كان عبد الله (اسم مستعار) البالغ من العمر 18 سنة يحبس أنفاسه كلما اقتربت أصوات العربات العسكرية من مخيم “الهول” شمال شرقي سوريا. في ثوانٍ معدودة، يزحف نحو حفرة صغيرة حفرها بيديه تحت أرضية خيمته، ثم يطوي جسده داخلها ويغطيها بما تيسر من الأغطية والتراب، منتظراً أن تمر حملة التفتيش من دون أن تعثر عليه. كانت الساعات تمر ببطء، فيما يخفق قلبه بقوة داخل ذلك “القبر” الضيق.
لم يكن هذا الشاب يخشى الموت بقدر ما كان يخشى أن يُنتزع من حضن والدته، كما حدث مع أطفال آخرين تجاوزوا الثانية عشرة، واختفوا خلف أبواب مراكز الاحتجاز أو السجون في سوريا والعراق.
اليوم، وبعد سنوات من تلك الليالي، لم يعد عبد الله يختبئ تحت الأرض. لكنه لا يزال يحمل ذاكرة المكان الذي اختزل طفولته بين الخوف والأسلاك الشائكة، فيما ينتظر العودة إلى المغرب ليبدأ حياة لم يعرفها من قبل.
لم يكن عبد الله استثناءً. فبين آلاف المقيمين في مخيم “الهول”، عاش عشرات الأطفال المغاربة طفولتهم داخل واحدة من أكثر البيئات قسوة وتعقيداً في المنطقة. هناك، تعلّم بعضهم الاختباء قبل أن يتعلم القراءة، وكبر آخرون وهم يعتقدون أن الخيمة هي العالم كله.
في 30 يناير 2026 أعلنت السلطات السورية بدء إغلاق مخيم “الهول”، بعد انتقال إدارته إلى الحكومة السورية، قبل أن يُعلن في 22 فبراير إغلاقه رسمياً، منهياً سنوات من وجود مخيم ضم آلاف الأشخاص من عائلات عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي.
وكان بين المغادرين أطفال مغاربة ولد بعضهم في مناطق النزاع، فيما وصل إليها آخرون في سنواتهم الأولى، ليخرجوا وهم يحملون آثار حرب لم يختاروها. غير أن مغادرة المخيم لم تكن نهاية القصة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً. فالأطفال الذين نجوا من الحرب يواجهون اليوم تحديات تتعلق بإثبات الهوية، واستئناف الدراسة، والعلاج النفسي، والاندماج في مجتمع لم يعرفه بعضهم إلا من خلال روايات ذويهم.
من خلال شهادات لأطفال وعائلاتهم، وآراء مختصين، ومعطيات رسمية، يرصد موقع “مشاهد24” واقع الأطفال المغاربة الذين غادروا مخيم “الهول”، والتحديات التي تواجههم بعد الإغلاق.
ونظراً لحساسية الملف، اعتمد الموقع أسماءً مستعارة للأطفال وأفراد أسرهم، وحُجبت هوياتهم وصورهم حماية لهم من الوصم الاجتماعي، بعد التحقق من هوياتهم ووثائقهم وذلك بالتعاون مع “التنسيقية الوطنية لعائلات المعتقلين والمحتجزين والمفقودين المغاربة في سوريا والعراق”.
طفولة خلف الأسلاك
لم يكن عبد الله الطفل المغربي الوحيد الذي كبر داخل مخيم “الهول”. فعشرات الأطفال المغاربة وجدوا أنفسهم، منذ سنواتهم الأولى، في واحدة من أكثر البيئات تعقيداً في شمال شرقي سوريا، بعدما انتقلت بهم عائلاتهم إلى مناطق النزاع أو وُلدوا فيها خلال سنوات سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي.
وبعد انهيار التنظيم، تحوّل مخيم “الهول” إلى وجهة لآلاف النساء والأطفال، بينهم مغاربة، عاشوا لسنوات داخل خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط ظروف أمنية وإنسانية قاسية، وانقطاع عن التعليم، ومستقبل غامض.
ومع إعلان السلطات السورية، إغلاق المخيم وإنهاء وجوده رسمياً، بدأت مرحلة جديدة بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال. فقد غادروا الأسلاك الشائكة، لكنهم حملوا معهم آثار سنوات من الخوف والعزلة، ليواجهوا تحديات لا تقل صعوبة عن تلك التي عاشوها داخله.

“لي قبر وأنا حي“
يروي عبد الله تفاصيل سنوات قاسية عاشها داخل مخيمات “الطبقة” و”عين عيسى” ثم مخيم “الهول”، حيث تحوّلت طفولته، بحسب وصفه، إلى رحلة طويلة من الخوف والترقب والاختباء، في ظل هاجس الاعتقال الذي كان يلاحق الأطفال الذكور.
ويقول في تصريح لـ”مشاهد24″، إن عائلته تنقلت بين عدة مخيمات قبل أن تستقر في مخيم “الهول”، حيث قضى ما يقارب ست سنوات، موضحاً أن والدته حاولت، رغم الظروف القاسية، أن تحافظ على تعليمهم وهويتهم المغربية.
ويستعيد الشاب ذكريات طفولته في المخيم، حيث اضطر إلى حفر قبر بيديه داخل خيمته ليتخذه ملجأ كلما سمع أصوات العساكر تقترب. ويصف تلك اللحظات بأنها كانت أشبه بالموت البطيء، إذ كان يشعر بقلبه يخفق بشدة كلما دوت الأصوات من حوله، مدركاً أن اكتشاف مكانه قد يعني نهايته.
ويضيف أن كل ما تحمّله من خوف ومعاناة آنذاك كان سببه رفضه تسليم نفسه للمليشيات الكردية، مفضلاً الاختباء داخل “قبر” على الوقوع في الأسر.
ويصف عبد الله التحول الذي طرأ على حياته أثناء تواجده في مخيم “الهول” بعد بلوغه سن الثانية عشرة قائلاً: “كلما كبر الولد في المخيم صار مهددا أكثر.. لم أكن حينها أستطيع النوم ليلاً من شدة الخوف، لأن أي حملة تفتيش قد تعني أخذك بعيداً عن حضن أمك دون أن تعرف السبب”.
وبينما لا تزال صور الاختباء والمداهمات تطارده، يحاول عبد الله اليوم أن يصنع لنفسه مستقبلاً مختلفاً. فقد حصل على موافقة للعودة إلى المغرب، ويكرس معظم وقته لتعويض ما فاته من الدراسة، آملاً أن يصبح يوماً معالجاً فيزيائياً.
مقاومة وسط الخيام
لم تكن معركة عبد الله داخل مخيم “الهول” تقتصر على الاختباء من حملات التفتيش. فالحياة اليومية نفسها كانت اختباراً دائماً للصمود.
في الشتاء، كانت الأمطار تتسرب إلى الخيام، ويشتد البرد من دون وسائل تدفئة. وفي الصيف، تتحول الخيمة إلى مساحة خانقة تحت حرارة مرتفعة، فيما يظل الحصول على الماء والغذاء والخدمات الأساسية تحدياً يومياً.
وسط تلك الظروف، حاولت والدته أن تمنح أبناءها ما يشبه الحياة الطبيعية. جمعت الكتب المدرسية كلما استطاعت، ثم اعتمدت لاحقاً على نسخ إلكترونية للمناهج المغربية، كانت العائلات تخفيها خوفاً من مصادرة الهواتف أو التعرض للعقاب.
يقول عبد الله: “كنا نراجع الدروس كل يوم ونحفظ القرآن. كانت أمي ترفض أن تضيع سنواتنا”.
وفي غياب المدارس، تكفلت امرأة مغربية بتعليم مجموعة من الأطفال الرياضيات واللغة الفرنسية وبعض المواد الدراسية، في محاولة للحفاظ على صلتهم بالتعليم، رغم أن المخيم لم يكن يوفر بيئة تسمح بطفولة طبيعية. لكن تلك المحاولات لم تبدد الشعور بالعزلة. “كنا نشعر أننا منسيون.. وأن العالم لا يرى فينا سوى أبناء داعش”.
ويستعيد عبد الله أيضاً صور أصدقاء اختفوا بعد نقلهم إلى مراكز احتجاز، فيما بقي مصير بعضهم مجهولاً حتى اليوم.

العبور الأخير
“استغرقت فكرة الهروب من مخيم الهول أشهراً من التفكير والمحاولات الفاشلة”. يقول عبد الله إن ثلاث محاولات انتهت بالفشل بسبب الإجراءات الأمنية المشددة، قبل أن تنجح المحاولة الرابعة مع تراجع سيطرة القوات التي كانت تدير المخيم.
كانت المجموعة تضم نساءً وأطفالاً، وكان عبد الله الشاب الوحيد بينهم. في ظلام الليل، بحثوا لساعات عن منفذ بين الأسلاك الشائكة، قبل أن يعثروا على فتحة صغيرة ويحاولوا توسيعها للعبور.
يروي تلك اللحظات قائلاً: “مزقت الأسلاك ملابسنا، وأصابت بعض النساء بجروح. كنا نعرف أن التراجع لم يعد خياراً”. وبمجرد تجاوز السياج، انتبهت القوات إلى حركتهم وبدأ إطلاق النار.
واصلت المجموعة الركض حتى ابتعدت عن المخيم، مستعينة بتطبيق لتحديد المواقع للوصول إلى نقطة آمنة، قبل أن يساعدهم سكان محليون على مغادرة المنطقة.
يتذكر عبد الله تلك اللحظة قائلاً: “تركنا المخيم وراءنا.. وكنا نبكي من شدة الفرح”.
وأكد عبد الله أن حلم العودة إلى المغرب بات أقرب من أي وقت مضى، بعدما حصل رفقة عائلته على موافقة من السفارة المغربية في دمشق، موضحاً أنهم تسلموا “ورقة العبور” تمهيدا للعودة النهائية إلى أرض الوطن فور انتهاء السنة الدراسية الحالية (2026).
وزاد موضحاً: “ما إن غادرنا المخيم حتى توجهنا مباشرة إلى السفارة المغربية في دمشق، حيث قدمنا ملفاتنا. وبعد أسابيع، تواصلوا معنا وأبلغونا بالموافقة على العودة. الآن أنتظر فقط إنهاء دراستي للرجوع إلى المغرب”.
وأضاف الشاب أنه يعيش ضغطا كبيرا من أجل تدارك ما فاته من الدراسة خلال السنوات الماضية، حتى يتمكن من الالتحاق بمساره الدراسي بشكل طبيعي بعد العودة.
بالنسبة لعبد الله، لم يكن اجتياز السياج الأخير نهاية الرحلة، بل بداية انتظار جديد. فبعد سنوات من البحث عن منفذ للخروج من المخيم، ينتظر اليوم عبوراً آخر نحو المغرب، حيث يأمل أن تبدأ حياته الحقيقية.
“الخيمة كانت عالمي“
حين دخل إبراهيم (اسم مستعار) مخيم “الهول”، كان في الخامسة من عمره. لم يكن قد كوّن بعد ذاكرة عن العالم الخارجي، لذلك لم يعرف وطناً غير الخيام، ولا شوارع غير الممرات الترابية، ولا أصواتاً مألوفة سوى مكبرات الصوت ودوريات الأمن.
يقول الطفل والذي يبلغ اليوم الثانية عشرة من عمره في تصريح لـ”مشاهد24”: “كنت أعتقد أن المخيم هو الحياة الطبيعية”. كبر إبراهيم وهو يختزل العالم في مساحة مغلقة تحاصرها الأسلاك الشائكة. كانت كرة صغيرة ورقعة شطرنج تكفيان لتمضية النهار، فيما تتحول الليالي إلى ساعات طويلة من القلق كلما اقتربت سيارات الأمن من الخيام.
ويقول إن الأطفال لم يكونوا يخشون الجوع أو البرد فقط، بل كانوا يخافون أن يكبروا. ورغم ذلك، بقيت بعض التفاصيل الصغيرة عالقة في ذاكرته. يتذكر اليوم الذي بنت فيه إحدى المنظمات الإنسانية ملعباً للأطفال داخل المخيم، وهناك شاهد للمرة الأولى جهاز تكييف، وشرب ماءً بارداً خرج من آلة لم يكن يعرفها.
يبتسم وهو يستعيد تلك اللحظة، قبل أن يضيف أن دهشته الحقيقية جاءت بعد مغادرة المخيم. فخارج الأسلاك، رأى الأشجار للمرة الأولى. ورأى مدرسة حقيقية، بعدما كانت بالنسبة إليه مجرد رسوم يشاهدها في الأفلام الكرتونية.

ورغم خروجه من المخيم، لا يزال الخوف يرافق إبراهيم حتى اليوم. ففي مدرسته الحالية بسوريا، لا يريد لأحد أن يعرف أنه جاء من مخيم “الهول”، خشية أن ينظر إليه الآخرون باعتباره “إرهابياً”، بينما يرى نفسه مجرد طفل عاش سنواته الأولى داخل مكان لم يختره يوماً.
ويؤكد أن أكثر ما يتمناه اليوم هو أن يعيش حياة طبيعية؛ أن يدرس، ويكبر بأمان، ويتعرف على أفراد من عائلته حُرم منهم لسنوات طويلة، بينهم جده الذي ينتظر لقاءه لأول مرة خلال عودته المرتقبة إلى أرض الوطن رفقة والدته وشقيقه.
كما يأمل أن ينظر الناس إلى أطفال مخيم “الهول” بوصفهم ضحايا حرب وحرمان، لا وجوها مرتبطة بالعنف والصور النمطية، قبل أن يعود للحديث عن حلمه بأن يصبح طبيب أطفال.
وإذا كانت طفولته قد مرت داخل مخيم مغلق، فإن إبراهيم يأمل أن يقضي المرحلة المقبلة من حياته داخل قاعات الدراسة، وأن يعود إلى المغرب ليعيش حياة تشبه حياة الأطفال الذين كان يراهم فقط عبر الرسوم المتحركة.
طفولة محرومة
بصوت طفولي مرتبك، تحاول الطفلة سكينة (اسم مستعار) استعادة تفاصيل سنوات لم تعرف فيها من العالم سوى الخيام والغبار والخوف.
تقول هذه الطفلة البالغة من العمر ثماني سنوات إن أيامها داخل مخيم “الهول” كانت تتشابه إلى حد كبير؛ تستيقظ صباحاً، تتناول ما يتوفر من الطعام، ثم تقضي وقتها بين الخيمة ومساحات اللعب البسيطة التابعة للمنظمات الإنسانية، قبل أن تعود مجدداً إلى “العزلة والانتظار”.
وأضافت في تصريح لـ”مشاهد24″: “كان نهاري في المخيم يتكرر بنفس التفاصيل؛ أستيقظ صباحاً، أتناول القليل من الطعام، ثم أتنقل بين الخيمة وساحة اللعب، قبل أن أعود للراحة من جديد. كانت الأيام تمر ببطء شديد وكأنها نسخة واحدة لا تتغير”.
واستطردت بعفوية: “أتذكر أنني حين غادرت المخيم اكتشفت أشياء كثيرة لم أكن أعرفها من قبل؛ فالناس والحياة خارج الأسلاك لم يكونوا كما تخيلتهم وأنا صغيرة”.
لم تكن هذه الطفلة المغربية تدرك – وهي التي دخلت المخيم بعمر سنة وشهرين فقط – أن الطفولة يمكن أن تكون مختلفة عن ذلك المكان الذي وصفته بـ”القاسي”، فقد كبرت وهي ترى الأسلاك والوجوه المتعبة حتى صار الأمر بالنسبة إليها أشبه بـ”حياة عادية”، رغم ما كان يكتنفها من “قسوة وحرمان”.

وتتحدث سكينة عن المخيم باعتباره فضاءً ضيقاً، كان الأطفال يحاولون داخله اللعب أو الدراسة في حدود الإمكانات المتاحة، فيما يظل القلق حاضراً في مختلف تفاصيل الحياة اليومية.
وتؤكد أنها كانت تتخيل العالم الخارجي بطريقة مختلفة، لكنها حين خرجت اكتشفت أن الحياة أكبر بكثير مما كانت تعرفه داخل الخيام.
وبين كلماتها البسيطة يبرز حلم طفولي صغير؛ يتمثل في العودة إلى بلدها بشكل نهائي، ومتابعة دراستها وبناء أحلامها.
أمّ خرجت.. وأبناء بقوا خلفها
إذا كان هؤلاء الأطفال يحملون ذكريات الخوف، فإن سهام (اسم مستعار) تحمل شعوراً آخر لا يقل قسوة. شعور الأم التي خرجت من المخيم، بينما بقي اثنان من أبنائها خلفها.
“لم تكن فكرة الهروب من مخيم الهول تراودني في البداية”، تقول سهام وهي أم مغربية لأربعة أطفال، اثنان منهم من الذكور. موضحة أن بقاءها داخل المخيم كان يمنحها قدراً من الاطمئنان على طفليها اللذين كانا محتجزين في مراكز مخصصة للفتيان.
وتشرح أن هذه المراكز، التي تصفها بأنها أشبه بالسجون، يُنقل إليها الأطفال فور بلوغهم سن الثانية عشرة، حيث يُفصلون عن أمهاتهم ويُحتجزون بعيداً عن عائلاتهم.
وتضيف في تصريح لـ”مشاهد24″، أن فكرة الفرار لم تتبلور إلا لاحقاً، بعدما طال الانتظار وتبددت الآمال في إيجاد حل ينهي سنوات المعاناة. وتروي أن خروجها من المخيم تم عبر مراحل متتالية، من منطقة إلى أخرى.
ورغم أن الطريق كان محفوفا بالمخاطر، فإنها تتذكر أيضا المساندة التي تلقتها من سكان محليين تعاطفوا مع أوضاع العائلات المحتجزة، وساهموا في تأمين تنقلهم وإخراجهم من مناطق الخطر.
وتصف هذه السيدة الأربعينية لحظة استعادة الحرية بأنها شعور يصعب التعبير عنه بالكلمات. وتقول بتأثر: “لا يعرف قيمة الحرية إلا من حُرم منها”، مؤكدة أنها وطفلتيها لم يستوعبن في البداية أنهن غادرن المخيم فعلاً.
ثماني سنوات كاملة قضتها سهام داخل مخيم “الهول”، وهي فترة تركت آثاراً عميقة على طفلتيها.
ورغم قسوة السنوات التي أمضتها داخل المخيم، فإن سهام تشكر الله على أن طفلتيها نجتا من دون أن تُصابا بأي أمراض خطيرة. وتؤكد أن ملامح الخوف التي كانت تلازمهما بدأت تتراجع تدريجياً بعد مغادرة المخيم. لكن رحلة المعاناة لم تنته عند هذا الحد، فغياب الوثائق الرسمية ما يزال يضع الأسرة أمام تحديات قانونية وإدارية معقدة، ويؤخر تحقيق حلم العودة إلى المغرب.
وتوضح أن تلف الوثائق القديمة وصعوبة الحصول على شهادات الميلاد يعرقلان جهود العودة، وهو الحلم الذي ما تزال تتمسك به بقوة.
لكن أكثر ما يؤلم هذه الأم المغربية هو مصير ابنيها اللذين فُصلا عنها. فابنها الأكبر انتُزع منها عندما بلغ الرابعة عشرة من عمره، قبل أن يُنقل لاحقاً إلى العراق، بينما اقتيد ابنها الآخر إلى أحد المراكز المخصصة للفتيان في سوريا.

وتستعيد تلك اللحظات بمرارة، قائلة إن الأمر كان بمثابة “صدمة قاسية”، متسائلة عن الذنب الذي اقترفه أطفال دخلوا المخيم صغاراً ليجدوا أنفسهم بعد سنوات مشتتين بين السجون والمراكز.
ورغم كل ما عاشته من فقدان وانتظار، ما تزال سهام تتشبث بالأمل في أن تتمكن يوما من لمّ شمل أسرتها والعودة إلى المغرب، حيث ترى أن بداية حياة جديدة لن تكتمل إلا بعودة ابنيها واستقرار الأسرة بأكملها في وطنها.
وتؤكد أنها تحاول اليوم بناء حياة جديدة لطفلتيها والتأقلم مع واقع مختلف تماماً عن ذلك الذي عشنه داخل المخيم، مشيرة إلى أنهما أبدتا قدرة كبيرة على الاندماج واستعادة جزء من طفولتهما المفقودة، فيما تواصل انتظار الإفراج عن ابنيها واستعادتهما إلى حضن الأسرة.
موقف رسمي.. وإشكالات إدارية وقانونية
لا تمثل هذه الشهادات سوى جزء يسير من عشرات القصص التي حملها الأطفال المغاربة معهم خارج مخيم “الهول”، حيث تتداخل آثار الحرب والحرمان والعزلة مع تحديات جديدة تبرز بعد مغادرة المخيم. فإلى جانب الحاجة إلى الدعم النفسي والاجتماعي وإعادة الإدماج، يواجه عدد من هؤلاء الأطفال وعائلاتهم إشكالات إدارية وقانونية مرتبطة بإثبات الهوية واستصدار الوثائق الرسمية اللازمة للعودة إلى الوطن.
ويظل ملف الأطفال والعائلات المغربية العالقة في باقي المخيمات مثل “الروج” أو الخارجة من مخيم “الهول” محل متابعة من قبل السلطات المغربية.
وحيال ذلك، أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي في تصريح مقتضب لـ”مشاهد24″، أن وزارته تتوفر على معطيات محيّنة بشأن المغاربة الذين غادروا مخيم “الهول”.
وأشار وهبي إلى أنه يتابع هذا الملف بشكل شخصي ويواكب مختلف تطوراته، دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن الإجراءات المرتبطة بعودة الأسر المغربية أو طبيعة التدابير المعتمدة لمعالجة أوضاعهم.
وتأتي تصريحات وزير العدل في سياق نقاش يعود إلى سنوات، ففي عام 2020 كان وهبي، بصفته نائباً برلمانياً وأميناً عاماً لحزب الأصالة والمعاصرة، من أبرز المطالبين بفتح نقاش مؤسساتي حول أوضاع المغاربة العالقين في سوريا والعراق، خاصة النساء والأطفال.
وقد انتُخب وهبي آنذاك رئيساً لـ”المهمة الاستطلاعية البرلمانية الخاصة بالمغاربة العالقين في سوريا والعراق”، والتي استمعت إلى مسؤولين حكوميين وخبراء وعائلات العالقين، كما ناقشت سبل التعامل مع ملف النساء والأطفال الموجودين في المخيمات ومراكز الاحتجاز بشمال شرق سوريا.
