بقلم: هيثم شلبي
يقال إن السعادة نوعان: أن تحقق ما تريد، أو أن يفشل الآخرون في تحقيق ما يريدون. النظام الجزائري – على ما يبدو – اختار الطريق الأسهل بحكمة استراتيجية لا تُضاهى، واكتشف سراً خفياً عن بقية شعوب الأرض: لماذا تُرهق نفسك في البناء والتشييد، في السعي والكفاح، في تطوير اقتصادك وتحسين بنيتك التحتية، حين يمكنك ببساطة أن تجلس مرتاحاً أمام شاشة التلفزيون وتراقب جارك؟ إنها عبقرية الاقتصاد في الجهد: لا تبنِ، بل راقب. لا تنجز، بل تشمّت. لا تتقدم، بل تفرح بتعثر الآخرين.
فلسفة “النجاح بالمراقبة” أو كيف تصبح بطلاً دون مغادرة الأريكة
لقد اكتشف الإعلام الجزائري معادلة ثورية تستحق جائزة نوبل في الفيزياء الاجتماعية، معادلة تُلغي قوانين السببية المملة وتستبدلها بمنطق جديد مبهر: كلما فشل المغرب في شيء، نجحنا نحن في شيء آخر تلقائياً! نعم، تلقائياً، دون أي جهد أو عمل أو تخطيط، فقط بقوة الارتباط الميتافيزيقي بين فشلهم ونجاحنا. خسر المنتخب المغربي مباراة كرة قدم؟ إذاً تحسن الاقتصاد الجزائري بنسبة وهمية رائعة، وارتفع معدل الرضا الشعبي، وتضاعف الناتج المحلي الإجمالي الافتراضي. تأخر قطار في محطة الدار البيضاء عشر دقائق؟ معناه أن جودة التعليم في الجزائر قفزت قفزة نوعية، وأن البنية التحتية للسكك الحديدية الجزائرية – التي ربما لا أحد يتحدث عنها – أصبحت فجأة الأفضل عالمياً. سقطت برتقالة من شجرة في أكادير؟ حسناً، هذا يعني بالضرورة أن القوة الناعمة الجزائرية في منطقة الساحل قد ارتفعت، وأن النفوذ الدبلوماسي توسع، وأن الريادة الإقليمية باتت في متناول اليد.
المعادلة بسيطة وجميلة وخالية من التعقيدات المنطقية المزعجة: فشلهم يساوي نجاحنا. لا حاجة بعد اليوم لوسطاء مُرهقين مثل “العمل الجاد” أو “التخطيط الاستراتيجي” أو “الإنجاز الفعلي على أرض الواقع”. كل هذه مفاهيم قديمة عفا عليها الزمن، مناسبة للشعوب التقليدية التي لم تكتشف بعد سر النجاح السلبي. أما نحن، فقد تجاوزنا هذه المرحلة البدائية ووصلنا إلى مرحلة متقدمة: النجاح بالمراقبة، الإنجاز بالترقب، التفوق بانتظار أخطاء الآخرين.
دبلوماسية “التصيد في الماء العكر” أو فن تحويل التغريدة إلى أزمة وطنية
بينما تنشغل دول العالم المتخلفة – نعم متخلفة لأنها لم تفهم الحكمة بعد – بأمور تافهة مثل التنمية المستدامة، جذب الاستثمارات الأجنبية، تطوير الصناعات المحلية، بناء المدارس والمستشفيات، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، اكتشفت الجزائر السر العظيم، الكنز المدفون: الدبلوماسية الحقيقية لا تُمارس في قاعات الأمم المتحدة، بل في مراقبة صفحات الفيسبوك المغربية! هذا هو المستقبل، هذه هي الرؤية الثاقبة.
