هيثم شلبي
تكرر السردية الرسمية في الجزائر، كلما سنحت الفرصة، استعراض أرقام الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بوصفها دليلا على “قوة اقتصادية” تتقدم بها على جيرانها في المغرب العربي. غير أن أدوات التحليل المالي الحديثة لا تكتفي بجمع الأرقام الخام، بل تفحص جودة النمو، ومصادر تمويله، ودرجة اندماج الاقتصاد في سلاسل القيمة العالمية. وحين تُنزع عن البيانات الجزائرية غلالة سعر الصرف الإداري، ويُعاد قياسها بمعايير مستقلة، تنكشف حقيقة مختلفة تماما عن الصورة التي تسوّق لها الدعاية الرسمية.
لغز الناتج المحلي: حين يخدع سعر الصرف نفسه
يعتمد بنك الجزائر المركزي في احتساب الناتج المحلي الإجمالي بالدولار على سعر صرف رسمي إداري، يدور اليوم في حدود 132 دينارا للدولار، متجاهلا الفارق الكبير بينه وبين سعر التداول الفعلي في السوق الموازية، وهو فارق تقر به حتى مراكز البحث الاقتصادي الجزائرية نفسها ضمنيا كلما تحدثت عن “ضغوط التضخم المستورد”. ووفق توقعات صندوق النقد الدولي لعام 2026، يُفترض أن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الجزائري نحو 317 مليار دولار محسوبا بهذا السعر الإداري، ارتفاعا من نحو 286 مليار دولار عام 2025؛ أي بنسبة نمو تناهز 11%!! لا ندري كيف تبررها الدعاية الجزائرية. ويوضح دليل استثماري صادر عن “KPMG” استنادا إلى قانون المالية لسنة 2026 أن هذا الرقم يقابل كتلة نقدية بالدينار تبلغ نحو 41,878 مليار دينار.
المشكلة أن هذا الرقم لا يقيس حجم الاقتصاد الحقيقي، بل يقيس أثر سياسة صرف إدارية تُبقي الدينار مقوّما بأعلى من قيمته الفعلية. والتجربة النيجيرية توفر مثالا حيا لما يحدث حين تُصحَّح هذه الفجوة: فحين وحّدت أبوجا عام 2023 سعر صرف النيرا الرسمي مع سعر السوق الموازية، تهاوى الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بالدولار من نحو 477 مليار دولار إلى أقل من 250 مليار دولار، دون أن يتغير مقدار جرام واحد من الإنتاج الفعلي داخل البلاد. الرقم لم يتغير لأن الاقتصاد انكمش، بل لأن “الوهم الحسابي” الذي كان يضخّمه تبخّر.
والسؤال الذي تتجنبه الدعاية الجزائرية هو: ماذا يحدث للناتج المحلي الجزائري لو طُبّق المنطق نفسه؟ الجواب هذه المرة لا يحتاج افتراضا، بل عملية حساب مباشرة بمعطيات معلنة. فسعر الدولار في “بورصة السكوار”، السوق الموازية المعروفة في الجزائر العاصمة، يبلغ اليوم نحو 240 دينارا، أي ما يقارب ضعف السعر الرسمي. وحين تُقسَّم الكتلة النقدية نفسها، أي 41,878 مليار دينار، على هذا السعر بدل السعر الإداري، تتراجع قيمة الناتج المحلي الجزائري بالدولار الحقيقي إلى نحو 174.5 مليار دولار فقط، أي أقل بمقدار 142 مليار دولار تقريبا من الرقم المعلن رسميا. الفارق هنا ليس نموا مفقودا ولا ثروة تبخرت، بل هو ببساطة مقدار المبالغة الناتجة عن الإصرار على سعر صرف لا يعكس القيمة الفعلية للدينار.
في المقابل، يستند الاقتصاد المغربي إلى نظام صرف مرن مربوط بسلة عملات مرجعية، بلا سوق موازية توازيه في الحجم أو الأثر، ما يمنح أرقامه مصداقية أعلى بكثير، ويجعلها غير محتاجة لأي عملية تصحيح من هذا النوع. ووفق بيانات صندوق النقد الدولي لعام 2026، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي المغربي عتبة 194 مليار دولار، بمعدل نمو يقترب من 4.5 إلى 5%، مدفوعا بقطاعات غير فلاحية متصاعدة واستثمارات هيكلية، في مقابل نمو جزائري يظل رهينة الإنفاق العمومي الذي يموله ريع المحروقات. وبمقارنة الرقمين الحقيقيين، 194 مليار دولار مغربية مقابل 174.5 مليار دولار جزائرية بعد التصحيح، يتضح أن الاقتصاد المغربي ليس أكثر تنوعا أو استقرارا فحسب، بل أكبر فعليا بالدولار القابل للتداول.
جودة الهيكل الاقتصادي: التنويع الصناعي في مقابل احتباس الغاز
الفارق الأعمق بين النموذجين لا يظهر في الأرقام الكلية بقدر ما يظهر في بنية الاقتصادين. تبقى الصادرات الجزائرية حبيسة قطاع المحروقات بنسبة تتجاوز 90%، وهي نسبة لم تتغير جوهريا رغم عقود من الخطابات الرسمية عن “التنويع الاقتصادي”.
على الجانب المغربي، يعكس مؤشر التصنيع الأفريقي الصادر عن البنك الأفريقي للتنمية تقدما قاريا لافتا في الجاهزية الصناعية والتنافسية التصديرية، لا سيما في صناعة السيارات، وأجزاء الطائرات، والمخصبات الفوسفاطية، والطاقات المتجددة، مما بوأه المركز الأول قاريا لأول مرة في تاريخه. هذه القطاعات مكّنت المغرب من الاندماج المباشر في سلاسل القيمة العالمية، بمعنى أنه لم يعد يبيع مواد خام فحسب، بل أصبح حلقة إنتاجية فعلية يعتمد عليها مصنّعون كبار في أوروبا وأمريكا الشمالية.
أما القطاع الاستخراجي الجزائري فيواجه مأزقا بنيويا مزدوجا: تسارع الاستهلاك المحلي للغاز الطبيعي، مدفوعا بالطلب على الكهرباء وبالدعم الحكومي السخي للأسعار الداخلية، ما يقلّص الكميات المتاحة للتصدير، إلى جانب جمود واضح في الاستثمار الأجنبي المباشر وتأخر تطوير حقول جديدة. والنتيجة أن الإيرادات المالية الجزائرية باتت رهينة تقلبات الأسعار الدولية للطاقة، لا رهينة زيادة فعلية في حجم الصادرات، وهو فارق جوهري بين اقتصاد يصنع قيمته وآخر ينتظر أن يرتفع سعر ما يملكه أصلا.
احتياطي النقد الأجنبي: أرقام متضاربة تكشف أكثر مما تخفي
من المفارقات اللافتة أن التقديرات الرسمية وشبه الرسمية لاحتياطي الصرف الجزائري نفسه غير متفقة فيما بينها، وهذا التضارب بحد ذاته دليل أقوى من أي رقم منفرد. فبينما أشارت بعثة صندوق النقد الدولي في مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 إلى احتياطي يقارب 70 مليار دولار يغطي نحو 16 شهرا من الواردات، قدّر تقرير البنك الأفريقي للتنمية الاحتياطي في نهاية 2025 بنحو 47 مليار دولار فقط، فيما تحدثت تقديرات محلية أخرى عن مستوى يدور حول 64 مليار دولار مطلع 2026. هذا التباين بين ثلاثة مصادر جادة، في فارق زمني ضيق، ليس تفصيلا إحصائيا بسيطا، بل مؤشر على غياب شفافية حقيقية في بيانات لا تخضع لمراجعة مستقلة صارمة.
وبصرف النظر عن أي رقم من هذه الأرقام يُعتمد، فإن الاتجاه العام واضح: احتياطي في تآكل تدريجي بطيء، ناتج عن فاتورة واردات سنوية تُقدَّر بما بين 42 و48 مليار دولار، مع توجيه جزء كبير من الموارد المالية نحو تمويل عجز الموازنة والدعم الاجتماعي بدلا من توجيهه نحو أصول إنتاجية قادرة على توليد تدفقات نقدية مستدامة بالعملة الصعبة. أما احتياطي الذهب المقدر بنحو 173 طنا فيظل أصلا مجمدا، لا يُستثمر ولا يُشغَّل، بل يُستعرض بوصفه رمزا أكثر منه أداة تنموية فعلية.
في المقابل، يتكئ الاقتصاد المغربي على تنويع حقيقي في مصادر العملة الصعبة: صادرات صناعية وخدماتية متنامية، إيرادات سياحية في تصاعد مستمر، تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج التي تشكل رافدا ماليا مستقرا لا يتأثر بتقلبات السوق، إضافة إلى تدفقات استثمار أجنبي مباشر تتوسع في قطاعات إنتاجية فعلية. هذا التنوع يمنح الاقتصاد المغربي مرونة أعلى بكثير في امتصاص الصدمات الخارجية، ويفسّر الثقة المتنامية التي توليها له مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية، دون أن يكون رهينة لتقلبات سوق واحدة كما هو حال الجزائر مع الطاقة.
كذبة بعمر عامين، وموعد لا مفر منه للسقوط
منذ ماي 2024، حين ردّد الرئيس عبد المجيد تبون في خطاب عيد الشغل أن الجزائر “ثالث اقتصاد في إفريقيا”، تحوّلت هذه العبارة إلى شعار رسمي يُكرَّر في كل مناسبة، رغم أن الرقم الذي تستند إليه لم يُبنَ يوما على سعر صرف واقعي. عمر هذه الكذبة إذن يقترب من عامين كاملين، وهي مدة كافية لتتحول إلى جزء من الخطاب الرسمي دون أن يجرؤ أحد داخل مؤسسات الدولة على مساءلتها، ببساطة لأن النظام نفسه لا يملك آلية داخلية تسمح لمواطن أو نائب أو صحفي بمطالبة السلطة التنفيذية بتبرير أرقامها أمام هيئة منتخبة قادرة فعلا على محاسبتها.
وهنا يكمن الفارق الحاسم الذي سيعجّل بسقوط هذا الوهم عاجلا أم آجلا: ما يعجز عنه النقاش السياسي الداخلي، ستفرضه الحسابات الاقتصادية نفسها. فكل سنة تمر دون توحيد سعري الصرف الرسمي والموازي تعني مزيدا من تآكل الاحتياطي، ومزيدا من الضغط على فاتورة الاستيراد، ومزيدا من الفجوة التي سيصعب تجاهلها أمام مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، الذي بدأ أصلا يتحدث بحذر متزايد عن ضرورة إصلاحات هيكلية في بياناته الأخيرة. والتجربة النيجيرية أثبتت أن هذا النوع من الأنظمة لا يصلح نفسه طوعا، بل يُضطر إلى ذلك حين تصبح كلفة استمرار الوهم أعلى من كلفة الاعتراف به.
أما في المغرب، فلا حاجة لانتظار صدمة خارجية تفرض الحقيقة، لأن آلية المساءلة الديمقراطية، تعني أن أي حكومة مقبلة بعد استحقاق شتنبر 2026 ستُقيَّم مباشرة على أساس أرقام حقيقية لا تحتمل التزييف. وهذا الفارق، بين نظام يُرجئ لحظة الحقيقة حتى تفرضها الأزمة، وآخر يعيش تحت مساءلة مستمرة، هو ما سيجعل التفوق المغربي، الأكبر حجما والأرسخ نوعية، حقيقة يصعب إنكارها محليا ودوليا مع كل يوم يمر.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير