الرئيسية / ثقافة ومعرفة / السيدة الحرة .. أميرة الجهاد البحري في تطوان
السيدة الحرة

السيدة الحرة .. أميرة الجهاد البحري في تطوان

لم تنحصر الممارسة السياسية عبر العالم على الرجل فحسب، حيث طبعت العديد من النساء التاريخ السياسي وساهمن في صناعة تاريخ دول على رأسها المغرب.

وبالغوص في التاريخ المغربي، نجد العديد من النساء اللواتي استطعن تخليد أسمائهن ونشقها بأحرف من ذهب في الحقب التاريخية التي مرت بها المملكة، لعل أبرزهن السيدة الحرة.

تعتبر السيدة الحرة من أكثر الشخصيات النسائية التي حفرت الذاكرة المغربية، والتطوانية بالخصوص، فبالرغم من ندرة المصادر العربية التي تناولت حياة هذه المرأة العظيمة، إلا أن المراجع التاريخية البرتغالية والإسبانية وفتها بعضا من حقها، نظرا إلى العلاقة التي جمعت الضفة الشمالية للبحر المتوسط والسيدة الحرة.

اسمها الكامل عائشة بنت علي بنموسى بن راشد بن عبد الوهاب بن علال بن عبد السلام بن مشيش، أحد أمراء وحكام مدينة شفشاون خلال حكم الدولة الوطاسية في المغرب، حيث ولدت في شفشاون سنة 1493، ولقبت بـ “السيدة الحرة تشبيها بالطائر الحر، الأمر الذي يحمل دلالات عميقة توحي بالذكاء والحنكة التي كانت تتمتع بهما.

تتلمذت السيدة الحرة على يد كبار الفقهاء والعلماء في المغرب، كما وتميزت بالذكاء وسرعة البديهة، الأمر الذي طبع شخصيتها وجعلها من أبرز النساء تأثيرا في تاريخ المغرب الذي كان فيه إسناد الحكم لامرأة أمرا غير معهود.

زفت “السيدة الحرة” إلى القائد المنظري حاكم تطوان سنة 1510 تقريبا، وهو الزواج الذي وصفه عدد من المؤرخين بـ “الزواج السياسي” والتحالف بين إمارة شفشاون وقيادة تطوان من أجل تكوين جبهة دفاع في وجه البرتغاليين الذي احتلوا العديد من المناطق شمال المغرب.

وفتحت هذه الزيجة الباب أمام “السيدة الحرة” لاكتساب تجربة وخبرة في المجال السياسي والحكم، حيث كان زوجها القائد المنظري يكلفها بالنيابة عنه أثناء غيابه في المعارك، الأمر الذي مكنها من تقلد زمام الحكم بعد وفاته لتصبح بذلك أميرة الجهاد البحري ضد البرتغاليين.

استطاعت “السيدة الحرة” بذكائها سحب بساط الحكم من تحت أقدام آل منظري، لتصبح حاكمة على تطوان وعاملة للدولة الوطاسية في هذه الأخيرة.

بعد وفاة زوجها، قررت “السيدة الحرة” الزواج بالسلطان أحمد الوطاسي، الذي انتقل إلى تطوان من أجل عقد قرانه على الأرملة الجميلة، وهو الحدث الذي خلف الكثير من التساؤلات بخصوص دافع هذا الزواج، خاصة وأن بعض المؤرخين يتحدثون عن احتمال وجود مراسلات ومكاتبات بين الطرفين في أمور عديدة.

تمكنت “السيدة الحرة” من تحقيق العديد من الانتصارات ضد المستعمر البرتغالي طيلة 30 سنة من الحكم، قبل أن تتعرض لمؤامرة شارك فيها آل منظري وبعض من ساكنة تطوان، حيث انقلبوا عليها في 1542 وجردوها من ممتلكاتها، ليحل محلها محمد الحسن المنظري.

بعد الإطاحة بها، قررت “السيدة الحرة” الانسحاب للعبادة والتصوف حيث توفيت في مدينة شفشاون التي لا تزال حاضنة لضريحها في قلب الزاوية الريسونية.

إقرأ أيضا:المغاربة والجهاد البحري ضد الصليبيين