بذور منسية منذ قرون تنبعث من جديد بين أحضان جبال إقليم شفشاون بأنامل نساء قرويات (فيديو وصور)

بين جبال إقليم شفشاون حيث تتعانق القمم مع السحب، نشأت تعاونية “بيو سليم” المتخصصة في إنتاج وتثمين المنتجات الفلاحية، واضعةً استرجاع البذور الأصلية المنسية وتثمينها محوراً أساسياً لعملها.

نساء قرويات من أعمار مختلفة اجتمعن حول هدف واحد: جمع وتثمين بذور أصلية دخلت إلى المغرب قبل أزيد من ستة قرون عبر القوافل التجارية أو مع قدوم الموريسكيين، قبل أن تهمّش لاحقا تحت وطأة التحولات الزراعية وهيمنة البذور الحديثة.

وتحمل منتجات التعاونية، من دقيق حبوب السورغوم والحمص الأسود المعروف محليا بـ”حمص معيزو”، إلى الفاصوليا البنية والزعفران الشوكي المعروف بـ”العصفر” أو “القرطم”، بعداً تاريخياً يتجاوز قيمتها الغذائية.

إحسان حمودان.. حارسة البذور الأصلية

“البذور الأصلية ليست مجرد حبوب تُزرع، بل جذور هوية يجب أن تبقى حيّة من جيل لآخر”. تقول إحسان حمودان، رئيسة تعاونية “بيو سليم” في حديث مع “مشاهد24″، قبل أن تستطرد “رأت التعاونية النور سنة 2019 بمنطقة دار اقوبع جماعة الدردارة إقليم شفشاون؛ وهي ليست مجرد مشروع مدر للدخل، بل تجربة استثنائية غيّرت نظرة النساء لأنفسهن ولدورهن داخل المجتمع”.

وأضافت حمودان، وهي سيدة أربعينية من مواليد المنطقة، أن التعاونية تمتلك بنكاً للبذور الأصلية لبعض البقوليات النادرة، مثل الحمص الأسود والفاصوليا البنية، إلى جانب حبوب السورغوم بنوعيه الأبيض والبني. وأوضحت أن جميع هذه البذور دخلت المغرب في القرن الـ14م عبر القوافل التجارية، وتحديداً من خلال ميناء تارغة، قبل أن تستقر آنذاك في منطقة غمارة بإقليم شفشاون لعدة قرون.

لم تكن حبوب “السورغوم” و”الحمص الأسود” جزءًا من الثقافة الاستهلاكية بإقليم شفشاون. في البداية، كانت تستخدم فقط كعلف للماشية، لكن تداعيات الحرب العالمية الثانية قلبت الموازين. تحكي حمودان: “خلال أواخر الحرب ومع المجاعة التي اجتاحت العالم، اضطر سكان الإقليم إلى تناول السورغوم والحمص الأسود لتلبية حاجاتهم الغذائية؛ ومنذ ذلك الحين، تحوّلت هذه الحبوب إلى عناصر أساسية في موائدنا”.

وبحسب الروايات الشفهية المتداولة في المنطقة، فإنه منذ ذلك الوقت وجد الساكنة منافع عديدة في دقيق حبوب “السورغوم” و”الحمص الأسود” سواء في تغذيتهم أو تغذية ماشيتهم، إلا أن زراعتهما انقرضت في أواخر التسعينيات بسبب انتشار زراعات حديثة مثل القنب الهندي.

شغف رئيسة تعاونية “بيو سليم” بالتغذية المتوسطية وتجربتها الكبيرة في السياحة التضامنية بإقليم شفشاون دفعها إلى تنفيذ فكرة “استثنائية”؛ تتمثل في استرجاع البذور الأصلية لهذه لحبوب من “المطامر” العتيقة بإقليم شفشاون والبيوت القروية المتواجدة في أعالي الجبال، والعمل على إعادة زرعها وتثمينها لما لها من فوائد صحية عديدة وقدرتها على مجابهة التغيرات المناخية.

تقول حمودان: “الفكرة تمخضت عندما عملت في السياحة التضامنية. كنت أفضل المبيت عند الأسر القروية، أو كما نقول بالعامية (كنطلب ضيف الله)، ليس لأنني أفتقر إلى المال، بل لأن شغفي بتغذية الأجداد وثقافة الأكل الصحي دفعني لمجالسة أسر تمتلك أسرار التغذية السليمة”.

وزادت وهي تستعيد شريط البدايات: “كنت أجالس نساءً كبيرات السن، أستمع إلى تجاربهن الغنية وأنبش معهن دفاتر الذاكرة على مائدة الحديث، كما نستحضر الوجبات التقليدية وطريقة تحضيرها. حينها أيقنت أن هذه الحبوب كنز لا مثيل له، ويجب أن تنبعث من جديد”. مؤكدة أن “جمع البذور الأصلية لم يكن بالأمر الهيّن”.

تتنقل إحسان بين الحقول والقرى، تجمع البذور المحلية التي قاومت النسيان، وتوثقها بعناية. كل بذرة تمر بين يديها تحمل حكاية تاريخية، وتجربة عيش متوارثة. داخل التعاونية، تُحفظ البذور وفق معايير دقيقة تضمن استمراريتها وجودتها.

لا تمتلك تعاونية “بيو سليم” وعاءً فلاحياً لزراعة الحبوب المذكورة، ورغم ذلك لم تظل مكتوفة الأيدي، بل قامت بالبحث عن نساء قرويات يمتلكن أراضٍ ويحتجن بشكل ماسّ إلى السيولة والعمل. بعد سنوات من الجهد، أضحت التعاونية تتعامل مع 17 مزارعة، موفّرة لهن البذور الأصلية لمواصلة المشوار وإنتاج كميات هامة من حبوب السورغوم، والحمص الأسود والبني، وأنواع نادرة من الفاصوليا.

وأضافت حمودان، شارحة خصائص البذور الأصلية: “هذه البذور تتميز بالصلابة والقوة، إلى جانب قدرتها على التحكم في التربة ومواجهة التغيرات المناخية”.

السورغوم.. من علف للماشية إلى غذاء أساسي

من بين البذور النادرة التي استطاعت إحسان حمودان أن تعيدها إلى دائرة الضوء من جديد؛ نجد حبوب “السورغوم”، هذه الأخيرة تتميز بقدرتها العالية على التكيّف مع الظروف القاسية، ما يجعلها خيارا استراتيجيا في ظل التغيرات المناخية بالمملكة.

يُزرع “السورغوم” مع اعتدال درجات الحرارة، وتحديداً في شهر أبريل من كل سنة، إذ يستغرق وقت نموه حوالي خمسة أشهر مع الحرص على عدم استعمال الأسمدة الكيماوية.

في شهر شتنبر، تتوجه مزارعات تعاونية “بيو سليم” إلى الحقول لحصده بواسطة المناجل، ثم تُزال بذور السورغوم من قشورها بطريقة تقليدية. تُجفف السنابل أولًا تحت أشعة الشمس، ثم تُفرك باليد أو تُضرب بلطف بعصا، وبعد ذلك تُنخل الحبوب لفصلها عن القشور لتصبح جاهزة للتخزين.

تستخرج تعاونية “بيو سليم” من حبوب السورغوم: الدقيق والكسكس، إضافة إلى مختلف أنواع المعجنات. وتتميز كل هذه المنتجات الطبيعية بكونها خالية من الغلوتين، فضلاً عن قيمتها الغذائية العالية وفوائدها الصحية العديدة.

وأشارت رئيسة التعاونية إلى الأبحاث التي أنجزتها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ببنجرير، والتي أكدت أن حبوب السورغوم تتمتع بقيمة غذائية عالية. كما أبرزت أن التعاونية تعتزم تسليم كمية مهمة من هذه البقوليات، خصوصا الفاصوليا، إلى كلية الزراعة والبيطرة بالرباط، قصد تجديدها وإتاحتها للفلاحين.

ويتميز “السورغوم” أيضاً باحتوائه على بروتينات نباتية، ومعادن مهمة مثل الحديد والمغنيسيوم والفوسفور، إضافة إلى مركبات مضادة للأكسدة تساهم في حماية الخلايا من التلف.

تهافت الأجانب على البذور الأصلية

تجمع مدينة شفشاون توأمة ثقافية وتاريخية مع مدينة بيخير دي لا فرونتيرا (Vejer de la Frontera) الإسبانية. وبمجرد أن يزور أحد المسؤولين عن الجانب الإسباني المدينة الزرقاء، يحلّ ضيفاً على تعاونية “بيو سليم”، حيث يطّلع عن قرب على التجارب المحلية في الحفاظ على البذور الأصيلة وتثمين المنتجات المجالية، وخاصة “الحمص الأسود” لما له من رمزية كبيرة لدى الإسبان.

تقول إحسان “بعد سقوط الأندلس لجأ الموريسكيون إلى مدينة شفشاون حاملين معهم موروثاً حضارياً ومعرفة واسعة ومتقدمة في زراعة الحبوب؛ ومن ضمن الأشياء التي حملوها معهم بذور الحمص الأسود النادر”.

وأردفت المتحدثة، ونظراتها تشع فخرًا واعتزازًا “الإسبان لم يعودوا يتوفرون على البذور الأصلية للحمص الأسود، بينما نحن في إقليم شفشاون نحافظ عليها منذ مئات السنين، بفضل القاعدة الثلاثية القديمة التي تقوم على توزيع الموارد بالتساوي بين الزراعة والتثمين والتسويق، وتوارث البذور جيلًا بعد جيل”.

وزادت رئيسة التعاونية “ذات يوم زارتني مسؤولة عن القطاع الفلاحي بمدينة بيخير دي لا فرونتيرا، وبمجرد أن لمحت الحمص الأسود على الرفوف عانقته بقوة وارتجف صوتها وهي تقول بحسرة والدموع تغالبها: “للأسف لم نعد نتوفر على بذوره الأصلية”.

وإلى جانب الإسبان يزور التعاونية أجانب من بلدان عديدة، حيث يبدون إعجابهم الكبير بأصناف الحبوب النادرة.

في إحدى الجولات السابقة – تحكي إحسان – وقف ضيوف من جنسيات مختلفة مذهولين أمام أصناف الحبوب التقليدية النادرة بإقليم شفشاون، وطلبوا مني تزويدهم بالبذور الأصلية للحفاظ على هذه الأصناف في بلدانهم، غير أنني رفضت ذلك.

وشددت على أن المؤسسات الوطنية المعنية بالزراعة والبحث العلمي هي الأجدر بذلك.

في إحدى زوايا التعاونية، تتراكم أكياس “بلبولة” الشعير على الرفوف، شاهدة بدورها على أصل ضارب في التاريخ منذ ما يزيد على ستة قرون. تقول إحسان “هذا المنتج، الذي يعود أصله إلى أزيد من 600 سنة، لا يزال بدوره يحافظ على حضوره في الحياة اليومية لساكنة إقليم شفشاون”.

وزادت موضحة “السر يكمُن في العادات القديمة، والتي كانت تقضي بأن الرجل عند زواجه وانتقاله إلى بيته الجديد، يأخذ معه حفنة من البذور، رمزا للاستمرار والحفاظ على المحاصيل، لتزرع وتُنقل للأجيال القادمة”.

 

العُصفر.. مداد السلاطين وفوائد خارقة

خلال جولتنا في أروقة تعاونية “بيو سليم”، استوقفنا الزعفران الشوكي، المعروف أيضا بـ”العصفر” أو “القرطم”، وهو نبات نادر ذو تاريخ عريق وقيمة غذائية وصحية عالية. هذا المنتوج الطبيعي يعود اليوم إلى دائرة الاهتمام الزراعي بإقليم شفشاون، بعد سنوات من الاندثار، بفضل مجهودات نساء قرويات أعدن إحياء زراعته.

وتقول إحسان حمودان “دخل الزعفران الشوكي إلى المغرب في القرن الثاني عشر ميلادي، وكان يُستعمل في البداية لصباغة الصوف، كما استُخدم في كتابة رسائل السلاطين، لذلك كان يقال قديما: رسائل من ماء الذهب. وعندما أدركنا قيمته الغذائية، تمت إعادة زراعته من جديد بإقليم شفشاون”.

وأردفت هذه السيدة الأربعينية، وهي تعدد فوائده الصحية، أن العصفر يتميز بثروة غذائية وصحية خارقة، إذ يُستعمل في علاج عدد من المشاكل الصحية، من بينها اضطرابات المسالك البولية، والبنكرياس، وحالات الاكتئاب، كما يساهم في تحسين الرؤية وصحة البشرة.

وبحسب المتحدثة، فقد أُدرج العصفر ضمن قائمة النباتات ذات القيمة المضافة بجامعة محمد السادس بالرباط.

تنمية المرأة القروية

لم يقتصر أثر تعاونية “بيو سليم” على إحياء بذور منسية، بل امتد ليشمل تحسين الوضعين الاقتصادي والاجتماعي لنساء قرويات بإقليم شفشاون، بعدما كنّ إلى وقت قريب يعانين الهشاشة وقلة الموارد، ويخضعن لأعراف حدّت من ولوجهن إلى أنشطة مدرّة للدخل.

اليوم، تتلقى المنخرطات مقابلا عن كل محصول يسلَّم للتعاونية، ما مكن بعضهن من تغطية مصاريف أساسية في منطقة تقل فيها فرص الشغل.

وتؤكد حمودان أن التعاونية أسهمت في تنمية المرأة القروية بإقليم شفشاون، ومكّنتها من الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والتضامني.

تقول فاطمة، وهي مزارعة تشتغل مع التعاونية منذ سنوات في حديث مع “مشاهد24”: “قبل التحاقي بالتعاونية كنت أزرع فقط للاستهلاك العائلي، اليوم أصبحت أعرف أن ما أزرعه له قيمة غذائية وتاريخية تبعث على الفخر”.

بدوره، أثنى أحد ساكنة المنطقة على دور التعاونية في إعادة الاعتبار للبذور التي كادت تختفي، معتبرًا أن ما تقوم به نساء “بيو سليم” اليوم هو امتداد لما كان ينجزه الآباء والأجداد في الحقول.

وأردف في حديث مع مشاهد24: “هد العيالات كيديرو عمل كبير ليهم وللوطن”.

واستفادت التعاونية من دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ووزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، وجهة طنجة تطوان الحسيمة، وهو ما ساهم في تقوية قدراتها الإنتاجية، وتعزيز استمرارية هدفها المتمثل في إحياء بذور منسية.

وبفضل مجهودات نساء قرويات، تُسهم “بيو سليم” سنويا في إنتاج كميات متزايدة من حبوب السورغوم والحمص الأسود والفاصوليا النادرة، والزعفران الشوكي وغيرها من المنتجات، يتم تسويقها في معارض محلية ووطنية ودولية، إضافة إلى طلب متنامٍ من مستهلكين يبحثون عن بدائل طبيعية خالية من الغلوتين؛ إذ عرفت الكميات المسوّقة من دقيق السورغوم والبقوليات النادرة ارتفاعًا تدريجيا، خاصة خلال المعارض الفلاحية والملتقيات الجهوية.

وقد تُوّجت هذه الجهود سنة 2025 بحصول التعاونية على جائزة التميز للمرأة المغربية، اعترافاً بمثابرتها ودورها في إعادة البذور التي شكلت جزءًا من تاريخ المنطقة وهويتها الغذائية.

اقرأ أيضا

شفشاون.. مصرع أربعة أشخاص من أسرة واحدة جراء حريق

أفادت السلطات المحلية بإقليم شفشاون، بأن أربعة أشخاص من أسرة واحدة، لقوا مصرعهم اليوم الخميس، جراء حريق طال منزلهم الكائن بدوار تسميلت، حومة إحسونن، جماعة أونان.

“ختان جماعي” يتحول إلى فاجعة بشفشاون

تعرض مجموعة من الأطفال خضعوا لعملية ختان جماعي بمدينة شفشاون - نظمتها إحدى الجمعيات لفائدة أبناء عشرات الأسر المعوزة - لتعفنات خطيرة، وسط مطالب بفتح تحقيق وإخضاع مثل هذه العمليات للمراقبة الطبية والمتابعة البعدية.

بطل مسلسل الحفرة

بطل مسلسل “الحفرة” يختار المغرب لتصوير عمله الجديد

حل الممثل التركي “أركان كولتشاك كوستنديل”، بطل المسلسل الشهير “الحفرة”، بالمغرب، لتصوير أحدث أعماله الفنية. …