الرئيسية / دراسات / المغرب بوابة للأعمال في أفريقيا
0d7005fdcfa9b3fed975cb82c77adc29

المغرب بوابة للأعمال في أفريقيا

الإمكانات الهائلة التي تمتلكها أفريقيا في مجال الاقتصاد والأعمال، جعلت منها محلّ اهتمام الاقتصادات الكبرى الباحثة عن فضاءات بِكرٍ للاستثمار، غير أنّ هذا الاهتمام يبدو أنّه لن يستطيع أن يُفعّلَ بطريقة سلسة وسليمة إلاّ عن طريق التركيز على المغرب بوصفه بلدا يسعى لاكتساب قوة اقتصادية ولكونه يُعدّ جسرا يربط مختلف بلدان القارة مع العالم، بحسب ما أفادت به دراسة صادرة عن مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، تناولت بالبحث تقريرا أعدّه كلّ من بيتر فام وريكاردو رنيه لاريمون، صدر مؤخراعن المركز الأفريقي التابع للمجلس الأطلنطي (وهي مؤسسة بحث أميركية في القضايا الاستراتيجية والاقتصادية).
أفريقيا هي موطن سبعة اقتصاديات، تُعدّ الأكثر نموا في العالم، وبحلول سنة 2050 يتوقع أن يتجاوز عدد سكان القارة نظيره في الهند والصين مجتمعتين حيث سيتضاعف ليصل إلى 2 مليار نسمة. زيادة على ذلك سيكون هذان الملياران من الأفارقة أصغر (عمريا) من نظرائهم في أيّ مكان آخر من العالم، وسيمثلون واحدًا من أربعة عمال على المستوى العالمي مع حلول منتصف القرن.
ويدرك المستثمرون جيدا امتلاك أفريقيا لثروات طبيعية طائلة بما في ذلك 30 بالمئة من الاحتياطات المعروفة من المعادن و60 بالمئة من الأراضي الخصبة غير المستغلة في العالم. لكنّ هذه القارة تعاني من تحديات عدة تقف أمام تطوير الأعمال فيها، ومنها الفساد والقوانين الغامضة والمكبلة والموارد البشرية غير المتطورة وضعف البنية التحتية وغياب الأمن.
أمام هذا الوضع يقدّم المغرب حلاّ محتملا بفضل تمتعه بالاستقرار وتنامي قوته الاقتصادية إلى جانب مساهمته في استتباب الأمن الإقليمي ممّا يجعله بوابة جذابة للاستثمار، وشريكا مهما للولايات المتحدة في أفريقيا. فضلا عن ذلك فالمغرب هو البلد الأفريقي الوحيد الذي أمضى اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة الأميركية.

تحسين ظروف الاقتصاد الكبير
يشير الباحثان في دراستهما هذه، أوّلا، إلى أنّ المغرب قام بإصلاحات جريئة أدّت إلى أن يصبح واحدا من بين المستقبلين الخمسة الأوائل للاستثمار الأجنبي في أفريقيا ويرتقي إلى المرتبة السابعة والسبعين في قائمة ترتيب المنتدى الاقتصادي العالمي للمنافسة، كما أنّه قفز 29 مرتبة في ظرف ثلاث سنوات في تقرير إنجاز الأعمال الصادر عن البنك العالمي.
وقد بدأ المغرب في السنوات العشر الأخيرة يجني ثمار الإصلاحات التي بدأها الملك الراحل الحسن الثاني؛ حيث ازداد النمو الاقتصادي من متوسط 2.2 بالمئة إلى 5 بالمئة، وانخفض معدل الدين الخارجي بالنسبة إلى الناتج المحلي الخام بنسبة 65 بالمئة، فبعد أن كان في حدود الـ 79 بالمئة سنة 1999 تقلّص إلى حوالي 14 بالمئة مع نهاية سنة2009.
كما تخطى مليون ونصف من المغاربة عتبة الفقر ممّا جعل المدير العام لصندوق النقد الدولي آنذاك يصف المغرب بأنه “عماد التطور في المنطقة”.
لكن تبقى هناك بعض التحديات التي يتوجب على المغرب مجابهتها شأن البيئة التنظيمية كالتّحكم في رأس المال وعمليات معقدة أخرى تخص توظيف العمالة وطردها بالإضافة إلى السجل العقاري الذي يعدّ غير عملي. كما أنّ المرأة المغربية تساهم في الاقتصاد بنسبة 25 بالمئة فحسب، وما تزال بطالة الشباب مرتفعة. وعلى الرغم من كل هذه الصعوبات، وبالنظر إلى سجل المغرب في الإصلاح الاقتصادي، الكلّ يقرّ بوجود أمل في أن يحقق هذا البلد تقدما في هذه المسائل أيضا.

مكانة استثمارية مهمة في أفريقيا
حرص المغرب تحت قيادة الملك محمد السادس على توسيع علاقاته مع البلدان الأفريقية جنوب الصحراء، وتجلى ذلك على سبيل المثال في حضور العاهل المغربي حفل تنصيب الرئيس المنتخب ابراهيم بوبكر كيتا في شهر سبتمبر من سنة 2013، وقد ترأس وفدا مغربيا كبيرا من الاقتصاديين ورجال الأعمال. وعاد العاهل المغربي مرة أخرى في فبراير 2014 إلى مالي في محطة أولى من جولة على امتداد ثلاثة أسابيع أسفرت عن ثمانين اتفاقا مع أربعة بلدان أفريقية. هذا فضلا عن سبعة عشر اتفاقا أبرمت مع بلدان أخرى في السابق، والاتفاقات الممضاة مع تونس في مايو 2014.
زيادة على كل ذلك، لفت الباحثان في دراستهما إلى أنّ المغرب قام بتدعيم حضوره في عدة منتديات متعلقة بأفريقيا مثل القمم الفرنسية الأفريقية وأولى القمم الأفريقية الأوروبية. وقد تمّ تضمين هذا التركيز المتجدد على أفريقيا في دستور 2011، الذي يتعهد “بتدعيم علاقات التعاون والتضامن مع الشعوب والبلدان الأفريقية”.
وفي هذا السياق فقد مثلت مجموعة من الشركات المغربية الكبرى أساس مشروع اندماج البلد في أفريقيا، ولعل أفضل مثال على ذلك شركة اتصالات المغرب التي تعد الشركة الرائدة في أفريقيا الفرنكفونية، حيث تمتلك هذه الشركة أكثر من ثلاثين مليون منخرط في الغابون وبوركينا فاسو ومالي وموريتانيا، ومؤخرا حصلت على خدمات الهاتف الجوال في البنين وجمهورية أفريقيا الوسطى وساحل العاج والنيجر وطوغو.
ومن بين أهم الشركات الكبرى الأخرى في المغرب، يذكر الباحثان كذلك؛ شركة الفسفاط (أو.سي.بي)، وتعد هذه الشركة أكبر مصدر لمادة الفسفاط في العالم، وهي تقيم برامج تعاون مع بلدان أفريقية مثل مالي والغابون لإنتاج الأسمدة المعدنية.

الخبرة في الإدارة والمالية
تعدّ بورصة الدار البيضاء أقدم سوق للأوراق المالية في القارة الأفريقية، وبحلول يونيو 2014 أصبحت تضم 74 شركة ولديها رأسمال جملي يقارب الـ 57 مليار دولار. وقد أمضت في بداية السنة الجارية اتفاقية مع مجموعة سوق لندن للأوراق المالية لتوسيع أنشطتها في أفريقيا وهي تدرب ثلاثة آلاف شخص في السنة على التثقيف المالي. وأتت هذه الجهود أكلها بالفعل حيث دخلت الدار البيضاء مؤشر المراكز المالية العالمية في مارس 2014 في المرتبة الثانية والستين عالميا، رغم أنها لم تكن مدرجة في السابق.
وفضلا عن أداء المؤسسات المالية المغربية لدور مهم في تهيئة الأرضية لإعادة ارتباط البلد بأفريقيا، تمثل هذه المؤسسات معبرا يزداد حيوية للقارة الّتي تشكو نقصا في الخدمات البنكية الرسمية ممّا يعيق النمو الاقتصادي؛ ففي أواخر ثمانينات القرن الماضي ساهم البنك المغربي للتجارة الخارجية في إعادة تنظيم بنك التنمية الحكومي في مالي الذي كان في حالة احتضار حينها. وفي 2010 اشترى البنك المغربي للتجارة الخارجية غالبية أسهم مجموعة بنك أفريقيا الذي يُجري معاملات مع سبعة عشر بلدا أفريقيا ويطمح للتوسع في ثلاثة عشر بلدا آخر.
إجمالا، يشير الباحثان بيتر فام وريكاردو رنيه لاريمون، إلى وجود 77 شركة مغربية في قائمة الشركات الأفريقية الـ 500 الأولى، حسب نسخة 2014 الّتي تعدها مجلة “جون أفريك” بعد مراجعة عشرة آلاف شركة. وفي المجمل تساهم الشركات المغربية بـ 9 في المئة من الأعمال المتداولة في أفريقيا.

الثراء الثقافي يدعم الأعمال
يقع المغرب في الزاوية الشمالية الغربية للقارة الأفريقية، وينعم بسواحل على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وهذا الموقع الاستراتيجي مناسب جدّا ليجعل المغرب بوابة لأفريقيا. ونظرا للقرب الجغرافي من أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يمثل المجتمع المغربي اليوم ملتقى لهذه الحضارات، وهو ما يمكنه من إيجاد موطئ قدم في المناطق الثلاث السالفة الذكر.
وفي نفس السياق، يتمسك المغرب بإرثه الثقافي المتنوع ويستخدمه لتعزيز مكانته في كامل أنحاء أفريقيا وخارجها.
فالمملكة المغربية مرتبطة مع بلدان شمال أفريقيا عبر اتّحاد المغرب العربي على الرغم من أنّ هذه المؤسسة مجمدة منذ سنة 1994 بسبب خلاف دائر بين المغرب والجزائر حول قضية الصحراء المغربية. كما يقوم المغرب من جهة أخرى بتوفير التعليم لآلاف الطلبة الأفارقة عبر برنامج منح في مختلف الاختصاصات بما في ذلك الميادين التقنية المنشودة.
ويعدّ هذا الثراء الثقافي الذي تتمتع به المملكة المغربية، بحسب الدراسة، عمادا رئيسيا وداعما أساسيا للأعمال والتطور الاقتصادي والتنموي الذي أضحى يرفع من مكانة المغرب في محيطه الأفريقي خاصّة وفي المحيط العالمي عموما، يوما بعد يوم.

اندماج متزايد في الاقتصاد العالمي
تشير الدراسة، في هذا السياق إلى أنّ أكبر مصنع للسيارات في أفريقيا يوجد في ضاحية من ضواحي طنجة المغربية، وقد تم تدشينه سنة 2012 وينتظر أن ينتج 340 ألف سيارة في السنة وأن يشغل خمسة آلاف عامل. وهذا المصنع هو نتيجة تعاون بين شركة رينو الفرنسية وصندوق الودائع والتصرف المغربي، ويعد هذا الصندوق لاعبا كبيرا ورئيسيا في دفع المغرب نحو الاندماج الأعمق في الاقتصاد العالمي.
وبالإضافة إلى جذب شركة رينو، نجحت المناطق الصناعية المغربية في إغراء شركات التكنولوجيا المتقدمة مثل هيولت باكارد وشركات الطيران مثل بويغ وسفران الفرنسية لتأسيس مصانع في المملكة بهدف توفير الحاجيات المتنامية للسوق الأفريقية.
هذا فضلا عن الآفاق الواسعة المفتوحة أمام التعاون بين المغرب والصين التي أصبحت منذ سنة 2009 أكبر شريك تجاري مع أفريقيا، ولم يفتها طبعا التنبّه إلى إمكانية لعب المغرب لدور الجسر مع بقية بلدان القارة الأفريقية.
وبالإضافة إلى اتفاقية التجارة الحرّة مع الولايات المتحدة، يندمج المغرب في الاقتصاد العالمي من خلال معاهدات تجارية أخرى بما في ذلك اتفاقية شراكة طويلــة المدى مع الاتحاد الأوروبي، تمّت ترقيتها لاحقا إلى “وضع متقدم” في سنة 2008، وهو ما فتح الطريق أمام مستويات أعلى من التعاون السياسي.
أمّا على الصعيد الأفريقي فقد عمد المغرب إلى إبرام اتفاقيات تجارة حرة وتفاضلية مع الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأفريقي والمجموعة الاقتصادية والنقدية لدول وسط أفريقيا والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.
ما يجب على الولايات المتحدة فعله
تشير الدراسة في نهايتها إلى تخلي الولايات المتحدة شبه التام عن نصيبها في الاستثمار في القارة الأفريقية لفائدة مستثمرين آخرين مثل الصين والبرازيل والهند واليابان. كما ينبّه الباحثان بيتر فام وريكاردو رنيه لاريمون إلى أن مثل هذا التجاهل للتطور الاقتصادي في أفريقيا قد يحكم على القارة بأن تعيش في حالة عدم استقرار متواصلة وتصاعد التطرف الديني، إذا لم تتم تلبية الاحتياجات الاقتصادية للسكان المتزايدين في العدد بسرعة.
وبناء على ذلك تقترح الدراسة أن تسعى الولايات المتحدة إلى إتمام أيّة معاهدات تجارية تفاضلية واستثمارية ثنائية قيد التفاوض حاليا مع البلدان الأفريقية مع توسيعها لتشمل شركاء جدد.
كما يدعو الباحثان واشنطن إلى ممارسة المزيد من الضغط على حلفائها الأفارقة للالتزام بإجراء إصلاحات للأسواق والقوانين إلى جانب مساعدة البلدان الأفريقية الغنية بالموارد الطبيعية على تنويع اقتصادها وخاصة عن طريق تعصير الفلاحة.
ويمكن للحكومة الأميركية في هذا المجال وغيره تعزيز تعاون بين القطاعين العمومي والخاص تقوم فيه الشركات الأميركية بتطوير الإمكانات الهائلة لأفريقيا كمصدر للغذاء لنفسها وللعالم.
وبالنظر إلى أنّ المغرب يعدُّ حليفا قديما ويمثل قوة إقليمية صاعدة في القارة الأفريقية، فمن مصلحة الولايات المتحدة الإستراتيجية مزيد تعميق التعاون الاقتصادي والتجاري وإنشاء شراكات سياسية وأمنية أقوى معه، باعتباره يمثّل جسرا يربط مع باقي بلدان القارة.