تخيلوا معي حجم الموارد البشرية الهائل المخصص لهذه المهمة الوطنية العظمى والاستراتيجية: فرق كاملة مؤلفة من عشرات، بل مئات “المحللين الاستراتيجيين” و”الخبراء الإعلاميين” الذين تتلخص مهمتهم السامية في تصفح تويتر المغربي وفيسبوك المغربي وإنستغرام المغربي، بحثاً عن تغريدة غاضبة من مواطن ساخط، أو فيديو يصوره شخص يشتكي من طابور طويل أمام إحدى الإدارات، أو تعليق ناقد على أداء خدمة عامة. وما إن يعثروا على هذا الكنز الثمين – ويا لفرحة الاكتشاف! – حتى يتحول فوراً إلى “أزمة وطنية مغربية مستفحلة” تستحق التغطية على مدار الساعة، والتحليل المعمق، والنقاش الممتد في البرامج الحوارية.
مواطن مغربي عادي ينشر فيديو ينتقد فيه أداء بلديته المحلية بسبب تأخر في جمع النفايات؟ عنوان عريض بخط أحمر على شاشة القناة: “انهيار كامل للمنظومة الإدارية بالمغرب.. الفوضى تعم البلاد!” ازدحام مروري صباحي عادي في إحدى شوارع الرباط، من النوع الذي يحدث في كل عواصم العالم؟ تقرير خاص مطول مع مراسل ميداني: “الفوضى العارمة تشل الحياة في شوارع المملكة.. انهيار البنية التحتية!” المنتخب المغربي يخسر مباراة ودية استعدادية لا قيمة لها؟ تحليل استراتيجي معمق يمتد لساعات: “سقوط الحلم المغربي الموهوم.. انهيار الأساطير وكشف الحقائق المرة!”
أما حين ينظم المغرب بنجاح باهر كأس أفريقيا، ويستضيف ببراعة بطولة مونديال الأندية، ويفوز في ملفات دولية كبرى تتنافس عليها دول قارات بأكملها؟ هنا تظهر العبقرية التحريرية في أبهى صورها: الصمت المطبق الرهيب، التعتيم الإعلامي الكامل، كأن شيئاً لم يحدث على الإطلاق. أو في أحسن الأحوال، تعليق عابر مقتضب: “هذا أمر عادي تماماً، بل تافه، كنا سننجح أكثر بمراحل لو أُتيحت لنا الفرصة ذات يوم” – تلك الفرصة التي لم تُتَح منذ عقود ولن تُتاح في المستقبل المنظور، لكن هذا تفصيل صغير لا يستحق التوقف عنده.
علم “الإنجاز بالإنكار” أو كيف تصنع واقعاً بديلاً في عصر الهواتف الذكية
هناك فن رفيع المستوى، دقيق التقنية، يتطلب مهارات خاصة تُتقنه القنوات الجزائرية بامتياز: فن إنكار الواقع المرئي الملموس المُوثّق بالصوت والصورة. في عصرنا الحالي، عصر الهواتف الذكية والإنترنت المفتوح وشبكات التواصل الاجتماعي ووسائل البث المباشر، حيث يمكن لأي إنسان في أي مكان على وجه الأرض أن يرى بعينيه مباشرة ما يحدث في المغرب لحظة بلحظة، تصر الآلة الإعلامية الجزائرية بعناد مثير للإعجاب على تقديم “نسختها الخاصة البديلة من الواقع”، نسخة موازية تعيش في بُعد آخر غير الذي نعيش فيه جميعاً.
المغرب ينظم حدثاً رياضياً أو ثقافياً دولياً بنجاح ساحق تشهد له المنظمات العالمية ووسائل الإعلام العالمية؟ الرواية الجزائرية المُعدّة مسبقاً: “فشل ذريع مُدوٍّ مغطى بطبقات سميكة من الدعاية الفارغة والبروباغندا المضللة”. ملايين السياح من مختلف أنحاء العالم يزورون المملكة المغربية سنوياً ويملؤون الفنادق والمطاعم والمعالم السياحية؟ التفسير الجزائري المُحكم: “أرقام مزورة تماماً، إحصائيات مفبركة من الألف إلى الياء، دعاية إعلامية فارغة لا أساس لها من الواقع”. منتخب مغربي يحقق إنجازاً تاريخياً غير مسبوق على المستوى القاري أو العالمي؟ التحليل الجزائري العميق: “مجرد صدفة عابرة لا قيمة استراتيجية لها، ضربة حظ لن تتكرر، وكنا بالتأكيد سنفعل أفضل بكثير لو وُضعنا في نفس الظروف”.
الطريف حقاً، أن هذا “العناد الإدراكي المُنظّم” يستمر بكل قوته وثبات حتى حين يكذبه أبسط بحث في محرك غوغل يستغرق ثلاثين ثانية، حتى حين تنشر وكالات الأنباء العالمية الكبرى تغطيات مفصلة تناقضه تماماً، حتى حين يشاهد العالم كله البث المباشر للحدث. لكن من قال إن الحقائق الموضوعية مهمة في عالمنا الجديد؟ من قال إن الواقع الفعلي له أولوية على الواقع الذي نريد تصديقه؟ عندما يمكنك صناعة حقيقتك الخاصة المريحة، لماذا تُزعج نفسك بالحقيقة المُزعجة؟
اقتصاديات “الربح من خسارة الجار” أو نظرية القيمة المضافة الصفرية
دعونا نحاول – للحظة واحدة – أن نفكر بعقلية اقتصادية جافة خالية من العواطف والإيديولوجيا. لنضع المشاعر جانباً ونحسبها بالأرقام الصلبة. لنفترض – جدلاً، وللمناقشة الأكاديمية فقط – أن المغرب فشل فعلاً في تنظيم كأس أفريقيا (وهو بالطبع لم يفشل، بل نجح، لكن لنتخيل السيناريو الافتراضي). السؤال البسيط المباشر: كم ديناراً جزائرياً سيدخل هذا “الفشل المغربي” إلى الخزينة العامة للدولة الجزائرية؟ الإجابة: صفر دينار بالتمام والكمال. كم مشروعاً تنموياً سيضيف لبرامج التنمية الوطنية؟ الإجابة: لا شيء مطلقاً. كم قطار سكة حديد جديد سيُبنى بفضل هذا الفشل؟ صفر قطار. كم مستشفى أو مدرسة ستنشأ؟ ولا واحد. كم سيُحسّن من مستوى معيشة المواطن الجزائري العادي في الشارع؟ ولا حتى ابتسامة عابرة تدوم ثانيتين.
لكن – وهنا تكمن المفارقة المُرّة التي تبكي وتُضحك في آن – كم برنامجاً تلفزيونياً خاصاً سيُنتج ويُبث لتحليل هذا “الفشل المغربي” المزعوم من كل الزوايا الممكنة؟ عشرات البرامج على الأقل، إن لم نقل المئات. كم مقالاً صحفياً مُطوّلاً سيُكتب وينشر؟ مئات المقالات بلا مبالغة. كم ساعة بث مباشر متواصل ستُخصص؟ أيام كاملة متتالية، ربما أسابيع. كم “محللاً استراتيجياً” و”خبيراً في الشؤون المغاربية” سيُستضاف في الاستوديوهات؟ جيش كامل منهم.
يا له من استثمار مربح حقاً! يا لها من استراتيجية عبقرية مُحكمة! لا تبني شيئاً ملموساً، لا تطور شيئاً حقيقياً، لا تنجز شيئاً قابلاً للقياس، فقط تراقب وتشمت وتحلل وتعلق. أرخص مشروع تنموي في تاريخ البشرية! لا تكاليف بناء، لا ميزانيات ضخمة، لا تخطيط معقد، فقط كاميرات وميكروفونات ومحللين يتحدثون في الهواء.
سيكولوجيا “أنا أفضل لأنك أسوأ” أو الاعتراف الضمني بالهزيمة
هناك حالة نفسية مرضية معروفة جيداً في كتب علم النفس الاجتماعي، حالة يدرسها الطلاب في السنوات الأولى: حين تعجز تماماً عن إثبات تفوقك وتميزك وقدراتك الذاتية، تلجأ إلى طريقة بديلة وهي إثبات سوء الآخرين ونقائصهم وإخفاقاتهم، على أمل أن يُفهم من المقارنة أنك أفضل. المشكلة الصغيرة – أو بالأحرى الكارثية – في هذه الاستراتيجية النفسية أنها تعترف ضمنياً وبصوت مرتفع بأمر محرج ومؤلم: أنت خرجت بالفعل من لعبة المنافسة الحقيقية، وأصبحت مجرد متفرج في المدرجات.
الدول الحقيقية التي تبني حضاراتها وتشيد مستقبلها، ليس لديها وقت فائض أو طاقة زائدة لتُهدرها في مراقبة من يتعثر ومن يسقط ومن يفشل من جيرانها. هي منشغلة تماماً بمشاريعها الضخمة، بخططها طويلة الأمد، بتحدياتها الداخلية التي لا تنتهي. الدول الجادة التي تنجز وتتقدم، مشغولة بإنجازاتها ومنهمكة في تطوير قدراتها، لا تملك ترف الالتفات المستمر إلى تصيد أخطاء جيرانها وتضخيمها. الدول الواثقة الحقيقية من مسارها ومن قوة مشروعها الحضاري، لا تحتاج إطلاقاً إلى “جرعات شماتة” يومية لتعزيز ثقتها بنفسها أو لرفع معنويات شعوبها.
لكن حين يتحول إعلامك الرسمي إلى آلة مهووسة بما يفعله جارك صباحاً ومساءً، حين تخصص قنوات تلفزيونية كاملة بميزانيات ضخمة لمهمة واحدة فقط هي “فضح المغرب” و”كشف حقيقة المغرب”، حين يصبح “فشلهم المزعوم” هو إنجازك الوحيد الذي تحتفل به وتتباهى به أمام شعبك… فأنت في الحقيقة تعلن بصوت عالٍ لا يحتاج لترجمة أو تأويل: “لقد فقدنا البوصلة تماماً، وضاعت منا الرؤية، ولم يعد لدينا مشروع وطني حقيقي خاص بنا نفخر به”.
تحية للإعلام الجزائري ودعوة للتفكير
في النهاية، بعد هذه الجولة الطويلة في أروقة هذه الظاهرة العجيبة، لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة ونحيي – بسخرية مريرة بالطبع – هذا الإبداع الإعلامي الفريد من نوعه في تاريخ الإعلام العربي والعالمي: اختراع نموذج “التنمية بلا تنمية”، و”النجاح بلا إنجاز حقيقي”، و”التفوق بلا منافسة فعلية”، و”البناء بلا لبنة واحدة”. لقد أثبت الإعلام الجزائري المُسيّس أن بالإمكان – نظرياً على الأقل – بناء هوية وطنية كاملة، منظومة دعائية متكاملة، على أساس وحيد بسيط: “نحن لسنا المغرب”. لا يهم حقاً من نحن بالضبط، ما هويتنا الإيجابية، ما إنجازاتنا الخاصة، ما مشاريعنا المستقلة، المهم فقط – والكافي تماماً – هو من ليس نحن، من نكرهه، من نعاديه، من نراقبه.
وبينما ينشغل المغرب – بكل هدوء وبلا ضجيج – ببناء مشاريعه الكبرى، وتطوير بنيته التحتية الحديثة، واستقطاب استثماراته الضخمة، وتعزيز مكانته الإقليمية والدولية، سيستمر الإعلام الجزائري الرسمي في أداء مهمته الوطنية النبيلة بإخلاص وتفانٍ: التصيد المستمر، والتشويه الممنهج، والشماتة المبرمجة. لأنه في التحليل الأخير، ووفق المنطق السائد هناك، لماذا تتعب نفسك وتُرهق شعبك في بناء حضارة حقيقية ومشروع تنموي جاد حين يمكنك الجلوس مرتاحاً على الأريكة أمام الشاشة لمراقبة من يبني ومن ينجز ومن يتقدم؟
تحية صادقة للعبقرية! وإن كانت – ويا للأسف الشديد – عبقرية مُهدرة في الاتجاه الخاطئ تماماً.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير