إنفانتينو يحرز هدفاً في مرمى تبون: المقعد الفارغ وفضيحة السيادة المؤجلة

بقلم: هيثم شلبي

على هامش مؤتمر صحفي عقده عشية انطلاق كأس العالم 2026 في مكسيكو سيتي، اختار جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، أن يحوّل منصة كروية عالمية إلى منبر ضغط سياسي مباشر على النظام الجزائري. لم يكتفِ الرجل بالدعوة إلى الإفراج عن الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، المعتقل في الجزائر منذ مايو 2024 والمحكوم عليه بسبع سنوات سجناً بتهمة “تمجيد الإرهاب”، بل ذهب إلى حد وصفه بأنه “الصحفي الرياضي الوحيد المسجون في العالم”، وأعلن تخصيص مقعد فارغ له في القاعة، ودعا والديه لحضور مباراة فرنسا والسنغال، على أمل أن يُمنح “عفواً رئاسياً” يسمح له بالانضمام إلى المونديال. المشهد كان مصمماً بعناية: رمزية إنسانية مكثفة، توقيت لا يمكن أن يكون أكثر حساسية، ومنصة لا يمكن للجزائر أن تتجاهلها أو تردّ عليها بالأدوات المعتادة.

ردة الفعل الجزائرية جاءت سريعة وغاضبة، كما كان متوقعاً. صحف مقربة من السلطة وصفت تدخل إنفانتينو بأنه “تدخل في الشأن الداخلي الجزائري” واستخدام للفيفا “كأداة ضغط ضد سيادة دولة”، مذكّرة بأن الجزائر “دولة ذات سيادة، ولها مؤسساتها وقضاؤها وقوانينها”. الخطاب نفسه، بالحرف، الذي يصاحب كل قضية مماثلة منذ سنوات: استدعاء السيادة الوطنية واستقلالية القضاء كلما اقترب ملف من حافة الإفراج تحت الضغط الخارجي. والمفارقة أن هذا الخطاب لا يصدر بعد الإفراج، بل قبله، كنوع من التحصين المسبق ضد ما يعرف الجميع أنه قادم.

لفهم لماذا “يعرف الجميع أنه قادم”، يكفي العودة إلى السابقة الأقرب والأكثر دلالة: قضية الكاتب بوعلام صنصال. الرجل أُوقف في نوفمبر 2024 بتهمة المساس بالوحدة الترابية وإهانة هيئة نظامية، وقضت المحاكم الجزائرية بسجنه، في وقت كانت السلطات الفرنسية تطالب علناً بالإفراج عنه دون قيد أو شرط. النتيجة؟ عفو رئاسي “إنساني”، بطلب من الرئيس الألماني هذه المرة، وترحيل فوري إلى ألمانيا بعد أقل من عام على الاعتقال. وبعد أسابيع قليلة من خروجه، كان صنصال في باريس يتسلم وسام جوقة الشرف، أعلى تقدير رسمي فرنسي، في توقيت وُصف بأنه رسالة سياسية مباشرة من باريس إلى الجزائر: من يخدم سرديتنا، نحميه ونكرّمه، بصرف النظر عن ما قرره “قضاؤكم المستقل”.

الآن، وبعد أشهر من إطلاق سراح صنصال، تتكرر نفس البنية بالضبط مع غليز، مع فارق واحد: هذه المرة الضغط لا يأتي من برلين أو باريس فقط، بل من الفيفا نفسها، أي من مؤسسة تتحكم في أكثر منتج إعلامي وشعبي حساسية بالنسبة لأي نظام يبحث عن شرعية عبر كرة القدم. والمسار التمهيدي كان واضحاً لمن يتابع: في مايو 2026 زار وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان الجزائر على رأس وفد قضائي رفيع، في زيارة وُصفت بأنها فتح “فصل جديد” ومناقشة “ملفات حساسة”، وحين سُئل عن احتمال الإفراج عن غليز قبل المونديال، لم ينفِ، بل عبّر عن أمله في ذلك. قبل أسابيع من المونديال، وجّه الاتحاد الفرنسي لكرة القدم نداءً رسمياً مماثلاً. ثم جاءت ضربة إنفانتينو الكبرى، في أكثر منصة يصعب على الجزائر تجاهلها.

كل هذه المؤشرات تقول شيئاً واحداً: ذوبان الجليد بين الجزائر وفرنسا، بعد القطيعة المصطنعة التي أعقبت الاعتراف الفرنسي بسيادة المغرب على صحرائه، يمر عبر بوابة “الملفات الإنسانية”، وغليز هو الملف المفتوح الوحيد المتبقي من هذا النوع. وكما حدث مع صنصال، فإن السيناريو الأقرب هو عفو “إنساني” أو “رئاسي”، يُقدَّم محلياً كقرار سيادي نابع من “حكمة القيادة” لا كاستجابة لضغط خارجي، بينما تتولى الماكينة الإعلامية الدعائية، التي شنّت الهجوم على إنفانتينو اليوم، مهمة تلميع القرار غداً بصفته “بادرة إنسانية” لا تراجعاً. النص نفسه، الممثلون نفسهم، فقط تُعاد كتابة الديباجة.

وهنا يكمن السؤال المحيّر الذي يستحق التوقف عنده: لماذا يكرر النظام الجزائري هذه الدورة، باعتقال صحفيين وكتّاب ومؤرخين على خلفية تهم فضفاضة كـ”تمجيد الإرهاب” أو “المساس بالوحدة الترابية”، إذا كان المسار النهائي معروفاً سلفاً، وهو الإفراج تحت الضغط، مع كل ما يصاحب ذلك من إحراج لخطاب “القضاء المستقل” و”السيادة الوطنية”؟ الجواب لا يكمن في “خطأ تقدير” متكرر، بل في وظيفة الاعتقال نفسه، التي تختلف عن وظيفة الإفراج. الاعتقال موجّه للداخل: رسالة ترهيب لكل من يفكر في تجاوز الخطوط الحمراء، وأداة لإشغال الرأي العام بمعارك “السيادة” بدل الانشغال بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. أما الإفراج، فموجّه للخارج: ورقة تفاوض تُستخدم في اللحظة المناسبة لتحسين العلاقة مع باريس أو لتلميع صورة النظام أمام مؤسسة كالفيفا في أكبر حدث رياضي على الكوكب.

بعبارة أخرى، الاعتقال والإفراج ليسا تناقضاً في السياسة الجزائرية، بل هما وجهان لمنطق واحد: توظيف الأفراد كأدوات في لحظتين مختلفتين من المعركة نفسها، معركة الشرعية. المشكلة أن هذا التوظيف له تكلفة تراكمية، إذ يحوّل كل قضية فردية إلى ملف دولي يُستخدم كرافعة ضد الجزائر نفسها في كل مرة تحتاج فيها إلى شيء من الخارج، سواء كان تطبيعاً مع باريس أو صورة لائقة أمام كاميرات المونديال. فالنظام الذي يصرخ اليوم “سيادة” و”قضاء مستقل” هو نفسه الذي سيهلل غداً لقرار العفو بوصفه انتصاراً دبلوماسياً، تماماً كما فعل مع صنصال، وكما سيفعل مع غليز.

في النهاية، يمكن القول إن الجزائر لم تخسر فقط معركة الصورة أمام الرأي العام العالمي، بل خسرت أيضاً ورقة كانت يمكن أن تُستثمر بذكاء: لو أن قرار الإفراج عن غليز جاء قبل تدخل إنفانتينو، بمبادرة “سيادية” حقيقية، لكان من السهل تقديمه كإنجاز دبلوماسي جزائري خالص. أما الآن، فإن أي عفو قادم سيُقرأ، محلياً ودولياً، على أنه استجابة مباشرة لضغط رئيس الفيفا، أي أن النظام الذي يرفض أن “تُصاغ سياساته تحت إيقاع التصفيق الإعلامي الغربي”، سينتهي به الأمر، كما جرت العادة، إلى الرقص على نفس الإيقاع، لكن بعد أن دفع ثمن الإحراج كاملاً، ودون أن يقبض حتى على فضل المبادرة.

اقرأ أيضا

مطر الأسماك في هندوراس.. ظاهرة مثيرة للجدل منذ القرن التاسع عشر

سجلت بلدة يورو الواقعة في هندوراس ظاهرة «مطر الأسماك» المعروفة محلياً باسم «لويبيا دي بيسيس»، …

06

مونديال 2026..الموعد والقنوات الناقلة لمباراة السعودية وأوروغواي

يواجه المنتخب السعودي، مساء اليوم الثلاثاء، نظيره الأوروغواياني، ضمن منافسات الجولة الأولى من دور المجموعات …

لجنة نيابية تحسم تعديلات مشروع قانون الحيوانات الضالة

تتلقى لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس النواب، اليوم الاثنين، آخر التعديلات على مشروع قانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة والوقاية من أخطارها.