وحاول موقع “مشاهد24” الحصول على تعليق من القائم بأعمال السفارة المغربية في سوريا بشأن وضعية الأطفال المغاربة وأمهاتهم الذين غادروا مخيم “الهول”، وذلك عبر مسؤول بالسفارة، غير أن الموقع لم يتلقّ أي رد.

غير أن المتابعين للملف يؤكدون أن التحديات التي تواجه هؤلاء الأطفال والعائلات لا تقتصر على ترتيبات العودة فقط، بل تمتد إلى إشكالات إنسانية وقانونية وإدارية معقدة ما تزال تؤثر على أوضاعهم اليومية.
وفي هذا السياق، يرى ياسين التازي، متابع مغربي لملف عائلات “تنظيم الدولة الإسلامية” في سوريا، ويعمل حالياً مع جهات تابعة للحكومة السورية، أن الأوضاع الإنسانية للأطفال تظل “مأساوية”، خصوصاً على المستوى النفسي، في ظل حرمان عدد كبير منهم من أمهاتهم وذويهم، إضافة إلى ظروف الحرب والنزوح التي عاشوها لسنوات.
وأضاف في تصريح لـ”مشاهد24″، أن عدد الأطفال المغاربة الموجودين هناك يُقدّر بأكثر من 200 طفل، وفق المعطيات المتوفرة، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً منهم، إلى جانب عائلاتهم، يفتقرون إلى وثائق ثبوتية أو هويات رسمية بسبب ظروف الحرب.
وزاد موضحاً أن تنظيم “داعش” الإرهابي كان في بعض الحالات يصادر الوثائق بشكل قسري لمنع السكان من مغادرة مناطق سيطرته، وهو ما انعكس لاحقاً على وضعهم القانوني داخل سوريا، كما عقّد إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.
وأكد المتحدث وجود تنسيق بين أشخاص متابعين للملف المغربي والجهات المعنية في الدولة السورية، بهدف تسوية أوضاع العائلات المغربية وتيسير أمورها الإنسانية والخدمية، لافتاً إلى وجود مراكز تأهيلية تابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية تعمل على التوعية بخطورة التطرف وأفكار تنظيم “داعش”.
وأضاف أن المعطيات المتوفرة لديه لا تشير إلى وجود نساء أو أطفال متأثرين بفكر التنظيم أو حاملين لأفكار متطرفة، بل إن أغلبهم يتبرؤون من ممارسات “داعش” وأفكاره، ويعتبرون أنفسهم ضحايا حرب وظروف دفعت بعض النساء إلى مرافقة أزواجهن، قبل أن يجدن أنفسهن وسط مأساة إنسانية معقدة.
وأبرز المتحدث – والذي يواكب أوضاع العائلات المغربية في سوريا – أن انخراطه في هذا الملف ينبع من اعتبارات إنسانية ووطنية، هدفها المساهمة في تيسير أوضاع الأسر المغربية ومساعدتها على تجاوز الصعوبات التي تواجهها، مع الحرص على عدم استغلال معاناتها أو توظيفها في سياقات قد تسيء إلى صورة المغرب.
كما شدد على أن “السوريين يكنّون تقديراً كبيراً للمغاربة لما قدموه للشعب السوري خلال سنوات الأزمة”، معرباً عن أمله في أن تتعامل السلطات المغربية مع هذا الملف بـ”مقاربة إنسانية تراعي أوضاع العائلات والأطفال”، خاصة أن عدة دول سبق أن أعادت رعاياها وأدمجتهم في مجتمعاتهم دون تسجيل تجاوزات تذكر، مضيفاً أن المغرب بدوره راكم تجارب سابقة في هذا الإطار “ولم تُسجل، إلى حدود الساعة، أي خروقات ممن عادوا إلى أرض الوطن”.
بين صدمة المخيم وتعقيدات العودة
لا تنتهي معاناة أطفال مخيم “الهول” المغاربة بمجرد مغادرة المخيم أو الاقتراب من العودة إلى الوطن. فسنوات الحرب والعزلة تركت آثاراً متفاوتة بحسب سن كل طفل وظروفه وتجربته الشخصية. وبين أطفال وُلدوا داخل المخيم وآخرين دخلوا إليه وهم يحتفظون بذكريات عن حياة سابقة، تتباين مستويات الصدمة وصعوبات الاندماج.
وحيال ذلك، يؤكد الفاعل الحقوقي عبد الفتاح الحيداوي، عضو بـ”التنسيقية الوطنية لعائلات المعتقلين والمحتجزين والمفقودين المغاربة في سوريا والعراق”، أن هذه التجارب خلفت آثاراً نفسية عميقة لدى الأطفال، ظهرت في شكل كوابيس متكررة، وخوف دائم، ونوبات قلق، وصعوبة في النوم، إضافة إلى اضطرابات سلوكية وعاطفية تم توثيقها من خلال النقاشات والمواكبة الميدانية.
وأوضح الحيداوي في تصريح لـ”مشاهد24″، أن المعاناة لا تتوقف عند الجانب النفسي فقط، بل تمتد إلى الجانب التعليمي والاجتماعي. فعدد من الأطفال انقطعوا عن الدراسة لسنوات، وبعضهم بلغ سن العاشرة أو أكثر دون أن يلتحق بمدرسة بشكل منتظم، ما يطرح تحديات حقيقية مرتبطة بإعادة الإدماج والتأهيل. مشيراً إلى أن غموض المستقبل وصعوبة استعادة الإحساس بالأمان والانتماء يزيدان من تعقيد وضعهم.
وبحسبه، يبقى التحدي الأكبر مطروحاً أمام الدولة والمجتمع عند عودة هؤلاء الأطفال إلى المغرب، خاصة في ما يتعلق بكيفية إدماجهم نفسياً وتعليمياً واجتماعياً، وإعادة بناء الثقة بينهم وبين محيطهم، بعيداً عن الوصم والأحكام المسبقة. مؤكداً أن نجاح هذه العملية يتطلب مواكبة نفسية متخصصة، وبرامج تعليمية وتأهيلية تراعي خصوصية تجربتهم، حتى لا يتحولوا إلى ضحايا دائمين لماضٍ لم يختاروه.
وشدد المتحدث على أن “التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمعتقلين بسوريا والعراق” تواصل منذ تأسيسها، العمل بشكل متواصل من أجل إيجاد حل نهائي لهذا الملف الإنساني، عبر التواصل مع مختلف المؤسسات المعنية، خاصة وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، إلى جانب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بهدف تهيئة شروط عودة النساء والأطفال المغاربة إلى أرض الوطن.
وفي هذا الإطار، برز الدور الذي تقوم به مريم زبرون، الكاتبة العامة للتنسيقية، من خلال مواكبة الحالات الإنسانية التي تحتاج إلى تتبع مستمر، والتواصل مع العائلات من أجل استكمال الوثائق والإجراءات الإدارية المطلوبة، إضافة إلى لعب دور حلقة وصل بين الأسر والسلطات المغربية والسفارة واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وبفضل هذه الجهود – يستطرد الحيداوي – تمكنت مجموعة من النساء والأطفال من مغادرة مخيم “الهول” والعودة إلى المغرب، حيث تم إلى حدود اليوم إخراج 53 امرأة، فيما لا يزال العمل متواصلاً لإيجاد حلول لباقي الحالات، خاصة أن عدداً من النساء والأطفال ما يزالون يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة.
وأكد عضو التنسيقية أن مسألة بقاء بعض النساء المغربيات في سوريا أو عودتهن إلى المغرب رفقة أطفالهن تبقى قراراً شخصياً يرتبط بظروف كل أسرة على حدة، غير أن وضعية الأسر الراغبة في العودة مستقبلا تظل رهينة بمدى تحرك السفارة المغربية والجهات المعنية لتسريع معالجة الملفات الإنسانية، خاصة ما يتعلق بإثبات الهوية واستكمال الوثائق الثبوتية وتبسيط مساطر العودة.

معركة الأوراق
تقول “التنسيقية الوطنية لعائلات المعتقلين والمحتجزين والمفقودين المغاربة في سوريا والعراق” إن العقبات الإدارية ما تزال من أكبر التحديات التي تواجه العائلات الراغبة في العودة، وترى أن تسريع معالجة الوثائق، وتعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات، يمثلان شرطاً أساسياً لإنهاء هذا الملف الإنساني.
وأوضح الحيداوي أن عدداً من النساء يواجهن صعوبات كبيرة بسبب التعقيدات الإدارية المرتبطة بالوثائق. قبل أن يستدرك “هناك نساء يضطررن إلى قطع مئات الكيلومترات للوصول إلى السفارة، ليتم إخبارهن في كل مرة بضرورة توفير وثيقة جديدة أو استكمال إجراء إضافي، ما يزيد من معاناتهن المادية والنفسية، خاصة بالنسبة للأسر الهشة”.
ودعت التنسيقية إلى اعتماد خطوات عملية وسريعة لإنقاذ الأطفال والنساء الراغبين في العودة، عبر تبسيط المساطر الإدارية، وتعزيز التنسيق بين السفارة المغربية والسلطات السورية والمؤسسات المعنية، من أجل إحصاء الأطفال والنساء المغاربة الموجودين هناك، والوقوف على أوضاعهم الإنسانية بشكل مباشر، بما يضمن معالجة هذا الملف بروح إنسانية تحفظ كرامة الأطفال وحقهم في العودة والاستقرار.
بين المقاربة الأمنية ورهان الاندماج
وتثير عودة الأطفال المغاربة من مخيم الهول إلى وطنهم تساؤلات بشأن احتمال تعرضهم لمحاولات إعادة التجنيد من قبل تنظيم “داعش”.
غير أن مراقبين يرون أن تنظيم “داعش” فقد، عقب انهيار سيطرته الميدانية في سوريا والعراق، معظم قدراته على الاستقطاب والتجنيد التي تمتع بها خلال سنوات تمدده، وهو ما يقلص إلى حد كبير احتمالات إعادة تجنيد الأطفال العائدين.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الأمني محمد أكضيض، أن هؤلاء الأطفال هم قبل كل شيء “ضحايا حرب وتفكك أسري ونزاع مسلح، وليسوا مسؤولين عن الظروف التي وجدوا أنفسهم فيها”.
ويضيف في تصريح لـ”مشاهد24″، أن السلطات المغربية تدرك حساسية ملف المواطنين الذين غادروا إلى بؤر النزاع، خصوصاً في سوريا والعراق، سواء ممن التحقوا بالتنظيمات المتطرفة بإرادتهم أو بعد تعرضهم للاستقطاب والتغرير.
ويرى المتحدث أن استعادة مؤسسات الدولة السورية تدريجياً لجزء من وظائفها فتحت المجال أمام نقاشات ثنائية بين الرباط ودمشق لمعالجة هذا الملف، في إطار مسار تطوير العلاقات بين البلدين، بما قد يتيح إعادة بعض الأسر المغربية إلى أرض الوطن.
وشدد الخبير الأمني على أن المغرب لا يتخلى عن مواطنيه، ويحرص على تقديم المساعدة لهم متى توفرت الشروط القانونية والأمنية، مع إيلاء عناية خاصة للأطفال والنساء. لكنه يؤكد في المقابل أن أي عملية لإعادتهم تبقى معقدة، وتتطلب تنسيقاً استخباراتياً وأمنياً دقيقاً، إلى جانب تعاون مباشر مع السلطات السورية، مستفيداً من القنوات الدبلوماسية المفتوحة بين الجانبين.
ويضيف أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المغربية تمتلك خبرة واسعة في تدبير هذا النوع من الملفات، الذي ظل مطروحاً منذ سنوات، وأن التحسن الذي تشهده العلاقات المغربية السورية قد يمنح دفعة جديدة لإيجاد حلول عملية لهذا الملف، خاصة في ظل اقتناع عدد من الأسر بأن قرار التوجه إلى بؤر النزاع كان خطأً، وهو ما قد يسهم في تسهيل مسارات المعالجة وإعادة الإدماج.
غير أن تحديات هؤلاء الأطفال لا تقف عند حدود إعادتهم إلى المغرب أو تسوية وضعهم القانوني، بل تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في إعادة إدماجهم داخل المجتمع.
ويرى متابعون وحقوقيون أن هؤلاء الأطفال سيواجهون تحديات تعليمية ونفسية واجتماعية، بدءاً من استئناف الدراسة بعد سنوات من الانقطاع، وصولًا إلى تجاوز آثار الحرب والعيش في المخيمات، وهو ما يضع مؤسسات الرعاية والدعم النفسي أمام مسؤولية كبيرة لضمان اندماجهم بشكل سليم.
وبينما ينتظر عبد الله العودة إلى المغرب لاستئناف دراسته، ويحلم إبراهيم بارتداء الوزرة البيضاء يوماً ما، وتتطلع سكينة إلى دخول مدرسة تشبه تلك التي كانت تراها في الرسوم المتحركة، يبقى الرهان الحقيقي بعد العودة هو قدرة مؤسسات الدولة والمجتمع على تحويل نهاية رحلة اللجوء والنزوح إلى بداية حياة طبيعية. فنجاح هذه التجربة لن يقاس فقط بوصول الأطفال إلى أرض الوطن، بل بمدى اندماجهم في المدرسة والمجتمع، وتجاوزهم آثار سنوات الحرب والمخيمات.
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير