الرئيسية / هكذا نراها / سقطة بنعبد الله.. والآثار العكسية لاسطوانة “التحكم”!
سقطة بنعبد الله

سقطة بنعبد الله.. والآثار العكسية لاسطوانة “التحكم”!

أيام قليلة فقط تفصلنا عن موعد بدء الحملة الانتخابية رسميا. موعد، يعلم المغاربة أنه لم يمنع الكثيرين من الفاعلين السياسيين على مدار العام، من تكثيف حملاتهم الانتخابية السابقة لأوانها، بل لا نبالغ إن قلنا أن المغرب يعيش أجواء حملة انتخابية، منذ انتهاء الانتخابات الجماعية والجهوية قبل قرابة العام. لكن المشكلة الحقيقية ليست هنا، المشكلة في مفهوم الحملة الانتخابية لدى مختلف الفاعلين في المشهد السياسي المغربي، المعنيون أساسا بنتائج الانتخابات التشريعية، حيث نكاد نجزم بأن أيا منهم لا يستخدم هذه الحملة للهدف الذي وجدت من أجله أصلا: وسيلة تواصل مع الناخبين، من أجل نقاش جاد في أنجع السبل لإدارة الشأن العام بطريقة تحقق للمواطنين أفضل النتائج.

إن اعتبار الفاعلين السياسيين الحملة الانتخابية كفضاء يمارسون خلاله الأقوال والأفعال التي يعتقدون أنها ستمهد الطريق أمامهم من أجل اكتساب الأصوات، يؤسس لثقافة سياسية، تتجلى خطورتها يوميا من خلال عشرات الأقوال والممارسات غير المسؤولة، وهو ما يهمش الثقافة الناضجة المبنية على النقاش العقلاني، حول أنجع البدائل لإدارة الشأن العام بطريقة تحقق مصالح المواطنين وفق برامج مضبوطة التمويل والآجال والنتائج.

وفي هذا السياق، نتفهم حرارة السباق الانتخابي بين قطبين رئيسيين: العدالة والتنمية، والأصالة والمعاصرة، تساندهما مجموعة من الأحزاب هنا وهناك، كما ندرك تقارب المسافة بينهما في المقدمة لدرجة تجعل من التنبؤ بالنتيجة النهائية للانتخابات أمرا في غاية الصعوبة. لكن ما لا يليق برجال السياسة، والذين التصقت بهم دوما صفات الهدوء والدبلوماسية ووزن الكلمات “بميزان الذهب” قبل التفوه بها، هو ما نشهده حاليا من تراشق بالاتهامات بين المعسكرين المتنافسين، وحملات التضليل المتعمد للرأي العام، وكذا كيل التهم دون دليل، ناهيك عن التشويه والتجريح الذي يطال الأشخاص، في سلوك ستكون آثاره كارثية على مستوى دفع الناس للمشاركة والوصول إلى صناديق الانتخاب.

إن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، والتي كرر خلالها “أسطوانة” حزب “التحكم” التي ترد دائما على لسان حلفائه في العدالة والتنمية والاستقلال، تدخل في الخانة التي سبقت الإشارة إليها. حيث كرر ما سبق لرئيس الوزراء نفسه أن أشار لمثله عندما اعتبر أن في المغرب حكومتين، واحدة يرأسها هو، وأخرى “لا يدري من يتحكم فيها”!!، متكفلا بتوضيح المسؤول عن إدارة عملية التحكم، وصرح بما يتداوله أصحاب المقولة تورية، في أنه فؤاد عالي الهمة، مؤسس حزب الأصالة والمعاصرة، ومستشار الملك محمد السادس، وهو ما استدعى ردا غير مسبوق من الديوان الملكي أصبحت حيثياته معروفة للجميع. وهنا، من المفيد التطرق لجملة من الملاحظات السريعة:

  • كان على المعني بالأمر أن يوضح صفته المحددة كمسؤول عن هذه التصريحات، وما إذا كان قد قالها كوزير للسكنى أم كأمين عام لحزب التقدم والاشتراكية، وهل قالها بإحدى هاتين الصفتين أم كرأي شخصي؟ وهنا، ينتظر الرأي العام أن تخرج كلتا الهيئتين اللتان يعمل بهما الرجل ببيان يوضح مدى اتفاقها أو اختلافها مع ما تفوه به. أي أن يخرج حزبه ببيان يوضح ما إذا كان بنعبد الله يتحدث باسمه الشخصي أم نيابة عن الحزب وهيئاته القيادية. نفس البيان، كان على الحكومة إصداره لتعزل نفسها عما نسب لأحد وزرائها من مواقف وتصريحات، حتى تنفي عن هذه التصريحات، صبغة الحديث باسم أحزاب الأغلبية. إن صدور البلاغين المذكورين عن الحزب والحكومة، ربما كان سيعفي الديوان الملكي من مهمة إصدار بلاغ رافض لتصريحات بنعبد الله.
  • تكرار “اسطوانة التحكم” دون تكبد عناء توضيح المقصود بدقة، ودون الانتباه المسؤول لآثاره السلبية المحتملة على سمعة وصورة المغرب الخارجية كبلد مؤسسات، هو أمر لم يعد الرأي العام يلقي له بالا، بل وسيأتي على الأغلب بنتائج عكس ما يشتهي أصحاب المقولة. وهنا، جاءت النبرة الحاسمة لبلاغ الديوان الملكي لتوضح بما لا يدع مجالا للشك، في أن مستشاري الملك يعملون بتكليفات وتوجيهات سامية وصريحة صادرة عن العاهل المغربي شخصيا، وهو الأمر المعلوم للجميع. وهكذا، كان على مطلق الاتهامات بحق مستشار الملك أن يراعي هذا المعطى، ويقيس آثاره المحتملة.
  • بناء على هذه النقطة، ورغم أن حملة الاتهامات بالتحكم مستمرة منذ أكثر من عامين، تستخرجها الحكومة عندما تشاء، لتبرير عدم رغبتها أو قدرتها على المضي قدما في أحد الملفات، أو الخروج ببدائل تحقق التوافق حول أهميتها التنموية أو فائدتها للمصلحة العامة، فإن الديوان الملكي لم يصدر بلاغه إلا بعد أن تعدت الحملة مرحلة الإيحاء إلى مرحلة الإشارة بالأصبع إلى مستشار الملك شخصيا، وما كان للقصر أن يسكت على محاولة إقحامه في المعركة الانتخابية بين الفرقاء السياسيين. وهنا، من المفيد قراءة بلاغ الديوان الملكي كرسالة موجهة للطبقة السياسية وليس لأمين عام التقدم والاشتراكية، بضرورة أن تنصبّ المعركة الانتخابية على ما هو موضوعي قابل للقياس، وأن تبتعد عن إقحام القصر في العملية الانتخابية بالترويج لدعمه لهذا الحزب او ذاك.
  • من الأجدى للأغلبية الحكومية أن تنكب منذ الآن على محاولة تجهيز إجابات للرأي العام حول ما يرونه أداء سلبيا للحكومة، وتحديدا تحميلها مسؤولية ارتفاع الأسعار وتجميد الرواتب وتراجع القدرة الشرائية وعدم بذل ما يكفي من جهود لمحاربة “الفساد” ناهيك عن عدم تحقيق الكثير من الوعود الانتخابية، وحبذا لو تم ذلك بلغة يفهما المواطنون البسطاء بعيدا عن لغة الخبراء الرقمية.

إن أزمة تصريحات نبيل بنعبد الله الأخيرة، تظهر أهمية إعادة الاعتبار للعمل السياسي بأدواته الطبيعية، حتى لو قال قائل، أن مجتمعاتنا قليلة الحظ من التعليم والثقافة، يمكن التأثير فيها بشكل أسرع عبر سلاح الإشاعة، أو التشويه الشخصي، أو شراء الذمم، أو التدليس وقلب الحقائق أو غيرها من الأسلحة قصيرة المدى، حيث يجب التنبه لما يترتب على هذه السياسات من نتائج على المدى البعيد، سواء لجهة عزوف الناخبين، أو تكريس نوع معين من المنتخبين لا يمكن التعويل على تقديمهم لأية خدمة جقيقة للصالح العام، وتحويل اللعبة السياسة إلى ميدان مهجور إلا من بضعة متقاعدين يلعبون أمام مدرجات فارغة، لأن الجمهور قد انصرف للبحث عن ألعاب أكثر إثارة في ميادين أكثر خطورة!!