تحول اسم قرية”مازان” الهادئة في جنوبي فرنسا، إلى أشهر قضية عنف جنسي هزت الرأي العام المحلي والعالم حين وقعت إحدى السيدات ضحية اغتصاب ممنهج من جانب عشرات الغرباء على مدى سنوات طويلة، بتخطيط من زوجها الذي كان يقوم بتخديرها ويستدعي مقترفي الجريمة إلى منزله.
وصدرت مؤخرا مذكرات الضحية، وهي السيدة الفرنسية جيزل بيليكو، في كتاب يحمل عنوانا لافتا هو “وبهجة العيش” أو (et la joie de vivre) لتحقق مبيعات كبيرة في فترة وجيزة مع ترجمتها من الفرنسية إلى 22 لغة.
ورغم بشاعة الحدث، إلا أن المؤلفة استطاعت أن تتجاوز تفاصيله المؤلمة لتخلص في النهاية إلى أن فعل الحياة و”بهجة العيش” هما حقا أقوى من جميع المآسي التي تسعى لتحطيم الإنسان.
كما يثبت الكتاب أنه من الممكن عمليا أن نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وأن نسرد تفاصيل الألم دون أن تصبح خصوصيتنا مادة للنميمة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعل إدانة يملك قوة الردع عبر البوح.
تقول المؤلفة في بداية الكتاب الذي أثار تعاطفا دوليا واسعا: “هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي، لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول، كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ “.
وتضيف: “كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا، كالمشاة على الحبل المشدود، لابد لي من المضي قدماً، أريد بهذا الكتاب أن أعبر بالكلمات عما اجتزته، أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش، أن أقول إنني ما زلت حية”.
ترفض جيزل أن تعيش في دور الضحية، لا تطلب شفقة ولا تقع في فخ رثاء الذات، تعلن عن موقفها بكلمات قوية لا لبس فيها قائلة: “لن يسرقوا حياتي مرة ثانية، أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي”.
لغة الكتاب متقشفة، جافة أحيانا، ترفض أن تتورط في الحزن العميق، لكنها في الوقت ذاته ليست محايدة، فهي تروي تجربة مؤلمة، لكن بقدر عال من الانضابط والكلمات المختارة بعناية.
ينتمي الكتاب إلى ما يُعرف بـ “سرديات شهود العيان” أو “تجارب الضحايا”، وبصرف النظر عن المسمى، فمن المؤكد أن مثل تلك المؤلفات لا تعد قارئها بالراحة، ولا تقدم له عزاء سهلا أو خاتمة تبعث على الطمأنينة، بل تُبقيه أمام سؤال معلق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ .
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير