أن نظل على تمام الوعي بالمخططات الاستعمارية، التي تسعى إلى تحويلنا إلى طوائف وإثنيات ومذاهب متصارعة، يغتنم كل مكون منها الفرصة لإعلان انفصال عبثي، لا يخدمه كما لا يخدم وطنه الأم، بل على العكس من ذلك يكرس الهيمنة الغربية، ويفتح المجال لسياسة الابتزاز التي يتقنها الغرب في التعامل معنا.

2 – مخطط الشرق الأوسط الكبير: المشاريع الانفصالية القادمة

راج الحديث بإسهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، عن منطقة الشرق الأوسط، التي تم التخطيط لها، باعتبارها امتدادا مستقبليا للمحور الأمريكي- الإسرائيلي. وتحقيقا لهذا الرهان، تم شن حرب مدمرة على العراق، باعتباره “الدولة المارقة” في المنطقة، وتؤكد الأحداث المتوالية على المنطقة أن العراق كان ضحية لهذه السياسة الاستعمارية الجديدة؛ ومن خلال احتلال العراق، تم تدشين المرحلة الأولى من الأجندة الأمريكية- الإسرائيلية، في منطقة الشرق الأوسط.
لقد تم الترويج منذ البداية، من طرف صناع القرار الأمريكي- الصهيوني، لمفهوم يحمل أبعاد إستراتيجية خطيرة على المنطقة، إنه مفهوم الشرق الأوسط الكبير، وهو مفهوم أطلقته إدارة الرئيس الأمريكي “جورج بوش الابن” على منطقة واسعة، تضم جميع دول العالم العربي، بالإضافة إلى تركيا، إسرائيل، إيران، أفغانستان، باكستان. وقد تم الإعلان عن هذا المشروع خلال قمة الدول الثماني في مارس 2004.
ومن خلال هذا المشروع فقد تم التأكيد من طرف صناع القرار الأمريكي، من المحافظين الجدد، على ضرورة التغيير في المنطقة، وذلك عبر تغيير إستراتيجية الحفاظ على الوضع القائم، التي كانت معتمدة سابقاً، بعد أن بات هذا التغيير، وفق الرؤى الأمريكية ضرورة ملحة لأمنها القومي ومصالحها الإستراتيجية، وبدعوى الحرب على الإرهاب، تحاول الإدارة الأمريكية بسط السيطرة على النظام الدولي وقراراته.
لقد كان واضحا منذ البداية، أن المحافظين الجدد، في تحالفهم مع الصهيونية، يسعون إلى تحقيق مصالحهم المشتركة، في السيطرة على ثروات المنطقة، ولن يتم ذلك إلا عبر رسم خطط جديدة، تقوم على مواجهة كل أنواع المقاومة- سواء تجسدت في جماعات أو دول- وفي المقابل محاولة تدجين أنظمة وشعوب المنطقة، كي تستجيب للنزوات الأمريكية- الصهيونية.

2- 1- رولف بيترز: الانفصال على أساس حدود الدم:

وقد قام مشروع الشرق الأوسط الكبير على خطة تشتيت دول المنطقة العربية إلى قطع دومينو، يتلاعب بها المحافظون الجدد والصهاينة، لتشكيل بناء هرمي جديد، يستجيب لنزعاتهم الاستعمارية. وهذا هو السياق الذي جاء فيه مقال رالف بيترز: “حدود الدم: ما هو شكل شرق أوسط أفضل”؟”1” Blood borders: How a better Middle East would look?
والذي نشر بمجلة القوات المسلحة الأمريكية في عدد يونيو/ حزيران 2006. والسيد بيترز ضابط متقاعد يحمل رتبة مقدم في الاستخبارات العسكرية الأمريكية، وضع مخططا لإعادة تقسيم الشرق الأوسط.
في البداية ينطلق بيتزر من مقدمة أساسية، سيبني عليها جميع النتائج التي سيخلص إليها في الأخير، وهي أن الحدود التي تفصل بين الدول في العالم ليست عادلة، لكن الحدود الأكثر اعتباطية في العالم- في نظر بيترز- هي تلك التي تشكل الدول الإفريقية ودول الشرق الأوسط، تلك الحدود التي رسمها الأوروبيون لحماية مصالحهم. ويستعير بيترز مصطلح الحدود غير العادلة من تشرشل، ليعبر عن الوضع القائم في الشرق الأوسط، وهذا الوضع في اعتباره، سيحضر كسبب رئيسي في اندلاع الكثير من المشاكل، بين الدول والشعوب في المنطقة.
ويتوقف بيترز عند مشكل الأقليات، في منطقة الشرق الأوسط وما لحقها من ظلم فادح- في نظره- وذلك حين تم تقسيم الشرق الأوسط، أوائل القرن العشرين “يقصد اتفاقية سايكس بيكو” مشيرا إلى هذه الأقليات “بأنها الجماعات أو الشعوب التي خدعت، حين تم التقسيم الأول”، ويذكر أهمها: الأكراد، والشيعة العرب ومسيحيي الشرق الأوسط، والبهائيين والإسماعيليين والنقشبنديين. ويرى بيترز أن ثمة كراهية شديدة، بين الجماعات الدينية والإثنية بالمنطقة تجاه بعضها البعض، وأنه لذلك يجب أن يعاد تقسيم الشرق الأوسط، انطلاقا من تركيبته السكانية غير المتجانسة، القائمة على الأديان والمذاهب والقوميات والأقليات، حتى يعود السلام إليه!!!
ومن خلال إثارة بيترز لمشكل الأقليات في المنطقة، والتي عانت في اعتباره من التقسيم الفرنسي- البريطاني السابق، من خلال إثارة هذا المشكل، ينتقل بيترز ليصوغ الحل المناسب لهذا المشكل، ويقوم هذا الحل على إعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط، على أساس عرقي ديني “حدود الدم”. وهو يقدم هنا نموذجين دالين
– النموذج الأول يرتبط بإسرائيل، الطفل المدلل للاستعمار الأمريكي الجديد، وهذا المعيار في التقسيم سيكرس طابع الدولة العرقي والديني، كدولة لليهود “تحطيم معيار الديمقراطية الغربية”!!!
– النموذج الثاني، يرتبط بالأكراد، الذين خصص لهم بيترز حيزا مهما من مقاله، وهو يتأسف عن غياب دولة كردية مستقلة. فهناك ما بين 27 و36 مليون كردي يعيشون في المناطق المجاورة في الشرق الأوسط، وحتى الرقم الأدنى يجعل الأكراد، المجموعة العرقية الأكبر في العالم من دون دولة خاصة بهم. لكن هل هذا كله من أجل سواد أعين الأكراد، أم أن في الأمر غاية أخرى؟ يجيب بيترز بالمباشر: “إن كردستان حرة، تمتد من ديار بكر إلى تبريز، ستكون الدولة الأكثر دعما للغرب بين بلغاريا واليابان”!!!
إن الحدود القائمة على العرق والدين “حدود الدم”، هي الحل الوحيد، في نظر بيترز، للحفاظ على المصالح الأمريكية في المنطقة، حيث يجب توسيع رقعة الدول الداعمة للوجود الأمريكي، حتى ولو تطلب الأمر خلق “دول أنابيب” مشوهة، لا تخضع لأبسط شروط الولادة الطبيعية.
من هذا المنظور يقدم بيترز خريطته الجديدة للشرق الأوسط، كما يتصوره، فيتحدث بداية، عن تقسيم العراق إلى ثلاثة أجزاء، دولة كردية بالشمال، ودولة شيعية بالجنوب، ودولة سنية بالوسط، ستختار الانضمام إلى سوريا مع مرور الزمن.
ويصف المقدم المتقاعد السعودية بأنها دولة غير طبيعية، ويقترح أن يقتطع منها كل من مكة والمدينة المنورة، حتى تنشأ فيها “دولة إسلامية مقدسة” على رأسها مجلس يترأسه بالتناوب أحد ممثلي الحركات والمدارس الإسلامية الرئيسية، أي أن يكون المجلس نوعا من “فاتيكان إسلامي أعلى”.
كما يقترح إضافة الأرض المقتطعة من شمالي السعودية إلى الأردن، وأن تقتطع أرض من جنوبي البلاد كي تضاف إلى اليمن، وأما شرقي البلاد فلن تسلم أيضا من المقص، إذ تقتطع منها حقول النفط لمصلحة دولة شيعية عربية.
أما المملكة الأردنية الهاشمية فستحتفظ بأراضيها، وتضاف إليها أرض من شمالي السعودية، كما سيرتبط “مستقبل الضفة الغربية بها”.
أما الإمارات فيطلق السيد بيترز عليها اسم “الدولة المدينية” “تشبها بالمدن اليونانية قديما”، وقد يُدمج بعضها مع الدولة العربية الشيعية التي تلتف حول الخليج، وستصبح قوة توازن، مقابل دولة فارسية لا حليف لها.
أما عُمان والكويت، فتحتفظ كل منهما بأراضيها. ويفترض أن إيران، وفقا لهذا المشروع، ستفقد الكثير من أراضيها لصالح أذربيجان الموحدة، وكردستان الحرة، والدولة الشيعية العربية، وبلوشستان الحرة، لكنها ستكسب أراضي من أفغانستان حول هيرات. ويطرح رالف بيترز تصوره بأن إيران سوف تصبح في النهاية بلدا إثنيا فارسيا من جديد.
ينتهي السيد بيترز إلى أن تعديل الحدود بناء على رغبات الناس قد يكون مستحيلا، لكنه من الممكن أن تنشأ حدود جديدة مع الزمن. فتعديل حدود الشرق الأوسط الأكبر، بناء على روابط الدم الطبيعية والعقيدة الدينية، ضرورة ملحة لحقن الدماء!! ومن هنا مسؤولية الولايات المتحدة وحلفائها!
ويختتم الرجل مخططه بقوله “سيستمر جنودنا، رجالا ونساء، في الحرب من أجل الأمن والسلام ضد الإرهاب، من أجل فرصة نشر الديمقراطية، ومن أجل حرية الوصول إلى منابع النفط بمنطقة مقدر لها أن تحارب نفسها”.
وتفوح من هذا المقال الإستراتيجي منذ البداية رائحة سايكس بيكو النتنة، حيث تمت شرذمة المنطقة العربية، على المقاس الفرنسي البريطاني، أوائل القرن العشرين، وذلك لفسح المجال أمام إنشاء كيان غريب، تحت الرعاية البريطانية، التي جسدها وعد بلفور.
وإذا كان مقص التقسيم في المرحلة الأولى أوروبيا، يرتبط بمرحلة استعمارية، سيطرت خلالها أوروبا على قسم كبير من العالم في إفريقيا وآسيا، فإن نفس هذا المقص هو الذي ما يزال يواصل وظيفته، لكن هذه المرة من منظور استعماري جديد، تشرف عليه القوة الاستعمارية الأمريكية. والهدف الواضح – طبعا- يؤكده السيد بيترز بوضوح تام: “الوصول إلى منابع النفط”!!!
ولعل المطلع على هذا المقال الخطير، ليفهم بوضوح الإستراتيجية الأمريكية، في مشروع الشرق الأوسط الكبير، والتي تقوم على تأمين مصادر النفط، وأي تشويش على هذا الهدف، فهو مبرر كاف لقلب جميع التوازنات القائمة في المنطقة. وقد أدى العراق الثمن باهظا، حينما حاول التشويش على هذا الهدف، حيث تم تدميره على جميع المستويات، ومن ثمة تحقق الانتقال به، من دولة قوية قادرة على عرقلة الخطط الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، إلى دولة تقوم نيابة عن المحافظين الجدد، بدعم هذه الخطط، وفسح المجال لتطبيقها بنسبة عالية من النجاح.

2- 2 – هنري كيسنجر: إعادة صياغة خرائط المنطقة العربية:

إن هذه الرؤية الإستراتيجية، التي يصوغها السيد رالف بيترز – في الحقيقة- ترتبط براءة اختراعها، بوزير الخارجية الأمريكي، ورئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي السابق “هنري كيسنجر”، الذي وضع مخططا مماثلا لتمزيق الوطن العربي.
وسواء مع رالف بيترز أو مع هنري كيسنجر، تحضر إستراتيجية واحدة، تقوم على السيطرة على مصادر النفط في المنطقة العربية، ولن يتم ذلك إلا عبر اللعب في خرائط المنطقة، وإعادة صياغتها على المقاس الأمريكي في كل مرة.
يقوم التصور الخرائطي لمنطقة الشرق الأوسط، كما صاغه هنري كيسنجر- كما هي عادة جميع المخططات الأمريكية- على اعتبار أن الدول المشكلة للعالم العربي، قطع دومينو، يمكن التلاعب بها حسب المصالح الأمريكية- الصهيونية، وكأنها دول فقاقيع، لا تمتد جذورها في الأرض التي تنتمي إليها- وهذا مكمن الداء الأمريكي-!!!
من هذا المنظور يعتبر السيد كيسنجر، أن العالم العربي، يتشكل من أربع وحدات جغرافية متمايزة:
– منطقة الهلال الخصيب “سوريا، العراق، لبنان، الأردن، فلسطين”
– منطقة الخليج العربي “الإمارات، الكويت، السعودية، البحرين، سلطنة عمان”
– منطقة المغرب العربي “المغرب، الجزائر، تونس”
– منطقة شمال إفريقيا “مصر، ليبيا، السودان”
وتتميز أوضاع هذه المناطق بالاضطراب، وبضعف المؤسسات السياسية، وبافتقار قياداتها إلى الرؤية، وبفساد أجهزتها الإدارية، وبضعف بنيتها الداخلية.

ويعرض كيسنجر لأوضاع بعض دول المنطقة العربية، على الشكل التالي:
– سورية: بلد ذو بنية متطرفة، لا يمكن ضبطه إلا بحكم عسكري.
– لبنان: بلد هش التركيب، قابل للتعدد والانقسام.
– العراق: بلد ذو ثلاثة أجنحة، يعيقه الجناح الثالث عن الانطلاق.
– الكويت: مدينة لا تستطيع أن تستمر وتعيش دون حماية خارجية.
– السعودية: دولة ذات أجساد متعددة ولها رأس واحد.
– مصر: دولة مستعرة الفقر والمشكلات.
– الجزائر: دولة تنفق من رصيد ثورتها القابل والمشرف على النفاذ “2”.
واعتمادا على هذا التشريح الذي قام به السيد كيسنجر للمنطقة العربية، فإنه يفتتح لإستراتيجية جديدة، لقلب الأوراق، وإعادة تشكيلها على مقاس المصالح الأمريكية- الصهيونية. وكيسنجر هنا لا ينظر للفراغ، بل يضع خططا، يمكنها أن تستمر، حتى بعد مغادرته لمنصب صنع القرار في الإدارة الأمريكية.
ولعل هذا هو ما تم بالضبط، حيث إن الإدارة الأمريكية، منذ كيسنجر وحتى الآن، تحسب أن الشرق الوسط يضم بلدانا يمكن الاستغناء عنها، ثمة دول فائضة فيها، وحدود دولها غير ثابتة- كما ردد ذلك رالف بيترز- فهي تتحرك بتحرك الجماعات العرقية والدينية، التي تقوم عليها فرضية الدويلات، التي من شانها تجزئة الدول العربية، وتفتيت وحداتها الوطنية.
إن هذا المخطط الكيسنجري هو الذي وجه خطط الإدارة الأمريكية، في شراكتها مع الكيان الصهيوني بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. ويمكن التوقف عند مشروعين، جسدا هذه الخطط، بنسبة كبيرة من النجاح:
– المشروع الأول يدخل في إطار خطة إستراتيجية، وضعها وولفوفيتس وديك تشيني، تهدف إلى إعادة رسم خارطتي الشرق الأوسط وأوروبا الوسطى، وتستند إلى اقتراحات أرييل شارون وشاؤول موفاز، وملخصها هو الآتي:
أ‌- تقسيم العربية السعودية، بما يسمح بإقامة دولة أو محمية خاضعة مباشرة، لسيطرة شركات النفط الكبرى، وعلى رأسها أرامكو، وإقامة دولة تفتقر إلى النفط، وإلحاق بعض المناطق باليمن وبالعراق الجديد.
ب‌- بعد إطاحة الرئيس صدام حسين يتم ما يلي:
* طرد الفلسطينيين من غرب فلسطين.
* جعل إسرائيل دولة يهودية “صافية العرق”.
* توطين الفلسطينيين في مناطق عراقية، بمن فيهم الفلسطينيون الموجودون في سوريا ولبنان.
* إطاحة النظام السوري، وتأسيس دولة سورية مؤيدة للولايات المتحدة.
– أما المشروع الثاني، فقد وضعته إدارة بوش- تشيني، وهدفه خلق “شريفية جديدة”، فالسلالة الهاشمية التي كانت تحكم السعودية والكويت واليمن مرشحة لتكوين شريفية جديدة. أي مملكة أردنية، تمتد من نهر الأردن إلى الحدود الإيرانية، وتضم العراق “مملكة هاشمية- فلسطينية- عراقية”، وينقل الفلسطينيون إليها من غزة. أما الضفة الغربية، فتخضع لحكم مشترك من الشريفية الجديدة، ومن حكومة إسرائيل، ولاحقا تلتحق بالمملكة الشريفية، كجزء من الاتحاد الكونفدرالي المؤلف، من العراق والأردن وما تبقى من فلسطين.”3”
سواء مع “هنري كسنجر” أو مع “رالف بيترز”، ومن خلالهما صناع القرار الأمريكي- الصهيوني، حضرت خطة إعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط، وإعادة صياغة خرائطها. وهذه الخطة جزء من إستراتيجية شاملة، تقوم على ربط المنطقة بالمصالح الأمريكية، وما ارتبط منها بموضوع الطاقة على وجه التحديد.
وفي إطار إعادة صياغة خرائط المنطقة، تم توطين الكيان الصهيوني، باعتباره شرطي مرور، ينظم حركة السير على إيقاع اتجاه واحد، هو الاتجاه الأمريكي. ومن هذا المنظور فإن الإستراتيجية الأمريكية- الصهيونية، تنحو في اتجاه صناعة خارطة، تتشكل من دول “دمى” تحركها حسب مصالحها.
وفي هذا السياق بالذات، يحضر مشكل الأقليات في المنطقة، والتي اعتبرت في جميع خطط التقسيم، المدخل الرئيسي لإنجاح أية خطة. فقد تم اللعب طوال مراحل الصراع، على هذا الوتر الحساس في المنطقة، وتم استغلال الأقليات، كورقة ضغط رابحة، تمكن صناع القرار الأمريكي- الصهيوني، من ربح رهان إعادة الهيكلة على مقاسهم الخاص.
وضمن هذا التصور حضر الموضوع الكردي، في منطقة المشرق العربي كحصان طروادة، يركب في كل مرة ويطلق له العنان بلا قيود، وفي نفس السياق يحضر موضوع الأمازيغ وموضوع الصحراء (الغربية) في منطقة المغرب العربي، والذي يستغل من طرف القوى الاستعمارية الكبرى لكبح جماح أي تطور يمكن أن يهدد مصالحها.
وهكذا تمتلك السياسة الأمريكية- الصهيونية أوراقا رابحة مدعومة من الداخل، وهي بذلك تهدد الكثير من دول المنطقة العربية بالبلقنة، وذلك من منطلقات عرقية، لم يعد يقبلها الحس الديمقراطي الغربي، الذي يدعمها، والذي حسم مع هذا الطرح، منذ تشكل دولة المؤسسات، التي تضم عرقيات وأديان ومذاهب مختلفة ضمن إطار واحد، يحتكم فيه لحقوق وواجبات المواطنة، بغض النظر عن الانتماء العرقي أو الديني أو المذهبي. والكثير من الدول التي تشجع هذا الطرح العرقي، تمور داخليا بأعراق وأديان ومذاهب مختلفة، اندمجت ضمن التصور الديمقراطي والمؤسساتي للدولة الحديثة.
لكن الأمر مختلف تماما في تصور الشرق الأوسط الكبير، الذي يراد له أن يحتكم إلى حدود الدم “Blood borders” حيث يحضر مشكل الأقليات خارج أي حس ديمقراطي ومؤسساتي، وتعلن الدعوة بالصريح والمباشر إلى تشكيل كيانات على أساس العرق والدين، في تناقض صارخ مع جميع القيم السياسية، التي تقوم عليها الديمقراطية الغربية، التي يتم التبشير بها كخيار إستراتيجي في المنطقة.
وهذا يؤكد بالملموس والمباشر، أن الهدف الرئيسي الذي يتمحور حوله الصراع، يرتبط بالهيمنة والسيطرة، من منظور استعماري قديم، يقوم على استغلال الشعوب والدول في بناء القوة المهيمنة الواحدة. وهذا ما كنا نظن أن قيم العصر الحديث قد قطعت معه، لكن المكبوت يعود في كل مرة ويهدد ببروز حركات استعمارية جديدة، على شاكلة ما عرفته مرحلة القرن التاسع عشر.
ولذلك يحق لنا أن نتساءل: ما هو الفارق بين مخطط سايكس- بيكو ومخطط الشرق الأوسط الكبير؟
إن البعد الاستعماري حاضر بقوة في كلا المخططين، من منطلق إعادة صياغة خرائط منطقة الشرق الأوسط، بهدف المحافظة على مصالح الدول الاستعمارية، وجميع الوسائل التي يمكن أن تحقق هذه الغاية مباحة ومشروعة، حتى ولو كانت تتناقض مع التصور السياسي، الذي أقامه الغرب على أساس الديمقراطية والمواطنة ودولة المؤسسات.
ولذلك فإن هذا الحس الاستعماري، يدفع الكثير من الدول التي تدعي حماية ودعم المؤسسات الدولية، يدفعها إلى استغلال هذه المؤسسات، بما تجسده من قيم كونية، في تبرير قيم الحرب والاستعمار، كما يدفعها إلى الدفاع عن نماذج سياسية قديمة – تحاربها داخليا- تقوم على أساس العرق والدين.

مبدأ تقرير المصير بين روح القانون الدولي والتوظيف السياسي

1 – دفاعا عن روح القانون الدولي

تقرير مصير الشعوب/ الدول وليس تقرير مصير الأقليات: راج مفهوم “النظام العالمي الجديد” أواخر الثمانينات وبداية التسعينات، وخصوصا مع الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج بوش الأب” باعتباره مفهوما يفتح المجال أمام القوة الأمريكية لإعادة صياغة خرائط العالم، خصوصا بعد نهاية القطبية الثنائية، التي كانت تحقق توازن الرعب.
وعلى أعتاب الألفية الثالثة، كان الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج بوش الابن” قد وصل إلى قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وبقدر ما كان متحمسا لتحقيق الاستمرارية في سياسة الحزب الجمهوري، فقد عمل على استنساخ صورة الأب، وفي هذا السياق جاء مخطط الشرق الأوسط الكبير لتحقيق استمرارية النظام العالمي الجديد في طبعة جديدة.
لقد تم الإعلان عن مخطط الشرق الأوسط الكبير، خلال قمة الدول الثماني في شهر مارس من سنة 2004، ومنذ هذا التاريخ تم الإعلان بصيغة غير مباشرة عن عهد جديد في العلاقات الدولية، تعمل خلاله الولايات المتحدة وحلفاؤها من الأوروبيين، على إعادة صياغة خرائط دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي اعتبرها الإستراتيجيون الأمريكيون، دولا في حاجة إلى إعادة الصياغة ورسم الحدود “1” لأنها- في اعتبارهم- دول غير طبيعية، الشيء الذي يخلق الصراعات السياسية في هذه المنطقة، التي تبقى في حاجة إلى الاستقرار السياسي، لضخ المزيد من الطاقة في محرك الرأسمالية الجديدة!!!
ضمن هذا التصور الإستراتيجي البعيد المدى، حضرت خطط كثيرة لإعادة صياغة خرائط المنطقة العربية، كي تستجيب للتصور الأمريكي- الأوروبي- الصهيوني الجديد. وفي هذا السياق تم الترويج إعلاميا وسياسيا، وبشكل مدقع لمفهوم تقرير المصير، حضر هذا الترويج في العراق مع الملف الكردي، وحضر في السودان مع ملف انفصال الجنوب، وهناك بوادر جديدة لتوسيع الرقعة في اتجاه المغرب العربي، من خلال إثارة ملف الأقليات، سواء فيما يرتبط بملف الأمازيغ في الجزائر، أو ملف الصحراء الغربية في المغرب، وتبقى القائمة مفتوحة لضم دول عربية جديدة في الآجال القريبة، عبر استغلال المؤسسات الدولية لشرعنة الاستعمار الجديد.
تقرير المصير مفهوم حمال أوجه، لا يستقر على دلالة واحدة، حيث اتخذ تأويلات مختلفة حسب المراحل التاريخية، ومن ثم تباينت وجهات نظر فقهاء القانون الدولي ومواقف الدول من هذا المفهوم، لأنه حضر منذ رواجه كمفهوم مرتبطا بالصراعات التي عاشتها أوروبا منذ “ح ع 1″ ومرورا ﺒ”ح ع 2″، كما ارتبط بتفكك الإمبراطوريات الكبرى في العالم، وارتبط كذلك بحصول الدول المستعمرة على استقلالها.
وقد عرف هذا المفهوم تحولا كبيرا، بعد نهاية الحرب الباردة وبزوغ فجر العولمة، وتعاظم الحركات الحقوقية عبر العالم، بحيث بدأ يخرج عن السياق الذي ولد فيه، باعتباره آلية لفض النزاعات بين الدول، ليتحول إلى آلية لتفكيك الدول على أساس أثني وعرقي وقومي ولغوي وديني… وذلك في تناقض واضح مع الأهداف المرسومة من طرف الأمم المتحدة نفسها، وخصوصا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي ربط حق تقرير المصير بالشعوب/ الدول وليس بالأقليات المشكلة للشعوب/ الدول.

نقرأ في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في الجزء الأول منه ضمن المادة الأولى ما يلي:
1 – لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها. وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
2 – لجميع الشعوب، سعيا وراء أهدافها الخاصة، التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية دونما إخلال بأية التزامات منبثقة عن مقتضيات التعاون الاقتصادي الدولي القائم على مبدأ المنفعة المتبادلة وعن القانون الدولي. ولا يجوز في أية حال حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة.”2”
هكذا يبدو واضحا أن حق تقرير المصير جاء مرتبطا بالشعوب/ الدول وليس بالأقليات والقوميات، وذلك لأن كل دول العالم تقوم على تنوع عرقي وديني ولغوي… وليست هناك دولة تتميز بالنقاء. وإذا سمحنا بربط تقرير المصير بالأقليات، فإن جميع الدول في العالم سيتم تفكيكها إلى دويلات، مما سيهدد وحدة الشعوب واستقرارها عبر العالم.
ولعل هذا هو ما وعت به أوروبا مبكرا، حينما رأى قادتها أن تقرير المصير يهدد استقرار دول القارة بأكملها، وقد كان استقلال النرويج عن السويد عام 1905 تحت شعار تقرير المصير، بمثابة جرس الإنذار الذي يؤذن بتفكيك أوروبا، ولذلك فقد رفضت فرنسا بعد ذلك مبدأ تقرير المصير، وامتنعت عن إجراء أي انتخابات في إقليمي الألزاس واللورين، واحتجت بوجود مستوطنين ألمان بكثافة في الإقليمين.
وإذا انتقلنا إلى أمريكا الشمالية، فإننا نعثر على نماذج دالة من الولايات المتحدة وكندا، تؤكد جميعها على استحالة تطبيق مفهوم تقرير المصير لتفكيك الدول، فقد خاضت الدولتان حروبا داخلية مدمرة للحفاظ على تماسك ووحدة الدولتين.
فقد خاضت الحكومة المركزية للولايات المتحدة الأمريكية، حربا شاملة في مواجهة الولايات الجنوبية الإحدى عشرة، التي أعلنت انفصالها عن الولايات المتحدة. وقد كان مستند الرئيس الأمريكي “أبراهام لنكولن” في شنه الحرب على الولايات المنفصلة، هو قرار الأغلبية الشعبية، والدستور الأمريكي الذي ينص على أن الوحدة الأمريكية وحدة دائمة وغير قابلة للانفصال، ومن ثم فإن أي محاولة لنقضها يعتبر خروجا على الدستور، ويجيز للحكومة الفدرالية مواجهتها بالقوة.
أما في كندا، وعلى إثر قيام حركة انفصالية في مقاطعة “كيبك”، فأصدرت المحكمة العليا حكما يقضي بإلزام الحكومة الكندية المركزية بمواجهتها وعدم السماح لتلك المقاطعة بالانفصال، وقد ذهبت المحكمة العليا إلى أن الحكومة الكندية لا تملك حق السماح لأي مقاطعة بالانفصال، وأن الحكومة ملزمة بالقيام بواجب الحفاظ على وحدة التراب الكندي، وأضافت المحكمة في حيثيات حكمها، أنه لا ينطبق على حالة كيبك مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وأنه لا يوجد في القانون الدولي ما يسمى حق طائفة أو شريحة من الشعب في الانفصال بإرادتها الانفرادية.
إن ما تؤكد عليه هذه النماذج الدالة، سواء من أوروبا أو أمريكا، هو أن مفهوم تقرير المصير الذي جاء مؤطرا بقوانين دولية واضحة، يرتبط بالشعوب/ الدول الخاضعة لاستعمار قوى أجنبية، لكنه لا يرتبط بانفصال الأقليات والقوميات التي تشكل الشعب/ الدولة، لأن القانون الدولي لا يسمح بتفكيك الدول إلى دويلات غير قابلة للحياة.
وقد كان العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واعيا بهذا التمييز بين الدول والأقليات، في دعوته إلى تقرير مصير الشعوب، ومن هذا المنظور يمكن أن نطلع في الجزء الثاني ضمن المادة الثانية، من العهد الدولي على ما يلي:
– تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.
فالدعوة هنا واضحة إلى احترام الدولة لحقوق جميع الأفراد، دون أي تمييز بينهم على أي أساس، لكن العهد الدولي هنا لا يحمل أية إشارة إلى حق هذه المكونات المختلفة للدولة الواحدة، في تقرير مصيرها، عبر الانفصال عن الوطن الأم.

وفي الجزء الثاني ضمن المادة 27 من العهد الدولي نقرأ:

– لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم.
وهذه المادة واضحة بجلاء، فهناك حرص كبير من العهد الدولي، على حماية الحقوق الدينية والثقافية واللغوية للأقليات، لكن ضمن الدولة الأم، التي تشمل هذا التنوع والتعدد. والعهد الدولي يحدد مسؤوليات الطرفين بشكل واضح، يجب على الدولة حماية حقوق الأقليات، وفي مقابل واجب الدولة، يحضر واجب الأقليات بشكل مضمر في العهد الدولي، من خلال احترام وحدة وسيادة الدولة.
ولعل منطق العهد الدولي، بخصوص احترام سيادة ووحدة الدول، هو ما يؤكد عليه الإعلان الأممي بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية، حيث جاء في المادة الثامنة منه:
– لا يجوز بأي حال تفسير أي جزء من هذا الإعلان على أنه يسمح بأي نشاط يتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، بما في ذلك المساواة في السيادة بين الدول، وسلامتها الإقليمية، واستقلالها السياسي.”3”
إن منطق القانون الدولي بخصوص مبدأ تقرير المصير واضح بجلاء، فهو لا يغامر بوحدة وسيادة الدول، من خلال فتح المجال أمام الأقليات والقوميات، لتفكيك الدولة الواحدة القوية والمستقرة، إلى دويلات متنازعة، تشكل خطرا على نفسها وعلى الاستقرار العالمي.
ولذلك فإن هذه المادة وحدها، يمكنها أن تحد من أية تأويلات مغرضة للقانون الدولي، لأنه بريء من شرعنة الانفصال، باسم مبدأ تقرير المصير، وأية محاولة مغرضة لتفكيك أية دولة، يمكن التعامل معها كخرق للقانون الدولي، يجب مواجهتها عبر الانتصار للشرعية الدولية، التي تربط حق تقرير المصير بالشعوب/ الدول الخاضعة للاستعمار، وليس بالأقليات المشكلة للدول.
ويمكن أن نحيل الحلف النيوكولونيالي، الذي يستثمر في الانفصال لتحقيق مصالحه الإستراتيجية باسم القانون الدولي، على النموذج الأمريكي والنموذج الكندي، وهما نموذجان في غاية الدلالة؛ على أن الدعوة إلى الانفصال باسم تقرير المصير، هي دعوة تقوم على خرق القانون الدولي، حينما تهدد وحدة واستقرار الدول، وبالتالي يجب الاحتكام إلى الشرعية الدولية لمواجهة هذه الدعوات، سواء كانت داخلية أو خارجية. ولنا في الرئيس الأمريكي “أبراهام لنكولن” وفي قرار المحكمة العليا الكندية، الدليل الواضح، على أن تفكيك الدول تحت شعارات مزورة، يعد خرقا واضحا للقانون الدولي نفسه، الذي يقر صراحة أنه حريص على سلامة الدول واستقلالها السياسي.

2- النظام العالمي الجديد: مبدأ تقرير المصير لتفكيك الدول

النظام العالمي الجديد مصطلح، استخدمه الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج بوش الأب” في خطاب وجهه إلى الشعب الأمريكي، بمناسبة إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج، حيث أشار في “الحادي عشر من سبتمبر” سنة 1990 إلى إقامة نظام عالمي جديد، يكون متحررا من الإرهاب، فعالا في البحث عن العدل، وأكثر أمنا في طلب السلام، وقد راج هذا المصطلح خلال سنة 1991 في خطاب الأمم المتحدة، بنفس الأبعاد الأمريكية “4” لكن، رغم الظهور المتأخر لهذا المصطلح في الخطاب السياسي، فإنه ظهر على الصعيد الأكاديمي أول مرة بداية الستينات، عندما استعمله المحامي الأمريكي المتقاعد “كرنفينك كلارك”، المستشار الفاعل لعدد من وزراء الخارجية في البيت الأبيض، في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي “5”.
وقد ظهر مصطلح النظام العالمي الجديد، للتعبير عن الوضع الدولي الجديد، بعد نهاية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وما نتج عنه من بداية بروز القوة الأمريكية الواحدة على الساحة الدولية، بطموحات سياسية وعسكرية توسعية، تسعى إلى التحكم في النظام الدولي من منظور يخدم مصالحها الإستراتيجية عبر العالم.
وقد ظهر هذا النظام الدولي الجديد- بدلالته السياسية والعسكرية- مقترنا بنظام العولمة- بدلالته الاقتصادية والثقافية- ليشكلا معا التوجهات الأمريكية المستقبلية، التي تسعى إلى إعادة تشكيل العالم على المقاس الأمريكي”6″ وإعادة التشكيل هذه تتطلب- حسب الإستراتيجية الأمريكية- اللعب في خرائط العالم، عبر استغلال القانون الدولي، من منظور جديد، يقوم على أساس إعادة توجيه الخطاب الأممي، في اتجاهات مغايرة لما تم رسمه، خلال مرحلة التوازنات الدولية.
وإذا كان مبدأ تقرير المصير، قد حضر في القانون الدولي، مرتبطا بنضال الشعوب من أجل الحصول على استقلالها، فإن النظام العالمي الجديد، الذي تقوده القوة الأمريكية، كان يبشر بواقع جديد، فقد انفتح المجال أمام صناع القرار الأمريكي، خلال هذه المرحلة للعودة إلى مبدأ تقرير المصير، مع إعادة شحنه بدلالات سياسية جديدة، تخدم المصالح الأمريكية عبر العالم، وذلك بعد إفراغه من دلالته القانونية، التي رسخها نضال حركات التحرر عبر العالم، في صراعها ضد الدول الاستعمارية.
هكذا بدأت بعض الأقليات التي كانت تشكل وحدة سياسية، بدأت تفكر في استثمار المعطيات الدولية الجديدة، لبلورة مشاريعها الانفصالية، وهذا ما حصل للاتحاد السوفييتي السابق، الذي انقسم إلى دول، انضم بعضها إلى رابطة الدول المستقلة، بينما انفصل بعضها الآخر في شكل مستقل، مثل أستونية وليتوانية ولاتيفية… ونفس المصير عاشه الاتحاد اليوغسلافي السابق الذي انقسم إلى دول مثل: كرواتيا، البوسنة والهرسك، مقدونية، سلوفينية…
وقد تم ذلك باسم حق تقرير المصير، الذي أعيدت صياغته أمريكيا، لكن حقيقة الأمر، كانت توجها أمريكيا واضحا، نحو تفكيك المعسكر الشرقي، الذي شكل لعقود قوة متكافئة مع القوة الأمريكية، بالإضافة إلى تفكيك الاتحاد اليوغسلافي، الذي كان يشكل امتدادا للاتحاد السوفييتي.
وقد تم استغلال المؤسسات الدولية خلال هذه المرحلة لإنجاح عملية التفكيك، التي كانت تقودها الولايات المتحدة، وذلك من خلال رد الاعتبار لمفهوم تقرير المصير، الذي تم استغلاله أبشع استغلال، ومن ثم فتح باب الجحيم على مصراعيه، لتعم الفوضى “الخلاقة”!!! كل ربوع العالم، حيث تم فسح المجال أمام الأقليات والقوميات التي كانت تشكل دولا موحدة ومستقرة، تم فسح المجال أمامها للتعبير عن نزوعاتها الانفصالية، مستغلة الدعم الأمريكي المطلق.
وهكذا عاد تقرير المصير القومي للانبعاث، بعدما تم الحسم معه في القانون الدولي، لصالح تقرير مصير الدول/ الشعوب، وهذا الوضع الدولي الجديد لو استمر على هذا الحال، سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في العلاقات الدولية، لأنه ليس هناك دولة واحدة في العالم تضم قومية واحدة. لذلك فإن مبدأ تقرير المصير بشكله النيوكولونيالي يمر من مأزق خطير، خصوصا إذا حل الشعب بالمعنى القومي محل الشعب بالمعنى القانوني.
إن تفكيك الاتحاد السوفييتي والاتحاد اليوغسلافي، من طرف النظام العالمي الجديد، لم يكن في الحقيقة إلا نقطة البداية، حيث سيشرع الباب على مصراعيه، أمام الأقليات والقوميات عبر العالم، للدخول في حركات انفصالية، تتخذ مبدأ تقرير المصير في طبعته النيوكولونيالية، كشعار لشرعنة مطالبها الانفصالية.
ويعرف العالم الآن الكثير من النماذج الانفصالية، التي يقودها النظام العالمي الجديد، لتصفية الحسابات السياسية والإيديولوجية، مع القوى الدولية المناوئة لهذا النظام، سواء اتخذت طابعا شيوعيا، أم اتخذت طابعا إسلاميا.
وتحضر الصين كنموذج بالغ الدلالة ضمن هذا المسار، الذي تم تدشنه مع نهاية القطبية الثنائية، فالولايات المتحدة ومعها أوروبا، تهدد الصين في كل لحظة بإقليم التيبت، الذي يطالب بالانفصال، وتقدم هذه القوى الغربية دعما سياسيا كبيرا للدالاي لاما، باعتباره الزعيم الروحي للتيبتيين.
ويحضر مبدأ تقرير المصير بقوة ضمن هذه الحركية الانفصالية المغلفة بالشرعية الدولية، لكن الهدف الواضح، هو تطبيق سياسة “فرق تسد”، التي طبقتها الحركة الاستعمارية إبان مرحلة القرن التاسع عشر بإتقان كبير.
إن النيوكولونيالية حينما تسوق لمبدأ تقرير المصير في الصين، لا تهمها مبادئ حقوق الإنسان، ولكن ما يهمها بالدرجة الأولى، هو إلحاق الصين، كقوة شيوعية صاعدة، بالاتحادين السوفييتي واليوغسلافي، الذين تم تفكيكهما بناء على نفس الشعارات. لكن هذه الدول النيوكولونيالية، التي تسعى إلى تزوير القانون الدولي خدمة لمصالحها الإستراتيجية، في صراعها مع القوى الدولية الصاعدة، كانت أو ل من صاغ القوانين الدولية، الداعمة لوحدة واستقرار الدول، وذلك حينما كانت القارتان الأوروبية والأمريكية مهددتان بالنزعات الانفصالية، خلال مرحلة عرفت مدا قوميا كاسحا، كان يهدد بتقسيم الدول الكبرى إلى دويلات تمثل التعدد القومي السائد.
وهذا ما انعكس بشكل مباشر، على القوانين الدولية الداعمة لحق الدول في حماية وحدتها واستقرارها، وهي قوانين واضحة، تربط حق تقرير المصير بالشعوب/ الدول وليس بالأقليات والقوميات.
ولعل هذه القوانين الداعمة لوحدة الدول، هي التي شرعنت الحرب التي قادها الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن، على الولايات التي كانت تهدد بالانفصال عن الدولة المركزية، كما أن هذه القوانين نفسها، هي التي كانت المنطلقات الرئيسية للمحكمة العليا في كندا، لإرغام الحكومة المركزية، على مواجهة الدعوات الانفصالية في مقاطعة الكيبك.
إن نفس هذا القوانين هي التي يجب أن تؤطر نضال الشعوب والدول الآن في مواجهتها للحركات الانفصالية، التي تزور القانون الدولي، بدعم من واضح من النظام العالمي الجديد، الذي لا تهمه وحدة واستقرار الشعوب، بل ما يهمه هو خلق الفوضى “الخلاقة” للصيد في الماء العكر.

3- مبدأ تقرير المصير: الأجندة النيوكولونيالية في المنطقة العربية

إن المؤسف حقا في ما يجري اليوم من مشاريع انفصالية، وخصوصا في المنطقة العربية، هو أن المؤسسات الأممية، المفروض فيها حماية القانون الدولي، لأنها تمثل إرادة جميع شعوب العالم، هذه المؤسسات أصبحت أداة طيعة في يد النيوكولونيالية الأمريكية، تستعملها في فرض شعارات فارغة على الأمم والشعوب، في استغلال بشع للشرعية الدولية، التي أصبحت تهدد استقرار الكثير من دول العالم، خدمة لأهداف إستراتيجية أمريكية خاصة.
ولعل ما يجرى في السودان الآن من تفكيك وتمزيق للدولة، باسم تقرير المصير، ليعد تواطؤا واضحا بين النيوكولونيالية الأمريكية والأمم المتحدة، حول خرق القانون الدولي، لشرعنة الانفصال، الذي يحمل بين طياته أجندة أمريكية- صهيونية مفضوحة، تستهدف مجموع المنطقة العربية، ضمن ما أطلقت عليه الولايات المتحدة في شراكة مع الصهيونية والاتحاد الأوروبي، مخطط الشرق الوسط الكبير، الذي يقوم على أساس إعادة صياغة خرائط المنطقة العربية، على أساس حدود الدم Blood border كما جاء مع “رالف بيترز” “7” وكذلك مع هنري كيسنجر، الذي وضع مخططا لتقسيم المنطقة العربية “8”.
إن هذه المخططات- طبعا- لن تتوقف عند تقسيم السودان، بل إن هنالك دولا عربية أخرى في الطريق، ستسير بها النيوكولونيالية على خطى النموذج السوداني، ففي العراق يعبر الأكراد عن نزوعات انفصالية في واضحة النهار، وفي تحد سافر للدستور العراقي، الذي شاركوا في وضعه، ومن المفروض أن يعملوا على حمايته، عبر مؤسسة رئاسة الدولة التي يمثلونها في النظام السياسي الجديد، لكن الأكراد أنفسهم لا يمثلون قرارهم السياسي الخاص، بل ورطوا أنفسهم ضمن مخططات انفصالية موضوعة مسبقا من طرف صناع القرار الأمريكي، الذين دخلوا العراق من أجل تطبيق هذه المخططات الانفصالية، لتوسيعها فيما بعد على المنطقة العربية ككل.
ومن دون حضور الروح الوطنية لدى أكراد العراق، التي تربط المواطنة بالانتماء السياسي للدولة، وليس بالانتماء القومي، فإن العراق مرشح بقوة للسير على خطى النموذج السوداني، خصوصا وأن الدعم الأمريكي في الحالة العراقية، يخدم أهدافا إستراتيجية، خاضت النيوكولونيالية الأمريكية حربا مدمرة على العراق، من أجل تحقيقها، بهدف توسيعها فيما بعد على المنطقة العربية ككل.
وبالإضافة إلى السودان والعراق، فإن آخر اكتشافات النيوكولونيالية ضمن مخطط الشرق الأوسط الكبير، هو استثمار الأقلية المسيحية في مصر، لتبرير التدخل الدولي في البداية، تمهيدا لزرع بذور الانفصال لاحقا، وهذا ليس تخمينا فحسب، بل يدخل ضمن مخططات بأبعاد إستراتيجية بعيدة المدى، تنتظر الفرصة السانحة فقط، للخروج إلى حيز التطبيق. ومن دون نجاح الدولة المصرية في تطبيق إصلاحات سياسية حقيقية، تقوم على أساس التداول السلمي للسلطة، من خلال انتخابات ديمقراطية شفافة ونزيهة، حتى يشعر الأقباط بأنهم مكون أساسي في دولتهم، وأنهم يتمتعون بجميع حقوق المواطنة، من دون هذه الإصلاحات السياسية الحقيقية، فإن النيوكولونيالية ستظل تتربص بوحدة مصر واستقرارها، ضمن مخططات جاهزة، تسعى إلى إعادة ترتيب التوازنات القائمة، خدمة للمصالح الإستراتيجية الأمريكية- الصهيونية.
وليس بعيدا عن المشرق العربي، فإن مبدأ تقرير المصير- بأبعاده النيوكولونيالية- أصبح يخترق بقوة دول المغرب العربي، سواء في المغرب أو في الجزائر، باعتبارهما دولتان قائمتان على أساس تعدد عرقي ولغوي، أصبح يستثمر من طرف قوى خارجية، لزعزعة وحدة واستقرار البلدين. ولعل آخر ما كشف عنه الستار، هو الاختراق الصهيوني للأقلية الأمازيغية، بهدف خلق نموذج كردي في كل من المغرب والجزائر، قابل للانفصال في أية لحظة، بدعم نيوكولونيالي سياسيا وعسكريا.
وبالإضافة إلى الاختراق الصهيوني للأقلية الأمازيغية في المغرب العربي، يحضر كذلك الاختراق الفرنكفوني، الذي يمتلك رصيدا تاريخيا محترما، في دعم انفصال الأمازيغ عن العرب في المنطقة المغاربية، وهذا رهان كبير بدا في تحقيقه المقيم العام الفرنسي “ليوطي” لكن الوعي الوطني المرتبط بأبعاد عربية- إسلامية أفشل هذا الرهان قبل ولادته، لأن الظهير البربري الذي حاول تطبيق هذا المخطط الاستعماري في المغرب، هذا الظهير الذي كان يخطط لفصل الأمازيغ عن العرب في المنطقة المغاربية، كان المسمار الأخير الذي دقته الحركة الوطنية المغربية في نعش الاستعمار الفرنسي.
لكن ما أصبح يخيف الآن هو أن المخططات الفرنكفونية، أصبحت تعود بقوة، مستغلة غياب الحس الوطني لدى الناشئة، التي لم تعش لحظات التحرر الوطني، وآخر بوادر هذا النجاح تم التعبير عنها على أرض الدولة الاستعمارية السابقة، عبر تشكيل حكومة أمازيغية صورية، ستكون البداية الفعلية لتقسيم الجزائر إلى دويلتين متنازعتين، بدعم فرنكفوني، يمكنه أن يتحول في أي وقت إلى دعم دولي، يطالب بتقرير مصير “الشعب الأمازيغي” الذي لم يكن يوما إلا شعبا جزائريا، أو شعب المغرب الأوسط في التاريخ الوسيط، باعتباره شعبا موحدا يتشكل من عرب وأمازيغ وأندلسيين وأفارقة، حيث تعايشت جميع هذه الأعراق بسلام ووئام، حتى دخول الجزائر ضمن الحسابات الإمبريالية، لما يزيد عن قرن من الزمان.
إن مبدأ تقرير المصير بأبعاده النيوكولونيالية، هو الأداة الفتاكة التي يعتمدها مخطط الشرق الأوسط الكبير، لتفكيك الدول العربية، إلى دويلات/ قبائل غير قابلة للحياة، وذلك بهدف تحويل العالم العربي إلى ساحة خلفية للنيوكولونيالية الأمريكية- الأوروبية- الصهيونية، باعتباره خزان وقود كبير لتحريك عجلة الرأسمالية، وباعتباره سوقا استهلاكية تتوفر على ملايين السكان، القادرة على ترويج المنتوجات الصناعية، وكذلك باعتباره سوقا لليد العاملة الرخيصة، القادرة على تحريك القطاعات الرأسمالية غير المهيكلة…
ويقدم لنا النموذج السوفييتي والنموذج اليوغوسلافي، دروسا بليغة في هذا المجال، فبعد أن كان الاتحادان السوفييتي واليوغسلافي يشكلان دولا قوية بثرائها البشري، الذي انعكس على شكل اقتصاد قوي، وسياسة وازنة، وموقع جيوسياسي إستراتيجي، بعد أن تمتع الاتحادان بهذه المكانة الوازنة في العالم، وبعد أن حضرا بشكل متكافئ إلى جانب أوروبا والولايات المتحدة، بعد كل هذا تمكنت النيوكولونيالية من تفكيكهما إلى دويلات ضعيفة ومتناحرة، غير قادرة على حماية أمنها الداخلي، فما بالك التموقع في العالم كقوى دولية وازنة! وفي مسار التفكيك هذا الذي قادته القوى الامبريالية الغربية، كان مبدأ تقرير المصير بأبعاده النيوكولونيالية حاضرا بقوة، ينخر كورم سرطاني مدمر أجسادا ظلت قوية لوقت قريب.

4 – مبدأ تقرير المصير في الصحراء المغربية

بين القانون الدولي والتوظيف السياسي: إذا كان مبدأ تقرير المصير، قد اتخذ أبعادا سياسية خطيرة بعد بزوغ فجر النظام العالمي الجديد، الذي تقوده الولايات المتحدة، منذ سقوط المعسكر الشرقي، فإن المغرب قد عانى من التحريف الذي مورس على القانون الدولي قبل ذلك بعقود.
فبعد أن كان تقرير المصير في إقليم الصحراء، الذي كان محتلا من طرف الاستعمار الاسباني، يسير في اتجاهه الصحيح، عبر المطالبة المغربية بإجلاء الاستعمار عن منطقة صحراوية تابعة للمغرب، بمعطيات الجغرافيا والتاريخ والقانون الدولي، وبعد أن تمكن المغرب عبر المفاوضات وعبر المقاومة المسلحة من طرد آخر جنود الاستعمار الإسباني، بعد كل هذا المسار الطويل وجد المغرب نفسه يواجه وضعا دوليا جديدا، يحوله من دولة مستعمرة “بفتح الميم” تطالب بحقها في الاستقلال وتقرير المصير، إلى دولة “مستعمرة”- “بكسر الميم” تطالبها الشرعية الدولية المزورة بتقرير مصير “شعب صحراوي” لم يوجد يوما إلا في مخيلة المستعمرين والتوسعيين.
إن النموذج المغربي في علاقته بهذا المبدأ الدولي “الحمال أوجه” يقدم دروسا بليغة، حول ما يمكن أن يعتري القانون الدولي من أنواع الخلل، إذا بقي عرضة للتحريف، من طرف القوى الدولية خدمة لمصالحها الخاصة.
وقد كان المغرب ضحية الموجة الشيوعية التي ضربت المنطقة المغاربية، إبان ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، فمن المعروف أن الدولة السوفييتية، قد تبنت منذ ظهورها مبدأ حق الأمم في تقرير مصيرها، باعتباره مبدأ أساسيا للتسوية السلمية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، كما أنها كانت تعده أساس سيادتها بصدد القوميات، إذ لا يقوم موقفها في هذا المجال على الدفاع عن مبدأ القوميات، بصورة تقليدية، بل تعطي مبدأ تقرر المصير أساسا أكثر عمقا، حين تقرن مسألة القومية بمسألة التحرر من الاستعباد الامبريالي، لشعوب المستعمرات والبلاد التابعة.
وبما أن المغرب كان يمثل الخيار الليبرالي/ الرأسمالي في المنطقة المغاربية، فإنه اعتبر من طرف الإيديولوجية الشيوعية، تابعا للامبريالية، ولذلك فما يصدق على “الإمبريالية” ينطبق على المغرب كذلك.
هكذا كانت الحقوق التاريخية والجغرافية للمغرب مستهدفة بقوة من طرف تحالف اشتراكي عالمي، يمتد من أمريكا اللاتينية إلى شمال إفريقيا، وقد استغل هذا التحالف مبدأ تقرير المصير، لتصفية حساباته الإيديولوجية مع المغرب، وقد نجح حقا في قلب الحقائق، من خلال النجاح في تزوير مبادئ القانون الدولي، لتحويل المغرب من دولة مستعمرة “بفتح الميم” تطالب بتقرير مصيرها، إلى دولة مستعمرة “بكسر الميم” مطالبة من طرف “حركات التحرر” بتقرير مصير “الشعب الصحراوي”.
لقد أدى المغرب ثمنا غاليا في معاناته مع الأطروحة الانفصالية في أقاليمه الصحراوية، وذلك من منطلق مبدأ تقرير المصير دائما، فجبهة البوليساريو تتخذ هذا المبدأ كشعار لفصل امتداد ترابي مغربي خالص، بمعايير التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي، عن الوطن الأم. لكن هذا المبدأ يحضر – كما أسلفنا- من منطلقات قانونية خاطئة، تطالب بتطبيق الشرعية الدولية، لكنها تخرقها في نفس الآن.
وذلك لأن مبدأ تقرير المصير ارتبط في القانون الدولي بحق الدول/ الشعوب المستعمرة من طرف قوى أجنبية، في تقرير مصيرها، لكن الصحراويين ظلوا على امتداد التاريخ القديم منه والحديث، مواطنين مغاربة كاملي المواطنة، لأن المغرب ليس دولة طارئة على التاريخ، بل يمتلك سيادة ومؤسسات لأكثر من إثني عشر قرنا، وطوال هذه القرون، لا يسجل التاريخ أن سكان الصحراء المغربية، شكلوا دولة مستقلة عن المغرب، كما لا يثبت التاريخ، أن الصحراويين شكلوا يوما شعبا خاصا منفصلا عن المغرب، وذلك لأن المغرب دولة صحراوية في الأساس، أغلب الأنظمة السياسية التي حكمته ذات أصول صحراوية.
إن البوليساريو تطالب بتطبيق مبدأ تقرير المصير، من منطلقات غير قانونية، لأن الصحراويين لم يمتلكوا عبر التاريخ دولة منفصلة عن المغرب، كما لم يشكلوا عبر التاريخ شعبا منفصلا عن الشعب المغربي، وعلى خلاف ذلك تماما فإن مبدأ تقرر المصير، ارتبط في القانون الدولي بالدول/ الشعوب المستعمرة، والقرارات الأمية تؤكد بالواضح والمباشر، أنها غير مسؤولة عن أي تأويل لقراراتها، للمس بسيادة الدول وسلامتها الإقليمية، واستقلالها السياسي:
لا يجوز بأي حال تفسير أي جزء من هذا الإعلان على أنه يسمح بأي نشاط يتعارض مع مقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، بما في ذلك المساواة في السيادة بين الدول، وسلامتها الإقليمية، واستقلالها السياسي. “الإعلان ألأممي 135/47 المؤرخ في 18 ديسمبر 1992”.
إن جبهة البوليساريو تبني مطالبتها بتقرير مصير ما تسميه “الشعب الصحراوي” على أساس جغرافي، باعتبار أن سكان الصحراء المغاربة، يتميزون عن سكان الجبال والسهول المغاربة، في أشكال العيش وفي اللهجة وفي العادات والتقاليد… ومن ثم فهم يشكلون مجموعة بشرية خاصة ضمن سكان المغرب، وهذا ما يؤهلهم – حسب البوليساريو- ليشكلوا شعبا خاصا!!!
لكن لنعتمد هذه المنطلقات الجغرافية، للتعامل مع باقي ساكنة المغرب، التي تتميز بالتنوع، فهل من هذا المنطلق الجغرافي، يمكن لسكان الجبال أن يشكلوا شعبا خاصا داخل المغرب؟ ومثلهم في ذلك، هل يمكن لسكان السهول أن يشكلوا شعبا متميزا؟ إذن عن أي مغرب نتحدث إذا حذفنا هذه المكونات السكانية؟! وجميع المؤرخين والأنطروبولوجيين يقرون بان المغرب بلد التنوع السكاني، على امتداد أكثر من اثنتي عشر قرنا “تاريخ نشوء الدولة المغربية”، حيث تعايشت جميع الانتماءات الإثنية واللغوية بسلام وأمن، في احترام تام لكل أشكال الاختلاف، ومن دون أن يثار يوما سؤال الاختلاف من منطلقات انفصالية، وحتى في أحلك اللحظات التاريخية التي مر منها المغرب، إبان تقسيمه بين القوى الامبريالية.
هكذا يبدو أن مطالبة جبهة البوليساريو ، بتقرير مصير السكان الصحراويين المغاربة، فيه الكثير من التجني على القانون الدولي، ولعل ما عاناه المغرب طوال هذه العقود داخل أروقة الأمم المتحدة، ليس له أي تفسير قانوني مقنع، ضمن القرارات الأممية المؤطرة لمبدأ تقرير المصير.
نعم يمكن أن نقر بان القضية سياسية، ذات أبعاد استعمارية، نظرا للتاريخ الاستعماري للدولة الاسبانية في منطقة الصحراء، وكذلك ذات أبعاد إيديولوجية، نظرا للصراع الإيديولوجي الذي عرفته منطقة المغرب العربي، خلال مرحلة الحرب الباردة بين المغرب، الذي مثل الخيار الليبرالي/ الرأسمالي في المنطقة، وبين ليبيا والجزائر اللتان مثلتا الخيار الشيوعي/ الاشتراكي.
ونظرا لهذا التداخل بين الأبعاد الاستعمارية والإيديولوجية، فقد تم تحريف مبدأ تقرير المصير، لخدمة أجندة خارجية، إقليمية ودولية، وتم تقديم سكان مغاربة، كشعب يطالب بتقرير مصيره، في تحد سافر لروح القانون الدولي.
إن ما يجب أن نعي به جميعا، هو أن جبهة البوليساريو في تزويرها للمبادئ الأساسية للقانون الدولي، لا تخدم أجندتها الخاصة، لأن قدراتها السياسية لا تمكنها من ذلك، ولكنها تخدم مصالح استعمارية وتوسعية واضحة، إقليميا ودوليا، وهذه المصالح تنبني على أساس استغلال الشرعية الدولية، بدعم من قوى دولية فاعلة، وهذا أمر أصبح طبيعيا الآن، في ظل الإستراتيجيات النيوكولونيالية، الهادفة إلى تفكيك الدول خدمة لمصالحها.
إن المخططات الانفصالية التي تهدد العالم العربي بمشرقه ومغربه، ليست حدثا طارئا البتة، ولكن ذلك يدخل ضمن إستراتيجية بعيدة المدى، تسعى إلى إعادة صياغة خرائط العالم، ضمن التصور الذي وضعه النظام العالمي الجديد. وضمن هذا المنظور الإستراتيجي، حضر مخطط الشرق الأوسط الكبير، حاملا لمشاريع انفصالية، تستغل القانون الدولي، لنشر الفوضى “الخلاقة” في العالم العربي، وذلك لتسهيل المعابر البرية والبحرية، لتسرب الطاقة بقدر أكبر.
______
الهوامش:
Ralf Peters – Blood borders: how a better middle east would look – AFJ “Armed Forces Journal.-1
2 – ساسين عساف – الوحدة العربية في مواجهة المشروع الصهيوني- مجلة المستقبل العربي- فبراير/ شباط 2010 – ع: 372- ص: 19
3 – نفس المرجع – ص: 20- 21.
4 – يمكن الإشارة هنا إلى مخطط رالف بيترز ومخطط هنري كيسنجر، والمخططان معا دعوة إلى إعادة صياغة خرائط المنطقة العربية.
5 – انظر: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف “د- 21” المؤرخ في 16 ديسمبر 1966- تاريخ بدء النفاذ: 23 مارس 1976 وفقا لأحكام المادة 49.
6- انظر: الإعلان الأممي بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية وإثنية وإلى أقليات دينية ولغوية – اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 135/47 المؤرخ في 18 دسمبر 1992.
7- انظر: صادق جلال العظم: ما هي العولمة؟ ورقة بحث مقدمة للمنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم- تونس- 1996.
8- نفس المرجع.
9- حضر مصطلح العولمة باعتبارها “أمركة” عند المفكر محمد عابد الجابري، كما حضر بنفس المعنى عند المفكر الاقتصادي سمير أمين، كما حضر بنفس المعنى عند عدة مفكرين عبر العالم. ومن هذا المنظور كانت العولمة تحضر دائما باعتبارها امتدادا للنظام العالمي الجديد، الذي يقوم على أساس التحكم الأمريكي في بوصلة العالم، خدمة للمصالح الأمريكية.
10- Ralf Peters – Blood borders: how a better middle east would look – AFJ “Armed Forces Journal.
11- انظر: ساسين عساف – الوحدة العربية في مواجهة المشروع الصهيوني – مرجع سابق.