الفنانة المغربية سميرة القادري: البحث في التراث الموسيقي غير كاف

اعتبرت الفنانة السوبرانو سميرة القادري أن البحث في التراث الموسيقي والعمل على صيانته غير كافيين لضمان ديمومته مشددة على ضرورة إخضاع المتن الموسيقي العتيق للدراسة الأكاديمية وإغنائه بالتأليف العلمي.

وقالت السوبرانو، التي تعد واحدة من أبرز الفنانين والباحثين المختصين في الغنائيات التراثية لمنطقة البحر الابيض المتوسط، إن البحث العلمي، على أهميته، غير كاف، إذ يوفر فقط الجانب النظري في مقاربة التراث، بينما يقتضي تسويق هذا المخزون الموسيقي الغنائي توسيع مساحات التأليف الموسيقي الحديث والدراسة الأكاديمية المؤصلة.

وتبدي سميرة القادري، سفيرة الذاكرة الأندلسية، احترامها للطرق التقليدية في أداء هذا الفن التراثي التليد، لكنها تؤمن بأن تجاوز واقع عزوف الشباب عن تذوق هذه النفائس الفنية العتيقة، يقتضي البحث عن سبل تطويرها أكاديميا والاشتغال على الصنائع وصياغتها في قوالب عالمية بأوركسترا عصرية تعزز عالمية هذا التراث وتسوقه على أوسع نطاق.

وتقول في هذا الصدد “أريد أن أقدم هذا الفن بنكهة خاصة يقبل عليها أي شاب بذوق اليوم. هناك أرضية تسمح بالاشتغال عليها والإبداع في صيغ حديثة لا تخل بهويتها الأصلية”.

وتؤكد في هذا السياق أن هذا التوجه التحديثي في مقاربة التراث الموسيقي الأندلسي لا يحمل لأي خدش لهويته التاريخية والحضارية، لاسيما أن التراث الأندلسي يتضمن طبوعا ومقامات خاصة على غرار الايقاع الخماسي الذي يمنح الطابع الخاص للموسيقى الأندلسية، التي تقدمها سميرة بوصفها جسرا رابطا مؤسسا للأشكال الموسيقية الأخرى الاسبانية وكل موسيقى البحر الأبيض المتوسط.

هاجس التوفيق بين القالب التراثي والتجديد الفني ينعكس، حسب الفنانة المغربية، في حرصها، في جميع أعمالها الفنية، على حضور التراث جنبا الى جنب مع أعمال من تأليفها الخاص. تنبش في الذاكرة المنسية، وتعانق روح الموسيقى الأندلسية التي تجدها في جميع الألوان الحية بالفضاء المتوسطي، وتقدم صك الانتساب الشرعي الى قصة مجد موسيقي عريق ومشترك.

أما سر تميز سميرة القادري وصيت تجربتها الذي تجاوز حدود المغرب والفضاء المتوسطي، فيكمن في توخيها للمصداقية الفنية والتاريخية في الاشتغال على المادة التراثية.

فهي تحفر في المصادر التاريخية، تعود الى النصوص والمنمنمات وتآليف المستعربين والباحثين الذين كتبوا في التراث الأندلسي. كما تستمد روح العمل من خيال خلاق ينهل من تراكم مختلف المدارس الموسيقية التي متحت من الموسيقى الاندلسية.

لم يكن طريق تقديم هذه الوصفة الإبداعية التراثية سهلا. تقول سميرة القادري إن بدايات تجربة تقديم هذا الفن لدى الآخر كانت صعبة، ذلك أن “الأوروبيين والإيبيريين لم يكونوا يقرون بأن أجدادنا الأندلسيين هم من أرسوا القواعد الأولى للموسيقى الأوروبية، وأن النوبة الأندلسية هي أصل تطور هذه الموسيقى”.

وقفت سميرة في البداية أمام جمهور لم يتعود سماع الكانتيغا (قصائد مسيحية معروفة في إسبانيا والبرتغال) بآلات عربية. لكن قوة المصادر – تقول السوبرانو- هي التي تعطي المصداقية للعمل. فالرجوع الى المنمنمات والجداريات يؤكد أن هذا التراث ذاكرة مشتركة بين المسلمين واليهود والنصارى. المادة التاريخية للقرون الوسطى (ق 11 و 12 و 13) تفيد بأن الكانتيغا صممت على منوال الموسيقى الأندلسية. وكذلك الغناء التروبادوري نهل من المعين الأندلسي الزاخر.

بعبارة أوضح، تقول سميرة القادري “أريد أن أستفز الآخر بغناء ألوان يعدها من صميم ذاكرته، والحال أنها ذاكرتنا المشتركة… أقول بصوت عال: هذا كنز مشترك ونحن وريثون شرعيون من حقنا الاشتغال عليه، فقط يتعين ارجاعه الى أصوله”.

وتزيد بالقول أن الكانتيغا لم تكن تؤدى بآلات غربية، وها هم يريدون تجريد هذا اللون من بصمات الأندلسي العربي، لكن الاحتكام الى المرجعية العلمية يحسم الجدل لدى العارفين بالتاريخ الموسيقي.

تخلص سميرة القادري الى أن التراث الأندلسي جزء مشرق من ذاكرة فنية غنية يجري فيها نهر الموسيقى المغربية الأصيلة، لكنها تصر على أن هذا الثراء التراثي لم يستغل بعد على النحو الأمثل. إنه مشروع وطني ثقافي مفتوح، يجعل المغرب الأندلسي شريكا في بناء الذاكرة التراثية المشتركة بالحوض المتوسطي.

يذكر أن سميرة القادري برعت في أداء الشعر العربي في قوالب عالمية، وفتحت تجربتها على أوسع آفاق التراث الأندلسي في الفضاء المتوسطي، من خلال أداء النصوص السفاردية، والغناء بالإسبانية العتيقة وأداء قصائد الكانتيغا، فضلا عن أغاني “التروبادور” للشعراء الجوالين جنوب فرنسا، مما يجعلها بحق سفيرة التراث الأندلسي ورمز ذاكرة فنية مشتركة في فضاء متوسطي هبت عليه التيارات المتلاقحة.

 

اقرأ أيضا

الاتحاد الأوروبي: أحداث سبتة كانت ​مدفوعة بشبكات ​تهريب ⁠إجرامية ومعلومات مضللة

أكد الاتحاد الأوروبي أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها سبتة، كانت ​مدفوعة بشبكات ​تهريب ⁠إجرامية ومعلومات مضللة جرى تداولها عبر ⁠وسائل ​التواصل ​الاجتماعي.

الاستقلال يثمن جهود السلطات العمومية في تدبير أحداث سبتة ويدعو إلى استخلاص الدروس

ثمنت اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، الجهود الكبيرة التي بذلتها السلطات العمومية بمختلف مكوناتها، من أجل الحفاظ على الأمن العام وحماية الأشخاص والممتلكات، وتأمين عودة المواطنات والمواطنين من محيط مدينتي سبتة ومليلية، في إطار من التنسيق والتعاون مع نظيرتها الإسبانية، بما يؤكد حرص المملكة على صون الأرواح واحترام التزاماتها الدولية.

زيادة الدعم للمغرب.. المفوضية الأوروبية تقترح حلولا لمنع تدفق المهاجرين عبر الحدود

اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، زيادة الدعم المقدم من الاتحاد الأوروبي للمغرب، لمنع تدفق المهاجرين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *