الرئيسية / إضاءات / اتفاق اوسلو: رؤية سياسية نقدية
4f0f3b3ac30a4a56e87f62210b152d1a

اتفاق اوسلو: رؤية سياسية نقدية

اتفاق أوسلو من الاتفاقات التي أجريت عليه مئات بل ربما الآلاف من الأبحاث والدراسات، وسأحاول هنا أن أقدم هنا قراءة نقدية مختصرة للاتفاق في نقاط محددة:
النقطة الأولى: اعترفت منظمة التحرير في اتفاق أوسلو بحق “إسرائيل” في الوجود، وبشرعية احتلالها لأرض فلسطين التي استولت عليها سنة 1948، وهذا يشكل 78% من أرض فلسطين. وبهذا الاعتراف خرجت الأرض المحتلة سنة 1948 من دائرة الصراع، ومن دائرة التفاوض، وبالتالي أصبح أي أمر يتعلق بالتفاوض ينحصر فقط بالضفة الغربية وقطاع غزة.
النقطة الثانية: أن “إسرائيل” اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، ولكنها في الوقت نفسه لم تعترف بحق الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولا يوجد أي تعهد من قبل الجانب الإسرائيلي بالانسحاب من الضفة الغربية أو قطاع غزة
النقطة الثالثة: الاتفاق لا يشير إلى أن الضفة الغربية أو قطاع غزة هي أرض محتلة، وهو ما يعزز الاعتقاد بأنها أراضٍ متنازع عليها، وهذا السلوك الذي أراد الإسرائيليون إثباته طوال الفترة الماضية، وبالتالي تثبيت موضوع الاستيطان وتبادل الأراضي.
النقطة الرابعة: تعهدت منظمة التحرير الفلسطينية بوقف المقاومة المسلحة، والامتناع عن ممارسة الانتفاضة أو أي شكل من أشكال “العنف”، والتزمت تماماً بالمسار السلمي، كما التزمت بحذف كل النقاط والبنود الداعية لتحرير فلسطين أو تدمير الكيان الصهيوني من الميثاق الوطني الفلسطيني. وهذا الميثاق هو الذي قامت على أساسه منظمة التحرير التي تأسست عام 1964، ولم تكن مناطق الضفة الغربية أو قطاع غزة قد احتلت. وقد عقد المجلس الوطني اجتماعاً سنة 1996، حيث قام بإلغاء أو تعديل 26 مادة من أصل 33 مادة من مواد الميثاق المنظمة، وأكد المجلس على هذا الإلغاء والتعديل في اجتماع آخر سنة 1998؛ وهذا نسف كل الأسس التي نشأت عليها المنظمة.
النقطة الخامسة: عندما تعهدت منظمة التحرير الفلسطينية بترك كل أشكال المقاومة المسلحة، وقصر نضالها على الوسائل السلمية، فإنها أدخلت نفسها في عملية تحريم وتجريم المقاومة المسلحة في المناطق التي تسيطر عليها؛ وبالتالي وضعت نفسها في موضع ضبط وملاحقة كل من يخالف خطها السياسي في أماكن سيطرتها. وهذا ما جعلها تبدو وكأنها في معنية بتنفيذ الملفات القذرة المرتبطة بضرب المقاومة وملاحقة المقاومين مهما كان انتماؤهم سواء أكان إسلامياً أم يسارياً أو حتى فتحاوياً. فالسلطة الفلسطينية وبحسب اتفاق أوسلو مطالبة بوقف العمل المقاوم، وهذا حوّل تنفيذ الملفات القذرة من الطرف الإسرائيلي إلى الطرف الفلسطيني. وحول الاستعمار الصهيوني القبيح والبشع، الذي هو أبشع احتلال في التاريخ، إلى استعمار نظيف، ينفذه وكلاء آخرون.
النقطة السادسة: هذه الاتفاقية تركت أمر تطبيقها بناء على توافق الطرفين، أي أنه تم الاتفاق على بعض المظاهر الشكلية المتعلقة بتشكيل السلطة الفلسطينية… وبعض مظاهر السيطرة على أجزاء من الضفة الغربية والقطاع. أما فيما يتعلق بتنفيذ البنود الأخرى الجوهرية من الاتفاق ، فلا توجد أي آلية دولية ملزمة للطرف الإسرائيلي في عملية التنفيذ، ولا توجد مرجعية دولية ملزمة له، وبالتالي فإن أية ترتيبات أو اتفاقات يتم التوقيع عليها لاحقاً يتم بحسب الرغبة الإسرائيلية أو الإرادة الإسرائيلية أو برضى “إسرائيل”. وهذا أوجد مشكلة حقيقية، حيث إن أي اتفاقات أو ترتيبات تالية ستخضع للمزاج الإسرائيلي، ومدى الرضى الإسرائيلي عن أداء السلطة الفلسطينينة.
النقطة السابعة: لم يشر الاتفاق إلى حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، أو إقامة دولتهم المستقلة ولو على جزء من فلسطين.
النقطة الثامنة: لم يتضمن الاتفاق أية إشارة إلى دور منظمة التحرير في السيطرة على الحدود، كما لا توجد أية إشارة للولاية القانونية للسلطة الفلسطينية على المستوطنين في الضفة الغربية و قطاع غزة. ومُنعت السلطة الفلسطينية من إدخال أي نوع من الأسلحة إلا بإذن الإسرائيلي، وبالتالي أصبح هناك خنق أمني إسرائيلي للسلطة الفلسطينية، كما أصبح هناك خنق اقتصادي أيضاً، إذ إن 70% من صادرات السلطة و 85% من وارداتها هي مع الكيان الإسرائيلي، وتستطيع “إسرائيل” متى أرادت وقف صادرات السلطة ووارداتها، ومنع تسليم إيرادات الضرائب المستحقة للسلطة، كما تستطيع تدمير البنى التحتية والمؤسسات والمصانع وتعطيل المواصلات كإجراءات عقابية أو وسائل ضغط على السلطة؛ بالإضافة إلى أن “إسرائيل” احتفظت بحق التحكم في تحرك الأفراد، حتى إن رئيس السلطة نفسه لا يستطيع أن يدخل أو يخرج إلا بإذن إسرائيلي.
النقطة التاسعة: الكارثة الأخرى، أنه في أي تسوية سلمية بين طرفين، وخصوصاً بين الاستعمار وبين ممثلي الشعب الواقع تحت الاحتلال، يتم حلّ القضايا الجوهرية أولاً، ومن ثم يتم حلّ القضايا التفصيلية، غير أنّ ما حدث في الحالة الفلسطينية هو أن الاتفاق تم على الأمور التفصيلية، ولكنه لم يحل القضايا الجوهرية، مثل مستقبل القدس واللاجئين والمستوطنات اليهودية والحدود والمياه، ولم يضع سقفاً زمنياً نهائياً لحلها، وبالتالي تم ربط مصير القضايا الجوهرية أيضاً بالإرادة الإسرائيلية.
النقطة العاشرة: تحولت السلطة على إثر هذه التسوية إلى كيان وظيفي، لا يرتبط استقراره وتطوره برغبة الشعب الفلسطيني وإرادته، بقدر ما يرتبط بمدى استجابته للشروط الإسرائيلية الأخرى، حيث من الممكن أن تقوم “إسرائيل” في حال عدم استجابته لمعاييرها وطلباتها بممارسة الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، وشلّ عمل السلطة وإفشاله…
النقطة الحادي عشرة: إن قيادة منظمة التحرير عندما أقدمت على اتفاق أوسلو، قامت بهذه الخطوة دون الرجوع إلى الشعب الفلسطيني، أو العودة إلى مؤسسات صناعة القرار في الشعب الفلسطيني؛ حتى الموافقة من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير كانت بأغلبية ضئيلة، واستقال أعضاء اللجنة التنفيذية احتجاجاً على الاتفاق. أما الموافقة التي حاولت قيادة المنظمة الحصول عليها من المجلس الوطني الفلسطيني فقد جاءت متأخرة، ولم يتم اجتماع المجلس إلا بعد ثلاث سنوات من توقيع الاتفاق أي في سنة 1996، حيث أضيف نحو 400 عضو جديد إلى أعضائه الـ 450 في المجلس السابق، من دون المرور بالطرق القانونية المعتادة في عمل المجلس، وقد جُمع هؤلاء ليوفروا نصاباً كافياً لتعديل الميثاق وفق الشروط الإسرائيلية والأمريكية. ولا بدّ من الإشارة إلى أنه لم تتم استشارة أو استفتاء الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الخارج؛ ثم إن فتح نفسها كان في داخلها معارضة كبيرة في كوادرها وأوساطها القيادية من أمثال فاروق قدومي، وخالد الحسن، ومحمد جهاد… وغيرهم.
من المهم الإشارة هنا إلى أن الكثير من الناس يتحدث عن الانقسام الفلسطيني والثنائية الموجودة بين حماس وفتح في هذه الأيام، ولكن يمكن القول بأن اتفاق أوسلو كرس الانقسام الفلسطيني قبل 13 سنة من مشكلة الانقسام بين فتح وحماس، والتي برزت بعد انتخابات السلطة الفلسطينية سنة 2006؛ حيث يتذكر الجميع كيف تكونت الفصائل العشر التي عارضت هذه الاتفاق في أواخر سنة 1993، وبالتالي كان من آثار هذا الاتفاق إحداث شرخ حقيقي في وسط الشعب الفلسطيني، ليس فقط بسبب مواقف الفصائل الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي، وإنما أيضاً من خلال مواقف الفصائل اليسارية والوطنية والتقدمية التي انضمت إلى الفصائل العشرة المعارضة لهذا الاتفاق. وأصبح هناك فرز حقيقي واختلاف حقيقي في إدارة المشروع الوطني الفلسطيني وصناعة القرار الفلسطيني، بسبب تفرُّد قيادة المنظمة أو قيادة فتح بعملية اتخاذ القرار، وعدم رجوعها إلى الشعب الفلسطيني وقواه الأخرى الإسلامية والوطنية، وهذا سبب إشكالية حقيقية، وبالتالي فعند الكلام عن الانقسام يجب العودة إلى جذور المشكلة الحقيقية.
وعلى سبيل المثال فإن د. ادوارد سعيد وهو معروف كأحد أكبر المفكرين الفلسطينيين يقول “إن عرفات ورط شعبه بمصيدة لا مخرج منها”، بسبب هذا الاتفاق، وإنه ألقى بنفسه بين الأمريكيين والإسرائيليين.
أما هشام شرابي وهو أيضاً باحث فلسطيني معروف، فقد اتهم القيادة الفلسطينية عندما وقَّعت اتفاق أوسلو، فقال إنها كما يبدو لا تدري ما الذي يحصل حولها، وإنها لا تعرف كيف يُتَّخد القرار، وكيف يتم تقرير المصير. وقال إنها على درجة الصفر من حيث قدرتها على مجابهة القدرات الإسرائيلية.
النقطة الأخيرة، أن هذا الاتفاق فتح المجال على مصراعيه للدول العربية والإسلامية وباقي بلدان العالم ممن كان يؤيد القضية الفلسطينية للاتجاه نحو بناء علاقات مع الكيان الإسرائيلي، وهذا أفسح المجال لتحقيق اختراق إسرائيلي في المنطقة، ومحاربة ومحاصرة القوى الإسلامية والوطنية المعادية للمشروع الصهيوني في أماكن وجودها.
الخلاصة، نحن أمام اتفاق بحمل بذور فشله في ذاته، هذا الاتفاق يشكل كياناً وظيفياً، وترتبط شروط بقائه ونموه بالاحتلال، بحيث أن احتمالات تشكُّل الدولة الفلسطينية مرتبطة بالرضى الإسرائيلي للأسف. نحن أمام اتفاق يلتزم بالعمل السلمي، ويمنع أي سلوك مقاوم، نحن أمام اتفاق يعطي الإسرائيلي حقَّ التسويف والتأجيل إلى ما لا نهاية، ويعطي الإسرائيلي الحق في بناء المستوطنات واستجلاب المستوطنين وتغيير الحقائق على الأرض. وبالتالي نحن أمام اتفاق لم يتمكن من تطوير السلطة الفلسطينية باتجاه الدولة الفلسطينية المستقلة، بقدر ما أوجد غطاء للاستيطان والتوسع الإسرائيلي. والآن وصل عدد المستوطنات إلى 177 مستوطنة مع 220 نقطة استيطانية، بينما زاد عدد المستوطنين من نحو 180 ألفاً سنة 1993 إلى حوالي 550 ألفاً سنة 2011. مع السعي الإسرائيلي الحثيث والمكثف لتهويد القدس، وبناء الجدار العنصري العازل… إلخ. بحيث إن مناطق الدولة الفلسطينية الموعودة صارت مليئة بالاختراقات والثغرات، وأشبه ما تكون بالجبنة السويسرية!! وبحيث فَقَد مشروع حلّ الدولتين مبرراته عملياً على الأرض.