الرئيسية / هكذا نراها / قيادة البوليساريو.. الهروب للأمام في انتظار الهروب الكبير!
قيادة البوليساريو

قيادة البوليساريو.. الهروب للأمام في انتظار الهروب الكبير!

جاءت العملية التطهيرية التي قام بها المغرب مؤخرا في منطقة الكركرات لتكشف عمق الأزمة التي تتخبط فيها قيادة جبهة البوليساريو، والحلقة المفرغة التي وجدت نفسها فيها في أعقاب سلسلة من المتغيرات الاستراتيجية التي وضعتها في وضع غير مسبوق، أبرز سماته: انعدام البدائل، جمود سياسي، ضعف عسكري، تراجع دبلوماسي، سخط شعبي، وصراعات داخلية بين أجنحة متنافرة، من بين عوامل أخرى ساهمت في جعل الجبهة عارية من أية أوراق ضغط في صراعها مع المغرب، في معركة بقاء يمكن الحكم عليها سلفا بأنها خاسرة.

فمن جهة هناك تغييرات عميقة تحدث في تركيبة السلطة الجزائرية الحاكمة، خلفت حالة من الغياب التام لأي تصور واضح حول المدى الذي يمكن لهذه التغيرات أن تصله، والوضع الجديد الذي سيترتب عليها. لكن الأكيد، أن ما هو قادم في غير مصلحة الجبهة، بدليل الإجهاز على صانع البوليساريو وراعيها، جهاز المخابرات العسكرية برئاسة الرجل القوي الفريق محمد مدين (توفيق)، وأن المنطق السليم يقتضى أن كل تغيير إيجابي في الجزائر، لا بد وأن يراعي روابط الدم والكفاح بين الأشقاء في البلدين الجارين: الجزائر والمغرب، ناهيك عن مصلحة الشعبين ومستقبل منطقة المغرب الكبير، والذي لا مكان فيه على الإطلاق لكيان سياسي مصطنع.

أما المغرب، ومنذ أن أطلق مبادرته للحكم الذاتي، وهو يتقدم دبلوماسيا على حساب الجبهة، بما يترجم يوميا في سحب الاعترافات منها، ليجعلها لا تمتلك أكثر من عدد أصابع اليدين من الاعترافات الدولية الوازنة، مقابل عشرات الدول التي تعتبر المبادرة المغربية أساسا صلبا يمكن أن يفضي إلى حل واقعي للنزاع المفتعل، تحت السيادة المغربية. ولعل الهجوم الدبلوماسي المغربي الأخير، في عقر دار البوليساريو (الاتحاد الإفريقي)، وطلبه بإستعادة عضويته في الهيئة الإفريقية، وتوقيع أزيد من نصف أعضاء الاتحاد على مذكرة تطالب بطرد الجمهورية الوهمية التي فرضتها الجزائر ونيجيريا وجنوب إفريقيا على القارة السمراء، لدليل على التراجع الدبلوماسي المهول الذي تعيشه الجبهة.

غير بعيد عن ذلك، لم تنجح جهود “أصدقاء البوليساريو” داخل مجلس الأمن في تقديم خدمة تذكر لهم، أمام صلابة الموقف المغربي، وتماسك جبهة أصدقائه داخل نفس الهيئة الأممية. ولعل الخلاف الذي عاشه المغرب مع الأمين العام للأمم المتحدة مؤخرا، والخطوات القوية التي واجه بها انزلاقاته، دون أن ينجح في انتزاع ولو “بيان رئاسي” من مجلس الأمن يحفظ ماء وجه أعلى موظف أممي، لدليل إضافي على القوة الدبلوماسية التي أصبح يتمتع بها المغرب، بما يخفف إن لم ينه تعويل الجبهة على تحقيق أية مطالب عبر البوابة الأممية، لاسيما بعد أن تأكد بالملموس استحالة تنظيم الاستفتاء الذي يعتبر المفردة الوحيدة في القاموس الدبلوماسي للبوليساريو.

وكما هو الفشل الدبلوماسي، جاء نظيره العسكري أكثر وضوحا. فخطاب التهديد باستئناف الحرب الذي لطالما اعتبر مخدرا للرأي العام الصحراوي في مخيمات تندوف والحمادة، ولافتا لانتباه المنتظم الأممي كلما انشغل بملفات أكثر سخونة، صار اسطوانة مشروخة لا تفيد قيادة البوليساريو داخليا أو خارجيا. ولعل عملية الكركرات الأخيرة لخير دليل على هذه الهزالة، لمن لا زال يضع المقارنة بين شرذمة مسلحة من العصابات في مواجهة أحد أقوى جيوش القارة، وأفضلها تدريبا وتسليحا. فقوات الدرك المغربية قامت بتطهير المنطقة من المهربين وشبكاتهم، وشركة خاصة تواصل عملية تعبيد الطريق الرابط بين الكركرات وموريتانيا، دون أن تستطيع عصابات البوليساريو أن تقترب منها ناهيك عن منعها، رغم ما روجته من أكاذيب عن نيتها إيقاف الشركة عن العمل جنوب الجدار الأمني. وعليه، تكشفت أكذوبة “الأراضي المحررة”، وعجز البوليساريو عن منع المغرب من التحرك داخل أقاليمه الصحراوية كيفما يشاء، تبعا لما تقتضيه مصلحته الوطنية.

داخليا، جاءت عملية “فرض” ابراهيم غالي زعيما أوحد للبوليساريو مطابقة لأساليب إدارة عملية الخلافة داخل عائلات المافيا، حيث يتم فرض أحدهم، ويتقبل البقية الأمر تحت تهديد فوهات البنادق المصوبة نحو رؤوسهم. وما مسرحية اختياره دون منافس بعد تعديل القانون ليطابق مواصفاته ويقصي غيره من القيادات، إلا مهزلة أبانت حجم الانقسامات أكثر مما عكست من وحدة صف بين أفراد القيادة المتنفذة، وهو الأمر الذي يسهم دون شك في مزيد من تأزيم الأوضاع الاجتماعية داخل المخيمات، بسبب انعدام الأفق أمام الاف المحتجزين، وغياب الإجابات المقنعة عن جميع الأسئلة المتعلقة بمستقبلهم، وتفشي ظاهرة الفساد والتجارة بالمساعدات، والارتباط بشبكات الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة لمنطقة الصحراء الكبرى.

وضع شائك وحلقة جهنمية مفرغة، تجد نفسها قيادة البوليساريو فيها، تحارب على مختلف الجبهات، بطريقة لم تترك للمتنفذين فيها من خيارات سوى خيار يتيم: الهروب للأمام، في انتظار لحظة الهروب الكبير، والتحسب للحظة الانهيار المدوي القريب، بجمع أكبر قدر من النقود بأية وسيلة كانت، وتجهيز جوازات سفر ووسائل نقل جاهزة لكي تقلهم إلى الوجهة التي سيقضون فيها ما تبقى لهم من عمر، ويصرفون خلاله ما تمكنوا من جمعه بشتى الوسائل غير القانونية. ليبقى السؤال فقط: متى ستحين هذه اللحظة؟