بقلم: هيثم شلبي
في 22 يناير 2026، وعلى هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ميثاق “مجلس السلام” (Board of Peace) بحضور عدد من قادة العالم. حدث مهيب، دعوات إلى قرابة ستين دولة، صلاحيات واسعة، ورؤية طموحة لحل النزاعات العالمية. لكن وسط كل هذا الحشد الدولي، كان غياب واحد صارخاً بصمته: الجزائر.
لم تتلقَ الجزائر دعوة. ليس أنها رفضت، ولا أنها تريّثت، ولا حتى أنها “تدرس الأمر بعناية” كما فعلت دول كثيرة. ببساطة: لم تكن على القائمة أصلاً. وهذا الاستثناء، في حد ذاته، يروي قصة أبلغ من ألف تصريح رسمي.
المغرب حاضر، والجزائر… أين؟
دعونا نضع الأمور في نصابها: المغرب قبل الدعوة، وكان وزير خارجيته ناصر بوريطة حاضراً بالشخص في حفل التوقيع بدافوس، بل واختاره الرئيس ترامب للتوقيع الأول بجانبه تماما، في لقطة لا تخلو من دلالة. دول مثل مصر، الأردن، الإمارات، السعودية، قطر، تركيا، وحتى دول آسيوية مثل إندونيسيا وباكستان وفيتنام، كلها تلقت دعوات وقبلتها. بل حتى دول صغيرة مثل ألبانيا وكوسوفو وأرمينيا وأذربيجان ومنغوليا كانت على القائمة.
لكن الجزائر؟ لا شيء. صمت مطبق. وكأن الخريطة الجيوسياسية تخطّتها وهي تمر من شمال أفريقيا إلى بقية العالم.
دروس من بريكس: عندما كشف لافروف الحقيقة
ربما يجدر بنا أن نتذكر هنا درساً قاسياً تلقّته الجزائر قبل عامين ونصف. في أغسطس 2023، رُفض طلب الجزائر للانضمام إلى مجموعة بريكس، رغم أنها كانت تظن نفسها “مرشحاً قوياً” كما أكد الرئيس تبون نفسه في تصريحات متفائلة لوسائل الإعلام الصينية والجزائرية. بل إن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نفسه كان قد وصف الجزائر بأنها “من بين المرشحين الرئيسيين” للانضمام.
لكن النتيجة؟ رفض صريح. قُبلت إثيوبيا (باقتصاد أصغر بكثير)، لكن الجزائر رُفضت. والأكثر إيلاماً: لافروف نفسه، الذي كان يُظهر الدعم، كشف المعايير الحقيقية للقبول عندما سُئل عن الأسباب.
قال لافروف بوضوح، ودون مواربة، إن المعايير الأساسية للقبول في بريكس هي: “الوزن، الهيبة، والموقف الواضح للدولة المرشحة على الساحة الدولية.”
وهنا المفارقة: روسيا والصين وجنوب أفريقيا دعمت الجزائر. لكن البرازيل والهند – وهما اقتصادان ديمقراطيان كبيران – صوّتتا ضد الجزائر. لماذا؟ لأن بريكس تحتاج إلى دول ذات وزن اقتصادي حقيقي، وحضور سياسي فعلي، ومواقف واضحة على الساحة الدولية. وهذا كله ما تفتقده الجزائر.
“القوة الضاربة” التي لا تضرب شيئاً
كم مرة سمعنا عن “الجزائر القوة الإقليمية”؟ كم مرة تباهى الإعلام الرسمي بـ”الجيش الأقوى في أفريقيا”؟ كم مرة رُددت عبارات مثل “الجزائر المنتصرة” و”القوة الضاربة”؟
لكن الحقيقة الصادمة هي أن كل هذه الشعارات تتبخر عندما تواجه امتحان الواقع الدولي. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات المشتراة، بل بالتأثير السياسي، بالحضور الدبلوماسي، وبالقدرة على أن تكون طرفاً في حل النزاعات لا مجرد متفرج صامت.
والواقع أن الجزائر – رغم كل ضجيجها الإعلامي – لا تملك اليوم أي حضور دبلوماسي حقيقي على الساحة الدولية. إنها دولة تعيش على ذكريات الماضي، على إرث الثورة، على شعارات العروبة والأفريقانية والعدم-انحياز، لكنها في الحقيقة غائبة تماماً عن أي قرار مؤثر في العالم.
المال لا يشتري الاحترام
قد يقول قائل: لكن الجزائر تملك المال! احتياطيات نفطية وغازية ضخمة، إيرادات كبيرة، قدرة على الإنفاق!
صحيح. لكن المال وحده لا يكفي. لو كان المال هو المعيار الوحيد، لكانت الجزائر في كل المحافل الدولية. لكن الحقيقة أن الاحترام الدولي يُبنى على أساس آخر تماماً: على الاقتصاد المتنوع، على الاستقرار السياسي، على الحريات، على حكم القانون، على الديمقراطية الحقيقية، وعلى القدرة على أن تكون شريكاً موثوقاً في العلاقات الدولية.
والجزائر اليوم تفتقد كل هذا. اقتصادها يعتمد بنسبة تفوق 95% على النفط والغاز. نظامها السياسي نظام عسكري يُعاد إنتاجه كل بضع سنوات تحت واجهة مدنية هشة. حرياته شبه معدومة. وسياسته الخارجية عبارة عن ردود أفعال متشنجة على ما يفعله المغرب، لا عن رؤية استراتيجية واضحة.
الموقف من أمريكا: عداء غير معلَن
لنكن صريحين: الجزائر لم تكن يوماً حليفاً للولايات المتحدة. بل كانت دائماً في المعسكر المناهض للغرب، متخفية خلف شعارات “عدم الانحياز” و”مناهضة الاستعمار”. لكن الحقيقة هي أن العلاقات الجزائرية-الأمريكية كانت دائماً باردة، حذرة، ومحفوفة بالشكوك المتبادلة.
ولهذا، فإن استثناء الجزائر من مجلس السلام ليس مفاجئاً. فترامب – رغم انفتاحه على دول كثيرة، بما في ذلك روسيا وحتى بيلاروسيا – لا يرى في الجزائر شريكاً يمكن الاعتماد عليه. لا من حيث الوزن السياسي، ولا من حيث الموثوقية، ولا حتى من حيث القدرة على المساهمة الفعلية في أي حل لأي نزاع.
دروس قاسية، ولكن ضرورية
هذا الاستثناء يجب أن يكون جرس إنذار للنظام الجزائري. لكن، وللأسف، التاريخ يعلّمنا أن الأنظمة العسكرية نادراً ما تتعلّم الدروس. فبدلاً من المراجعة الذاتية، سنسمع على الأرجح نفس الخطابات الجوفاء: “نحن لا نركض خلف المحافل الدولية”، “الجزائر ليست بحاجة إلى شهادات من أحد”، “نحن نملك مبادئنا الثابتة”، وغيرها من العبارات الإنشائية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
لكن الحقيقة واضحة وقاسية: العالم تجاوز الجزائر. لم يعد أحد ينتظر موقفها، ولا يسأل عن رأيها، ولا يكترث لتصريحاتها. صارت الجزائر دولة هامشية على الساحة الدولية، رغم كل إمكانياتها الطبيعية والبشرية.
المغرب في الصدارة، والجزائر في الظل
وبينما كان المغرب يوقّع على ميثاق مجلس السلام في دافوس، ممثلاً بوزير خارجيته، كانت الجزائر… حسناً، لا أحد يعرف أين كانت الجزائر. ربما كانت تصدر بياناً تستنكر فيه “التطبيع” أو “الانحياز الأمريكي”، أو ربما كانت منشغلة بإنتاج حلقة جديدة من المسلسل الدعائي حول “القوة الضاربة”.
لكن الحقيقة هي أن المغرب اليوم صار شريكاً استراتيجياً لأمريكا، وطرفاً أساسياً في كل المحافل الدولية المهمة، بينما الجزائر تُترك وحيدة مع شعاراتها الجوفاء.
الخلاصة: النفخة الكاذبة تنكشف
إن استثناء الجزائر من مجلس السلام ليس حادثاً عابراً، بل هو تأكيد جديد على حقيقة بسيطة: الجزائر اليوم ليست لها لا الوزن، ولا الهيبة، ولا الموقف الواضح الذي يؤهلها لأن تكون طرفاً في القرارات المصيرية على الساحة الدولية.
وما حدث مع بريكس يتكرر اليوم مع مجلس السلام، وسيتكرر غداً مع أي محفل دولي آخر. فالعالم لا يقبل بالشعارات، ولا يُعجب بالدعاية، ولا يحترم إلا القوة الحقيقية – الاقتصادية، السياسية، والأخلاقية.
وحتى تدرك الجزائر هذه الحقيقة البسيطة، ستظل على هامش الأحداث، تتفرج من بعيد، وتصدر بيانات استنكار لا يقرؤها أحد.
فهل يكفي أن تملك جيشاً قوياً واحتياطيات نفطية ضخمة لتكون “قوة إقليمية”؟ الجواب، كما أثبتته الأحداث مراراً وتكراراً، هو: لا.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير