تُبنى سمعة الدول التي تحترم نفسها على مدى قدرتها على تحويل مبادئها المعلنة إلى ممارسات ملموسة على أرض الواقع. وعندما يتعلق الأمر بمكافحة الجريمة التي تُرتكب عبر الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن أي فجوة – ومهما كان حجمها – بين الخطاب الرسمي والتطبيق العملي تصبح موضع تساؤل، خصوصا إذا كانت تلك الجرائم تمتد آثارها إلى دول أخرى.
وحيال ذلك، تحرص كندا منذ سنوات على ترسيخ صورتها كدولة تحمي الحريات وتؤمن بسيادة القانون، غير أن هذا الرصيد الذي تتغنى به في المحافل الدولية يواجه اليوم اختبارات متزايدة مع تصاعد الانتقادات المتعلقة باستغلال أراضيها أو بنيتها الرقمية من قبل عصابات إجرامية تقود حملات ممنهجة للتشهير والابتزاز الرقمي مستهدفة مسؤولي ومؤسسات الدولة المغربية، كما هو حال الأنشطة المشبوهة التي يقودها المدعوان المهدي حيجاوي وهشام جيراندو بهدف زعزعة الاستقرار.
يضع هذا المشهد السلطات الكندية أمام مسؤولية لا تحتمل مزيدا من التأجيل، إذ لم يعد ممكنا الجمع بين خطاب دبلوماسي يؤكد متانة الشراكة مع المغرب، وبين واقع تُثار فيه تساؤلات بشأن استغلال الأراضي الكندية لإدارة حملات تستهدف مؤسسات الدولة المغربية. فالمصداقية في العلاقات الدولية تقاس بالأفعال، لا بالتصريحات وحدها.
وفي هذا الصدد، بات لزاما على أوتاوا أن تحسم موقفها بوضوح، لأن استمرار هذا التناقض، يطرح علامات استفهام حول مدى انسجام الخطاب الرسمي مع الواقع العملي.
وفي هذه الحالة؛ لا يتعلق الأمر بحرية التعبير، فهي قيمة أساسية لا خلاف حول أهميتها، وإنما بالتمييز الواضح بين إبداء الرأي المشروع وبين استخدام الوسائط الرقمية للإساءة أو الابتزاز أو التحريض أو انتهاك حقوق الآخرين. فالقوانين في مختلف الديمقراطيات تضع حدودا فاصلة بين ممارسة الحق في التعبير وبين ارتكاب أفعال يجرمها القانون.
ومن هذا المنطلق، فإن أي شراكة استراتيجية بين الدول لا تقتصر على التعاون الاقتصادي أو السياسي، بل تشمل أيضا التعاون في مواجهة الجرائم العابرة للحدود، وفي مقدمتها الجرائم الإلكترونية والسيبرانية التي لم تعد تعترف بالمسافات أو الحدود الجغرافية.
وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات الموجهة إلى السلطات الكندية لإجراء تحقيقات دقيقة بشأن المخطط الذي يقوده الخائن والجبان هشام جيراندو، بإيعاز وتوجيه موثق من الموظف السابق المطرود من المديرية العامة للدراسات والمستندات المهدي حيجاوي، المطارد دوليا من أجل جرائم للنصب والاحتيال، ما يستدعي تطبيق القانون بحزم، بما ينسجم مع المبادئ التي تؤكدها كندا في مجال سيادة القانون ومكافحة الجرائم الرقمية.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير