الرئيسية / ثقافة ومعرفة / السلطة الفلسطينية.. بعد محمود عباس
محود عباس

السلطة الفلسطينية.. بعد محمود عباس

بقلم: وليد عبد الحي

تُمثل البنية السياسية الفلسطينية في أبعادها الثلاثة: السلطة والدولة والمجتمع، حالة عصية على التحليل السياسي استناداً للمناهج التقليدية، ولما كانت مناهج الدراسات المستقبلية معنية بالاتجاه التاريخي وآليات التحول والتغير، فإن النظر في هذه البنية لا بد له أن يتكئ على إيقاع ونمط التغير في الاتجاهات لمكونات البنية السياسية الفلسطينية المشار لها (السلطة، الدولة، المجتمع)، وكيفية التأثير المتبادل بين هذه الأبعاد على ملامح الصورة المستقبلية.

أولاً: السلطة الفلسطينية:

دون الغرق في التفاصيل التاريخية، يمكن القول بأن تولّي السلطة في الساحة الفلسطينية “فردياً وتنظيمياً” منذ سنة 1964(إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية)، مرتبط بمتغير مركزي يتمثل في درجة الالتزام “بالكفاح المسلح لتحرير فلسطين والالتزام بالثوابت الفلسطينية”، وحيث يغيب هذا المتغير المركزي في توجهات أي شخصية فلسطينية أو تنظيم فلسطيني تهتز درجة مشروعية هذا التَبَوؤ. فمنذ أحمد الشقيري مروراً بيحيى حمودة فياسر عرفات فعباس، كان تبني “الكفاح المسلح” هو المدخل الوحيد لتأسيس مشروعية تولّي السلطة، وهو ما ينطبق على بروز منظمة التحرير الفلسطينية على حساب منظمة التحرير الفلسطينية (الشقيري) التي اتهمتها حركة فتح في حينها بمجاراة السياسات العربية في النصف الأخير من ستينيات القرن الماضي. كما أن تنامي شعبية حركة حماس منذ الثمانينيات من القرن الماضي على حساب حركة فتح، كان بعد نزوع الأخيرة التدريجي نحو التسويات السلمية للصراع العربي الصهيوني والتراجع عن بعض الثوابت الفلسطينية.
ذلك يعني أن بقاء الاحتلال والتهجير والاستيطان (السمة التاريخية للمشروع الصهيوني) سيفرض على أيّ قيادة جديدة احترام الاتجاه التاريخي الفلسطيني المتمثل في العلاقة بين “قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية بتجسداتها المختلفة”، وبين تبني المقاومة المسلحة واحترام ثوابت المشروع السياسي الفلسطيني، باعتبار ذلك هو دالة المشروعية لأيّ سلطة أو قيادة قادمة.
ولما كانت السلطة الفلسطينية الراهنة (السلطة الوطنية ومنظمة التحرير) تعيش مأزقاً ذاتياً وموضوعياً، بفعل تحلّلها من دالة الاتجاه التاريخي الذي أشرنا له، فإن الصورة المستقبلية توحي بالآتي:

اختفاء الرئيس محمود عباس من المشهد الفلسطيني خلال فترة قصيرة (سواء بحكم الشيخوخة 81 عاماً”، أم بحكم استقالة هدد بتقديمها مراراً، أم بحكم حادث يدبره خصومه داخل فتح أو خارجها أو جهة إسرائيلية، وبحكم عدم تعيين نائب له حتى الآن)، وهو ما سيطرح بداية موضوع “الخلافة” لعباس، وهنا تتضح معالم المأزق:

1. تتمثل أبرز الشخصيات المرشحة سواء بدعم من داخل فتح أم بدعم إقليمي أم دولي في كل من: صائب عريقات، ومروان البرغوثي، ومحمد دحلان، ومحمد اشتية، وسلام فياض وماجد فرج. ونظراً لوجود مروان البرغوثي في السجن، وفصل دحلان من حركة فتح منذ 2011 وإحالته للقضاء، واتهام فياض بفساد مالي بالرغم من طول مدة عمله كرئيس وزراء (2007-2013)، ومحدودية الدور لمحمد اشتية بحكم عضويته الحديثة في اللجنة المركزية لحركة فتح (سنة 2009) وعضوية المجلس المركزي الفلسطيني (2014)، وارتباط ماجد فرج بالمؤسسات الأمنية بما يتناقض مع التوجه الغربي نحو عدم عسكرة السلطة، ونفور قطاعات واسعة من الفلسطينيين من الدور الأمني للسلطة الفلسطينية، فإن صائب عريقات يحظى بقدر من القبول الدولي والإقليمي، إلى جانب ارتقاء موقعه السياسي بشكل يبدو مخططاً له كسكرتير عام للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد عزل ياسر عبد ربه، ناهيك عن احتمال حصوله على مزيد من أدوات المساندة التنظيمية من قبل عباس في الفترة القادمة من ناحية، ورغبة قطاع مهم في حركة فتح أن يكون سكرتير عام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير هو الذي يتولى منصب الرئيس في حال شغور المنصب من ناحية ثانية، وهو ما قد تُمهد له الاستقالات من اللجنة التنفيذية والتي جرت في آب/ أغسطس 2015.
وبالرغم من أن هناك إطاراً دستورياً لمعالجة مسألة الخلافة السياسية، يتمثل في تطبيق النص الدستوري (المادة 37)، بأن يتولى رئيس المجلس التشريعي السلطة في حال شغور منصب الرئيس لمدة ستين يوماً يتم خلالها إجراء انتخابات رئاسية، فإن تقاليد الالتزام بالنصوص الدستورية في التاريخ السياسي الفلسطيني لا تكفي لتوقع الالتزام هذه المرة، لا سيما أن رئيس المجلس الحالي عزيز دويك ينتمي لحركة حماس، ناهيك عن أن المجلس شبه مشلول بينما المجلس المركزي لمنظمة التحرير لا تشارك فيه حركتا حماس والجهاد الإسلامي.

2. إن مشكلة فتح وعريقات تحديداً تكمن في أنهما ليسا على توافق مع الاتجاه التاريخي (تبني المقاومة المسلحة وثوابت المشروع الفلسطيني)، وهو ما قد يعني احتمال وقوع ثورة داخل حركة فتح تستيقظ فيها كوادر شبابية من كتائب الأقصى أو غيرها وتزاحم القيادة الحالية ونهج التسوية، وقد تجد مثل هذه الحركة تأييداً من قيادات تاريخية في فتح مثل فاروق القدومي، والتنظيمات الفلسطينية الأخرى ومن ضمنها حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، ناهيك عن بعض المساندة الإقليمية من بعض القوى، ولعل فشل حركة فتح في الانتخابات الطلابية في جامعة بيرزيت في نيسان/ أبريل 2015 وما رافق ذلك من هزة معنوية للحركة يعزز مثل هذا التصور.

3. بناء على ما سبق، فإن احتمال النزاع الداخلي في حركة فتح (بعد عباس) هو أمر لا يجوز استبعاده، لا سيما أن هذه الحركة تضم تيارات كشف الصراع الأخير بين قياداتها عن توتر داخل الحركة قد يقود لمواجهات عنيفة، بل قد يستقوي بعضها بقوى الاحتلال والقوى الدولية والإقليمية لصالحه.

4. بناء على ما سبق، يبرز دور “الاتجاه التاريخي” (المقاومة المسلحة والثوابت)، ليفتح المجال للقوى الأخرى المتشبثة بهذين البعدين، خصوصاً حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، وهما حركتان لن يسمح الاحتلال والقوى الإقليمية، بخاصة العربية والقوى الدولية لهما بهذا الدور، ما لم تجدا قاعدة ارتكاز لهما خارج نطاق الأرض المحتلة. مما يعني ضمور دور القيادات الداخلية لصالح قيادات الخارج وعودة السلطة الفلسطينية “للمنفى” ثانية أو الانتقال كاملاً إلى قطاع غزة، مما يشي بتغير المشهد السلطوي الفلسطيني كاملا.

ثانياً: الدولة الفلسطينية:

إذا تجاوزنا عدم التجسد المكاني للدولة الفلسطينية، لا يبقى سوى ” مشروع الدولة” المعترف به قانونياً في الأمم المتحدة ومن قبل أغلب هيئات ووحدات المجتمع الدولي المعاصر. لكن الحدود السياسية لهذه الدولة ما تزال موضع “تفاوض”، وهو ما يعني أن السلطة الفلسطينية بعد عباس هي التي ستحدد الإطار الجغرافي لها. فإذا تولى السلطة لاعبو أوسلو (من حركة فتح) فإن التفاوض سيمتد لفترة زمنية جديدة مترافقاً مع استمرار الاستيطان في الضفة الغربية وتهويد القدس، بينما إذا تولت السلطة قيادة فلسطينية – خصوصاً في المنفى -، من المتمسكين بالاتجاه التاريخي، فإن مشروع الدولة الفلسطينية سيتعرض من الناحية القانونية لضغوط دبلوماسية هائلة، وسيكون ميزان القوى الدولي والإقليمي والفلسطيني هو العامل الحاسم في تحديد الوضع القادم، وهو أمر يحتاج لبحث منفصل (احتمالات التحول في موازين القوى الداخلية والإقليمية والدولية)، أي أن المأزق الفلسطيني سيتمثل في بروز قيادة تواصل التفاوض غير المجدي مع استمرار الاستيطان، أو بروز قيادة مقاومة جديدة متمسكة بالاتجاه التاريخي (المقاومة والثوابت) لكنها ستواجه ضغوطاً دولية وإقليمية هائلة.

ثالثاً: المجتمع الفلسطيني:

إذا كانت السلطة هي التعبير السياسي عن إرادة المجتمع وآليات تنظيمه، وإذا كانت الدولة هي الإطار القانوني للتعبير عن الوجود المادي في المجتمع الدولي، فإن المجتمع هو مادتهما، وهو ما يعني ضرورة رصد مدى التصاق المجتمع بالاتجاه التاريخي (المقاومة والثوابت) في تحديد من يحكم وأين يحكم.
وبالرغم من عسر الجغرافيا والموارد والبيئة الإقليمية والدولية، يمكن اعتبار قطاع غزة بقيادته وأغلبية مجتمعه هو التجسيد الفعلي للاتجاه التاريخي، وهو ما أسهم – إلى جانب عوامل أخرى – في تحرير هذه الجغرافيا الفلسطينية، وهو ما يعني أن المجتمع الفلسطيني سيواجه في المستقبل أربعة نماذج:

أ. مجتمع فلسطيني يميل أغلبه لتبني نموذج غزة الحالي.
ب. مجتمع يميل أغلبه لتبني نموذج الضفة الغربية الباقية على وضعها الحالي.
ج. بقاء الانقسام الجغرافي الحالي خلال الفترة القادمة (خمسة أعوام).
د. إعادة القوات الإسرائيلية احتلال كل من المنطقتين احتلالاً كاملاً.

المجتمع الفلسطيني خارج فلسطين:

يشكل المجتمع الفلسطيني خارج فلسطين، خصوصاً في دول الجوار، بيئة حاضنة للمنظمات الفلسطينية كلها، غير أن “الاضطرابات السياسية” في البيئة العربية منذ نهاية سنة 2010 قلصت (ولو مؤقتاً) من مساحة الحركة لبعض التنظيمات خصوصاً حركة حماس. وإذا كان المجتمع الفلسطيني في الداخل أكثر خضوعاً لسلطاته الفلسطينية، فإنه في الخارج لا سيما في دول الجوار هو أكثر قدرة على “معاندة” سياسات التنظيمات الفلسطينية بفعل الظروف الموضوعية المحيطة بالطرفين (المجتمع والتنظيمات)، وهو ما يسمح للبيئة الإقليمية في التأثير على بنية وتوجهات القيادات الفلسطينية في الخارج.

تفاعل الأبعاد الثلاثة (السلطة والدولة والمجتمع):

يتضح من التحليل السابق أن السيناريوهات المحتملة للأبعاد الثلاثة تتمحور حول عدد من النقاط التي يستحق كل منها دراسة منفصلة لفهم التداعيات المترتبة عليها:

أولاً: السلطة:

وتتمثل سيناريوهاتها في:
1. استمرار نهج أوسلو التفاوضي.
2. صراع داخل فتح.
3. انتقال القيادة لحركة حماس.
4. حلّ السلطة.
5. انتقال القيادة خارج فلسطين.
6. انتقال مقر القيادة لقطاع غزة.

ثانياً: الدولة:

وتتمثل احتمالاتها في:
1. توسيع المناطق الخاضعة للسلطة.
2. تقليص السلطات الإسرائيلية المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية لأسباب أمنية.
3. بقاء ثنائية غزة الضفة القائمة حالياً.
4. إعادة الاحتلال الكامل لأراضي 67.

ثالثاً: المجتمع الفلسطيني (في فلسطين والمنفى):

وتتمثل احتمالاته في:
1. تنامي تيار التمسك بالمقاومة والثوابت.
2. تراجع التمسك بالمقاومة والثوابت.
3. اتساع التباين في التوجهات بين غزة والضفة.
4. الغرق في حالة الفوضى وتزايد موجات الهجرة من فلسطين.

التوصيات:

نظراً للتعقيدات الهائلة في المشهد الفلسطيني، فإن كل نقطة من النقاط الفرعية الخاصة بالسلطة والدولة والمجتمع، تحتاج إلى دراسة منفصلة، يقصر المقام عن استيعابها، كما يستدعي التفاعل بين المؤشرات المتضاربة السابقة ما يلي:

1. تشكيل فريق بحثي يقوم بدراسة المتغيرات الإقليمية والدولية خلال السنوات الخمس القادمة سواء تلك التي ترجح تنامي تيار المقاومة والثوابت أم تلك التي ترجح تنامي تيار التخلي عن المقاومة والثوابت، والعمل على بحث كيفية تعزيز المتغيرات الأولى وإضعاف المتغيرات الثانية، إذ من المرجح أن تستثمر الحركة الصهيونية موجة العداء الدولي الحالي لـ”الإرهاب”، خصوصاً الديني لدمج حركتي حماس والجهاد الإسلامي في هذا الإطار، وهو ما قد يضع قطاع غزة في موضع معقد للغاية، خاصة مع حالة الجفاء الراهنة بين القطاع والبيئة العربية المجاورة.
2. الدعوة إلى ترتيب البيت الفلسطيني وفق بنى تشريعية وتنفيذية راسخة، تحترم العمل المؤسسي، وتمارسه بشكل فعَّال، ولا ترتبط باستقالة الأشخاص أو بوفاتهم.
3. على قوى المقاومة والقوى المحافظة على الثوابت التواصل مع كافة القوى الوطنية لتعزيز هذا النهج، بما في ذلك التيار الذي يركز على المقاومة في حركة فتح.
4. من المرجح أن تتنامى نزعة العداء للصهيونية في الرأي العام الدولي استمراراً لتطور بدأ منذ الانتفاضة الأولى وتزايد في الانتفاضة الثانية وما زال متواصلاً وهو أمر يستحق أن توليه قوى المقاومة اهتماماً كبيراً وتعمل على تطويره.
5. يبدو أن نهج الانكفاء الأمريكي عن المنطقة العربية سيتواصل ولو ببطء وبشكل متذبذب، مع تنامي الدور الصيني والروسي وبعض القوى الأوروبية، وهو ما يعني ضرورة الحرص الشديد من قبل تيار المقاومة والثوابت في التعاطي مع سياسات هذه الدول الكبرى الصاعدة بقدر من الواقعية السياسية.
6. عدم الانغماس في القضايا العربية الداخلية واتخاذ مواقف محايدة وواضحة الحياد في هذه القضايا الداخلية.

* مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات