بقلم: هيثم شلبي
في الوقت الذي تقرأ فيه هذه السطور، يجلس موظفو الديوان المهني للحبوب الجزائري أمام شاشاتهم منتظرين إغلاق مناقصة دولية لشراء قمح الطحين من الأسواق العالمية. المنشأ: أوروبا، البحر الأسود، أمريكا الجنوبية، أستراليا، الهند، أي مكان في العالم ما عدا الجزائر.
هذه ليست مناقصة استثنائية. ففي مارس الماضي اشترى الديوان ذاته 690 ألف طن، وفي فبراير اشترى 600 ألف طن، وفي يناير اشترى 600 ألف طن أخرى. أي أن الجزائر منذ مطلع 2026 وهي تعود إلى السوق الدولية كل ثلاثة أسابيع تقريباً لتملأ صوامعها من قمح “الخارج الرأسمالي”، في سنة أعلن فيها وزير فلاحتها يوسف شرفة بكل ثقة أن 2025 كان آخر عام تستورد فيه الجزائر القمح الصلب، لأنها بلغت الاكتفاء الذاتي. إنجاز تاريخي بكل المقاييس. والدليل: مناقصة جديدة هذا الصباح.
لكن لنتوقف عند هذا الإنجاز المُعلَن ونتأمله بهدوء، لأن في تفاصيله ما يستحق التأمل أكثر مما يستحق التصفيق.
القمح في الجزائر نوعان لا نوع واحد. القمح الصلب، الذي يدخل في صناعة الكسكس والمعكرونة، وهو المحصول الذي تجيد التربة الجزائرية إنتاجه نسبياً بحكم المناخ، والذي يمثل نحو 45 بالمئة من المساحة المزروعة بالحبوب. والقمح اللين، الذي يدخل في صناعة الخبز والباغيت الفرنسي الذي لا تستطيع عائلة جزائرية واحدة الاستغناء عنه، وهذا الأخير لا تنتجه الجزائر بأي كمية تُذكر، إذ لا تتجاوز مساحته المزروعة 15 بالمئة من إجمالي مساحة الحبوب. والمفارقة أن القمح اللين هو البطل الحقيقي في فاتورة الاستيراد، إذ يمثل وحده ما بين 75 و80 بالمئة من إجمالي واردات القمح الجزائرية، بينما القمح الصلب الذي احتفل النظام بالاكتفاء منه لا يمثل سوى 20 إلى 25 بالمئة من تلك الفاتورة.
ترجمة هذه النسب إلى أرقام حقيقية تكشف حجم الخدعة الإحصائية. الجزائر تستورد ما يقارب 9.2 مليون طن من القمح سنوياً وفق أحدث تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية، مما يجعلها رابع أكبر مستورد للقمح في العالم بعد مصر وإندونيسيا والاتحاد الأوروبي. القمح الصلب في هذه الفاتورة يمثل نحو مليوني طن في أحسن الأحوال. وحتى لو تخلصت الجزائر من استيراد هذين المليونين كلياً، يبقى على الطاولة ما يزيد على سبعة ملايين طن من القمح اللين يجب استيرادها من الخارج كل عام دون انقطاع، لأن الخبز اليومي لأربعين مليون جزائري يصنع من قمح أوكراني أو روسي أو أوروبي، لا من حقول سطيف أو قسنطينة.
لكن ثمة طبقة إضافية في هذه الخدعة الإحصائية يجدر الوقوف عندها. حين يستعرض المسؤولون الجزائريون أرقام إنتاجهم من القمح الصلب المتحققة أو الموعودة، يدخلون في الحساب إنتاج مشروع شركة “بونيفيكي فيراريزي” الإيطالية، أكبر شركة زراعية في إيطاليا، التي منحتها الجزائر عقد امتياز في تيميمون على 36 ألف هكتار بالصحراء الجزائرية باستثمار يبلغ 420 مليون دولار. الأرقام مبهرة على الورق: 170 ألف طن من القمح الصلب سنوياً متوقعة من هذا المشروع وحده. غير أن في التفاصيل ما يستحق التأمل الهادئ. أولاً: الشركة الإيطالية تمتلك 51 بالمئة من رأس المال مقابل 49 بالمئة للصندوق الوطني الجزائري للاستثمار، بما يعني أن القرار الاستراتيجي بشأن مصير الإنتاج يقع بالأغلبية في يد روما لا الجزائر. ثانياً: عقد الامتياز ينص صراحة على إنشاء وحدات تحويلية لإنتاج العجائن الغذائية بهدف “زيادة الصادرات خارج قطاع المحروقات”، وهو ما يعني أن القمح الصلب المزروع على الأرض الجزائرية مخصص في جزء معتبر منه لمعكرونة تتجه إلى المستهلك الأوروبي لا إلى كسكس الجزائري. ثالثاً، وهو الأكثر إفصاحاً: حتى اليوم لم تزرع الشركة الإيطالية سوى 1700 هكتار من أصل 36 ألف هكتار المقررة، والأهداف الكاملة لن تتحقق قبل عام 2028 في أحسن الأحوال. بمعنى آخر، الأرقام التي يحتفل بها الإعلام الرسمي كإنجاز راهن هي في معظمها إنتاج مستقبلي غير مضمون، تجريه شركة أجنبية تحكمها حسابات تنافسية وتسويقية خاصة بها، في أرض صحراوية لم تثبت جدواها الزراعية الكاملة بعد. إنها بعبارة أدق: اكتفاء إيطالي بقمح جزائري، يُقدَّم للرأي العام على أنه اكتفاء جزائري من قمحه.
في سياق مختلف، قد يكون تحقيق الاكتفاء في القمح الصلب إنجازاً زراعياً حقيقياً يستحق الإشادة. لكن حين يُقدَّم على أنه انعتاق من التبعية الغذائية وتحرر من “الخارج الرأسمالي”، يصبح الإنجاز الجزئي أداةً للتغطية على الفشل الكلي. وهذا بالضبط ما يفعله الإعلام الرسمي الجزائري حين يصف هذا الاكتفاء بأنه “ثورة زراعية”، متجاهلاً أن الذرة التي تأكلها الدجاجة الجزائرية قبل أن تصل إلى طبق المواطن تُستورد هي الأخرى بالكامل تقريباً، وأن الذرة باتت ثاني أكبر واردة زراعية بعد القمح مباشرة.
والأعجب في المشهد كله هو توقيت الإعلانات. ففي الوقت الذي يحتفل فيه مسؤولو وزارة الفلاحة بنهاية استيراد القمح الصلب، كان الديوان المهني للحبوب في ديسمبر 2024 يشتري ما بين 350 و400 ألف طن من القمح الصلب من كندا والولايات المتحدة وأستراليا. والحكومة ذاتها التي أعلنت أن 2025 سيكون عام الاكتفاء، هي الحكومة التي تطرح اليوم مناقصة لشراء المزيد. لا يوجد تناقض هنا في نظر النظام، لأن الإعلانات الرسمية في الجزائر لا تُصنع لتُطابَق بالأرقام، بل تُصنع لتُبثّ في نشرة الثامنة مساءً وتُنسى في الصباح.
البنية الهيكلية للمشكلة أعمق من أرقام الاستيراد. فالجزائر تعتمد على القمح في 60 بالمئة من حصتها الغذائية اليومية وفق تقارير وزارة الزراعة الأمريكية، وهذه النسبة لا تتراجع بل تتزايد مع نمو سكاني يبلغ 1.5 بالمئة سنوياً. الخبز المدعوم هو العقد الاجتماعي الوحيد الصامد في الجزائر منذ عقود، والنظام يعرف أن لحظة نقص الدقيق في المخابز ليست مجرد أزمة اقتصادية بل هي اللحظة التي تتحرك فيها الشوارع. لهذا يشتري الديوان المهني كميات تفوق الطلب الآني بهدف تكوين احتياطي استراتيجي، ولهذا تجري المناقصات بوتيرة لا تتوقف طوال العام.
في النهاية، الاكتفاء الذاتي من القمح الصلب حدث أم لم يحدث فعلياً، فإنه يشبه تماماً رجلاً مديوناً بمليون دولار يحتفل بسداد مئتي ألف منها معلناً انتهاء أزمته المالية، بينما ثمانمائة ألف دولار لا تزال معلقة في رقبته. الفاتورة الحقيقية لاستيراد الحبوب الجزائرية لن تتراجع بشكل ملموس ما لم تُحل معضلة القمح اللين والذرة، وهي معضلة لا تحلها الخطب ولا تحلها مناقصات الاستيراد المتكررة، بل تحلها إصلاحات هيكلية في قطاع الزراعة لم يبدأها النظام العسكري الجزائري بعد، لأن الإصلاح الحقيقي يتطلب اتخاذ قرارات مؤلمة، وعمّي تبون مشغول هذه الأيام بالتقاط الصور مع أردوغان وتلقي الأوسمة.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير