خطة بديلة لوقف الهجرة

تركت القمة الأوروبية في بروكسيل، على خلفية الفواجع الأليمة للهجرة غير الشرعية انطباعاً إيجابياً في بعده الإنساني. لم يصدر عن الاتحاد الأفريقي ما يفيد بانشغاله بمأساة تحصد أرواح آلاف الأبرياء المتحدرين من أصول أفريقية. ولم تلتفت جامعة الدول العربية كثيراً إلى الموضوع، مع أنه يطاول تردي الأوضاع الأمنية في بلد عربي اسمه ليبيا، وكذا تداعيات نزوح اللاجئين السوريين والعراقيين.
للجامعة ما يكفيها من الأعباء ثقيلة الحمل، إلا أن هناك التزامات لناحية دعم الحوار العربي الأفريقي، كانت تحتم إيلاء مآسي الهجرة غير الشرعية قدراً أكبر من الاهتمام، كونها نتاج أزمات وتراكم معضلات ذات صلة بغياب الاستقرار وحظوظ التنمية وتطويق النزاعات العرقية والطائفية. وطالما استمرت هذه الأوضاع القاتمة، فإن موجات تدفق المهاجرين غير الشرعيين ستتواصل، على قدر الأحلام التي تصنعها متخيلات إغراءات الضفة الشمالية للبحر المتوسط.
الانشغالات الأوروبية لها ما يبررها، ليس فقط على نطاق اتساع الهجرة غير الشرعية القادمة من بلدان الجنوب ومناطق التوتر والنزع، ولكنها المخاوف من استخدام الهجرة لتسريب عناصر متطرفة، في ضوء تنامي المخاطر الإرهابية. يُضاف إلى ذلك باقي الهواجس الأمنية. وإذا كانت هذه حربها بامتياز لتأمين حدودها، فإن الاتجاه نحو استئناف البحث في تطوير مجالات الهجرة المنظمة في إمكانه أن يخفف بعض الأعباء، أقلها أنه لو لم يكن المجال مفتوحاً أمام العمل غير المشروع الذي يستغل المهاجرين غير الشرعيين، لما زادت حدة النزوح في اتجاه أوروبا.
ارتكبت بلدان الاتحاد الأوروبي خطأً فادحاً، حين أدارت ظهرها لبلدان الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، وتحديداً منذ كرست انفتاحاً على بلدان أوروبا الشرقية الخارجة عن المعسكر السوفياتي سابقاً. فقد انصرفت لاستيعاب الهجرة البيضاء التي لا تختلف عن مكوناتها العرقية والثقافية. ليس هذا فحسب، بل أهملت التعاطي والكثير من الأزمات الأفريقية التي كان من نتائجها نزوح عدد كبير من المهاجرين فراراً من الحروب والنزاعات ومضاعفات الكوارث الطبيعية. وبقي مشروع المساعدة في التنيمة الذي كانت تعول عليه الدول الأفريقية معلقاً بين الفئات وبعض الأعمال الإنسانية، ثم تمددت الأزمة لتشمل الجوار الأفريقي الأقرب، مثل ليبيا التي تحولت إلى ملاذات المهاجرين، في غياب فرض رقابة أي سلطة سياسية أو قانونية.
أي مقاربة إنسانية وأمنية أو عسكرية لا يمكنها الحد من تنامي الظاهرة ما لم ترافقها إجراءات جذرية واحترازية، تبدأ من حل الأزمات العالقة في البلدان التي تعاني غياب الاستقرار. وثمة تجربة فريدة أفادت منها أوروبا في تحقيق الإقلاع، عندما أقر الحلفاء مشروع «مارشال» لما بعد الحرب الكونية الثانية، كونه أسعف أوروبا في معاودة الإعمار وانتعاش الحركة الاقتصادية والتجارية.
يتجاوز الأمر اهتمامات الأوروبيين، وقد حان الوقت كي تتدخل الأمم المتحدة لإقرار خطة بديلة تساعد البلدان مصدر الهجرة في تأمين سبل الاستقرار والأمن. ولا يبدو أن أي إجراءات عسكرية لناحية شن الحرب على شبكات الهجرة في إمكانها اقتلاع الظاهرة. قد تخفف من حدتها لا شك في ذلك. غير أن الاتجاه نحو إحياء الحوار الأفريقي الأوروبي حول الهجرة وغيرها من المعضلات المقلقة، سيمكن من استخلاص تصورات أكثر واقعية، أقلها الإلمام بحقائق الظاهرة وخلفياتها وأبعادها، فالمغامرات القادمة من السواحل الليبية لا تعدو أن تكون منفذا أكثر إغراء لفاقدي الأمل.

*كاتب صحفي/”الحياة”

اقرأ أيضا

رئيسة المفوضية الأوروبية في رسالة لسانشيز: يتعين بذل المزيد من الجهود لتعزيز أمن الحدود

وجهت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير ​لاين، رسالة لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو ‌سانتشيز، حول ضرورة تعزيز جهود التصدي للهجرة غير الشرعية.

أمريكا تفرض رسوما جديدة على 60 شريكا تجاريا

يواجه 60 شريكا تجاريا للولايات المتحدة الأمريكية، رسوما جمركية جديدة فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

الأمم المتحدة.. المغرب يترأس بشكل مشترك اجتماعا متعدد الأطراف مخصصا لتقييم السلامة الطرقية عبر العالم

ترأس المغرب، ممثلا بالمدير العام للوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا)، بناصر بولعجول، أمس الثلاثاء بمقر منظمة الأمم المتحدة بنيويورك، بشكل مشترك اجتماعا متعدد الأطراف، خصص لتقييم التقدم المحرز في مجال تعزيز السلامة الطرقية على الصعيد العالمي.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *