الرئيسية / وجهات نظر / تطور الأحزاب السياسية في لبنان
8d26dba169645749d8097f7d2b4cc197

تطور الأحزاب السياسية في لبنان

تمهيـد
يمثّل وجود الأحزاب السياسية في لبنان ظاهرة مميزة، قياساً على غيرها من البلدان العربية، فقد رافقت بناء دولته الحديثة، وبعضها سابق على وجودها، واستمرت فاعلة في العهود التي تعاقبت على الحكم فيها، سواء في حالات السلم أو الحرب، بحيث بدا ويبدو للمراقب أن لبنان محكوم بنظام حزبي وأن أحزابه قائدة العملية السياسية فيه.
وقد ناقش باحثون كثر هذه الظاهرة من ضمن حقول معرفية متنوعة ودرسوا قضايا متعددة فيها، كما عملت الأحزاب عليها من ضمن تظهير صورة الذات أو من ضمن تبخيس صورة الآخر فكان كم كبير من الدراسات عنها.
إلا أن التمعن في وجود الأحزاب والمعرفة بها يظهر نقصاً في الإحاطة الشاملة بوجودها وبمعرفة الإطار القانوني الناظم لعملها، كما يظهر ضعفاً في دراسة بناها المجتمعية ومصادر تمويلها وتوجهاتها وأحجامها وطبيعة موقعها في الانتظام السياسي العام (سلطة، وبرلماناً ومجتمعاً مدنياً)، كما يظهر تبايناً في تحديد المقصود بـ”الحزب السياسي”.
لذا يتطلب أي بحث عن تطوّر الأحزاب السياسية في لبنان، طرح التساؤل الأساسي: ماذا نقصد بالأحزاب السياسية؟ ليسهل ولوج البحث بوضوح.
فهل من سمّى نفسه حزباً هو حزب؟ حينها يقتصر البحث على هذه الأحزاب فقط.
وهل من التزم بشروط نموذج الحزب السياسي الحديث من انتساب حر ومبادئ معلنة وتنظيم داخلي هو الحزب؟ وحينذاك تقتصر الدراسة على هذه الأحزاب فقط؛
وهل تعتبر الجماعة، بتنظيم معلن ومبادئ معلنه أم بدونهما، التي تسعى للسلطة، هي حزب سياسي؟ وحينئذٍ تتسع دائرة المنضوين إلى المفهوم لتشمل كل القوى السياسية؟
تفترض الإجابة عن التساؤل مناقشة إشكالية الحزب السياسي نفسه. فأغلب الباحثين السياسيين والسوسيولوجيين يعتبرون الحزب السياسي هو من أعلن مبادئ وصاغ برنامجاً وقام على نظام داخلي. وهو حديث النشأة يعود إلى القرن التاسع عشر عند البعض [1]أو إلى أيام الثورة الأميركية عند البعض الآخر [2]أو إلى أيام الثورة الإنكليزية عند البعض الثالث[3] فهو لصيق بسيادة الرأسمالية وما استتبعها من قيام الدولة الدستورية وحضور الفرد – المواطن[4].
وبذا لا تكون التشكيلات السياسية في المجتمعات غير الرأسمالية أحزاباً سياسية حتى لو سميت بذلك، فهي أحزاباً سابقة للتاريخ. والأحزاب السياسية في لبنان هي نموذج مشابه لأحزاب الأقليات الدينية في أفريقيا وآسيا[5].
إلا أن التمعن في فهم الظاهرة الحزبية يظهر أن الحزب هو جماعة ضمن نصاب سياسي تلتقي حول أفكار ومصالح من أجل المشاركة في السلطة، جزئياً أو كلياً، وتبني فيما بينها علاقات تسهِّل تحقيق الهدف. فهو – بهذا الفهم – يتكون من عناصر يحمل كل منها بعدين، ثابت ومتحول، والعناصر هي: 1- الجماعة في نصاب اجتماعي – سياسي، 2- المبادئ المشتركة، 3- العلاقات الداخلية المنتظمة 4- المصلحة المشتركة و5- استهداف المشاركة في السلطة.
والثابت فيها مرتبط بتكوين النصاب السياسي والأمرة فيه الناجمة عن التفاوت ضمنه والمعززة له، صراعاً وتفاوتاً بين مكونات النصاب وتبلوراته الضرورية، أي أنّ النصاب السياسي – قائم على التفاوت – الذي يتبع صراعاً بين الآمر/ الحاكم/الحاكمين، والمأمورين/المحكومين يتطلب التكتل بين المحكومين، هو تكتلات تبعاً لتكوينهم المتفاوت اجتماعياً واقتصادياً وجغرافياً. من أجل الغلبة والفوز بالأمرة يقابل تكتل الحاكمين من أجل الاحتفاظ بالأمرة والحؤول دون الانقلاب. فيكون وجود الجماعة/التكتل والفكر المشترك والمصلحة واستهداف المشاركة ثابتاً أي كان شكل التكتل وطبيعة المشترك الفكري والمصلحة والسلطة.
والمتحول فيه مرتبط بما أصاب النصاب السياسي من تحولات اقتصادية واجتماعية – سياسية وثقافية بحيث مسّت مكونات الحزب السياسي الأساسية جماعة وفكراً وتنظيماً واستهدافاً، كما أصابت النصاب السياسي نفسه. أي أن كل تحوّل في الاجتماع السياسي يعدّل طبيعة مكونات الحزب لا مكوناته فتتحول الجماعة، كمكون أول، من قبيلة في الدولة القبلية إلى طائفة دينية في الدولة الإمبراطورية إلى جماعة مدنية في الدولة الدستورية، ويتحول الفكر الجامع لها كمكون ثانٍ، من مجد القبيلة وسؤددها إلى المذهب الديني إلى البرنامج السياسي، وهكذا بقية المكونات.
ويعني هذا التمييز قِدَم الظاهرة الحزبية[6] من جهة وتبدل أشكالها بتبدل أشكال الأطر الناظمة للاجتماع السياسي وما عبرت عنه من تحولات خلال تطور أشكالها عبر التاريخ[7].
ويعد الحزب السياسي الذي عرفته المجتمعات الرأسمالية أحد أشكال الظاهرة الحزبية، وقد سبقته أشكال وتلته أشكال أخرى، وإن كان شكلاً مميزاً. فبقدر ما هو مختلف عن الأشكال السابقة، هو مختلف عن الأشكال اللاحقة أيضاً. فالحزب الليبرالي (حزب الكادرات) مختلف عن العصب والطوائف والقبائل كأشكال حزبية سابقة ومختلف عن الحزب الجماهيري والحزب السلطوي الذي عرف لاحقاً.
ويرتدي لحظ التطور في الظاهرة الحزبية أهمية خاصة في البلدان العربية، ومنها لبنان، الذي نمت الأحزاب السياسية الحديثة فيها بفعل الاحتكاك بالمجتمعات الرأسمالية وليس على قاعدتها. فاشتغلت في مجتمعات هجينة يتواكب فيها التقليدي مع الحديث، الزراعي مع الصناعي، الرأسمالي مع الإقطاعي.
وعلى هذه الفرضية يبني البحث عرضه للأحزاب السياسية في لبنان، إذ يعتبر الحزب السياسي هو من أعلن نفسه ذلك ومن بنى وجوده على نصٍّ مكتوب ونظام معلن واستهداف للسلطة، وإن لم يسمِّ نفسه حزباً، ومن توافرت فيه مقومات الحزب: جماعة، فكر جامع، علاقات تنظيمية، استهداف السلطة، وإن لم يصغ فكره نصاً ولم يبنِ علاقاته الداخلية نظاماً داخلياً.
ويعزز هذه الفرضية ثلاثة أمور:
الأمر الأول: عدم تمييز قانون الجمعيات المعمول به بين الجمعية والحزب، لا بل يعطى العلم والخبر للحزب السياسي باسم جمعية حزب وأحياناً باسم جمعية سياسية، أي أن القانون لا يميز بين الحزب السياسي والجمعية السياسية.
الأمر الثاني: إقدام حزبيات تقليدية كثيرة على بناء أحزاب سياسية حديثة وارتداء لبوسها، مثل حزبية آل الأسعد وآل بيضون، والحزبية الجنبلاطية في الأربعينات، وحزبية آل كرامي في الخمسينات، وحزبية آل أرسلان وآل فرنجية في الأيام الراهنة.
الأمر الثالث: عرف لبنان تداخلاً بين الأحزاب المؤسسة حديثاً وحزبيات سياسية تقليدية، قبلية أو طائفية، إن بتعبير “الحديثة” عن هموم ومصالح “التقليدية” أو ببناء علاقة سياسية بينهما. لم تنجُ الأحزاب القاطعة، نظرياً، مع البنى والحزبيات التقليدية من ذلك، إذ فرض الصراع السياسي تقاطعاً وأحياناً تحالفاً بينهما كما حصل إبان الحرب اللبنانية (1975 – 1989) وفي المرحلة الراهنة من تشكيلات تحالفية اتخذت اسم الأحزاب والقوى التقدمية والقومية والإسلامية.
وانطلاقاً من هذا الفهم للحزب السياسي والإدراك لما يمكن أن يصيب البحث في الأحزاب من جزئية وقصور، ستكون هذه الدراسة عن تطور الأحزاب محطة أولية للانطلاق نحو فهم أفضل للأحزاب السياسية، وتتضمن التالي:
عرضاً لنشأة الأحزاب ومراحل تطورها وقد كانت نقطة البدء إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، مع إشارة لما وجد من أحزاب قبله، وقُسِّم تطور الأحزاب في حقبة الانتداب إلى مرحلتين كان الفاصل بينهما تطورات العام 1936، كما قسمت حقبة الاستقلال تبعاً للعهود الرئاسية التي عرفها. وعُرض تصنيف الأحزاب تبعاً للقضايا السياسية الأكثر حضوراً وأهميتها في كل مرحلة. وقد حاول البحث تغطية وجود الأحزاب كلها، أياً كان حجمها وأياً كان الاسم الذي اتخذته.
عرضاً للأدبيات حول الأحزاب السياسية تتناول ما هو منشور وموزع رسمياً وما هو معد أكاديمياً في الجامعات اللبنانية وإن لم ينشر، وبعض المنشور شعبياً. وقسمت الأدبيات تبعاً لمعيار الطبيعة الأكاديمية وتبعاً لدرجة الاهتمام بها.
عرضاً للإطار القانوني لعمل الأحزاب في لبنان، إذ عرض البحث أولاً النصوص الدستورية والقانونية التي ترعى وجود الأحزاب وعملها، ثم عرض هذه النصوص تبعاً لمكونات الحزب: وجوده، عملياته الداخلية، حله، عمله الذهني والشعبي والعنفي.
إثارة ما يمكن أن يستنتج من قضايا في المشهد الحزبي وأهمها: التقييم الكمي لوجود الأحزاب؛ والتوجهات الأيديولوجية السياسية؛ والاستقطابات السياسية؛ والتمثيل البرلماني؛ والعلاقة مع السلطة؛ والعلاقة بالمجتمع المدني والأهلي ومؤسساته؛ والطبيعة المجتمعية للأحزاب؛ والامتدادات الخارجية؛ ومصادر التمويل.
تعدّ هذه المحاولة في دراسة الأحزاب محاولة أولية من ناحيتين: الناحية الأولى، عدم اكتمالها في تناول كل القضايا تناولاً شاملاً ومعمقاً. والناحية الثانية، عدم نهائيتها في إطار التأشير لتطور الأحزاب.
أولاً: نشأة الأحزاب في لبنان وتطورها
مقدمة
وُجِدت الأحزاب في لبنان قبل الإعلان عنه بحدوده الراهنة عام 1920، بل كانت أحد أبرز المساهمين المحليين في هذا الإعلان. وتجلى وجودها بشكلين:
الشكل الأول، حزبية تقليدية بلورها نظام المتصرفية (1860 – 1864)، تمثلت بطوائف دينية تقاسمت الوظائف السياسية والإدارية في المتصرفية ومنافعها، وكانت ثنائية حزبية في كل طائفة تتنافس على هذه المواقع.
الشكل الثاني، حزبية حديثة تبلورت بعد صدور قانون الجمعيات العثماني عام 1909، وكانت كثيرة العدد وسريعة التقلب ومتعددة المنابت والاتجاهات ويمكن إدراجها ضمن اتجاهين رئيسيين:
الاتجاه الأول: معارض للسلطنة العثمانية سواء عبر أحزاب المعارضة التركية وأبرزها حزب الحرية والائتلاف عام 1911، أو عبر أحزاب المعارضة العربية في الداخل (الإخاء العربي – العثماني 1908، المنتدى الأدبي 1909، القحطانية 1909، العهد، العربية الثورية، اليد السوداء، العلم الأخضر، الجامعة العثمانية 1908، النهضة اللبنانية، الإصلاح البيروتية 1913، واللامركزية الإدارية العثماني 1912)، أو أحزاب في الخارج (العربية الفتاة 1909 ومتفرعاته، الاستقلال العربي 1919).
الاتجاه الثاني: مناقض للسلطنة العثمانية وقد غلب عليه المنشأ الخارجي والهوية اللبنانية والبنية الاجتماعية المسيحية وأبرزها: حزب الاتحاد اللبناني عام 1909، جمعية النهضة اللبنانية، الجمعية السورية المركزية، الحزب الديمقراطي، التحالف اللبناني.
وقد تقاطعت الحزبيتان قبيل إعلان لبنان الكبير فكانت الأحزاب المناقضة للسلطنة مع بعض الحزبية التقليدية، وبخاصة المارونية منها ومع أحزاب ناشئة قبيل عام 1919 (اللجنة المركزية السورية، الحزب اللبناني، الحزب الوطني للبنان، الحزب الحر المعتدل) مع لبنان الكبير ومع الانتداب عليه. وكانت الأحزاب المعارضة للسلطنة مع بعض الحزبية التقليدية، وبخاصة السنية منها، ومع أحزاب أسست قبيل ذلك (الحزب الوطني العربي) ضد قيام هذا الكيان وضد الانتداب.
1- الأحزاب في عهد الإنتداب
أ- المرحلة الأولى: 1920-1936
أُعيد اصطفاف هذه الأحزاب، بعد إعلان قيام دولة لبنان الكبير وفرض الانتداب حتى عام 1936، في ضوء قضيتين: الأولى، وجود لبنان نفسه، والثانية، الانتداب الفرنسي، فبرزت الاتجاهات التالية:
(1) الاتجاه الوحدوي والرافض للانتداب
وقد تمثل بحزبي الاستقلال العربي (دمشق) والاتحاد السوري (القاهرة) المؤسسين بشكل رئيسي قبيل عام 1920 وبالحزب الوطني العربي (الأرجنتين) وحزب تحرير سوريا (نيويورك) وحزب استقلال سوريا (تشيلي). وقد شاركت في المؤتمر السوري الفلسطيني عام 1921 المطالب بالاستقلال وبالوحدة وتناغم هذا الاتجاه مع الحزبية التقليدية ذات الطابع الإسلامي بعامة والسني بخاصة. وقد كان هذا الاتجاه، برموزه أكثر من تنظيماته، محركاً للمؤتمرات التي عُقدت إبان المفاصل السياسية في عهد الانتداب. والتي رفضت الإقرار بالكيان وبالانتداب وأبرزها: مؤتمر المقاصد الإسلامية في بيروت عام 1926 بمناسبة إقرار الدستور؛ ومؤتمر الكتلة الوطنية في دمشق 1927؛ ومؤتمر دمشق 1928 بمناسبة انتخاب لجنة تأسيسية لوضع الدستور؛ ومؤتمر الوحدويين في دمشق 1933؛ ومؤتمر الساحل في بيروت 1933؛ ومؤتمر الساحل في بيروت 1936؛ ومؤتمر صيدا 1936؛ ومؤتمر البقاع وراشيا 1936.
وقد عقدت المؤتمرات الثلاث الأخيرة في أجواء مفاوضات عقد معاهدتين مع فرنسا لم تقرّا، إلا أن مفاعيلهما التسووية فعلت فعلها. نحا أصحاب هذا الاتجاه ورموزه بعد قبول قيادة الحركة الوطنية في سوريا بحدود سوريا بدون لبنان، نحو اتجاه التسوية بعد ذلك التاريخ. ما برز في أواخر هذه المرحلة حزبان وحدويان في القضايا التي طرحاها وكانا مميزين في تنظيمهما، وهما:
عصبة العمل القومي عام 1932 المطالبة بسيادة العرب واستقلالهم وبالوحدة العربية، فضلاً عن مقاومة الاستعمار واللاتعاون مع الانتداب ومحاربة العصبيات غير القومية؛ والحزب السوري القومي الاجتماعي (1932 – 1935) المطالب بالوحدة مع سوريا وفصل الدين عن الدولة والعلمانية ورفض الكيان.
(2) الاتجاه الكياني والقابل بالكيان
تمثل بعدة أحزاب نشأت العام نفسه وأبرزها: حزب الترقي اللبناني، حزب الاتحاد الديمقراطي، النادي العربي الماروني، حزب العمل العام في لبنان الكبير، والرابطة اللبنانية، وحركة السباقة ونقابات المزارعين، ومزارعي الدامور وعمال زحلة وعمال الدخان[8]. كما تمثل بأحزاب نشأت إبان إعلان الدستور عام 1926 وهي، حزب العمران، حزب الوحدة الوطنية، حزب الائتلاف. وقد نحت هذه الأحزاب ورموزها باتجاه التسوية بعد وضوح استعداد فرنسا لاستبدال الانتداب بمعاهدة وباستعداد سوريا للقبول بكيان لبنان (مباحثات مشروعي المعاهدة) مع الاستمرار بالتمسك بالكيان.
(3) اتجاه التسوية
وقد مثله في بداية المرحلة حزبان: أولهما، الحزب الوطني اللبناني في مصر عام 1922، الذي تحول بأغلبيته نحو حزب الشبيبة اللبنانية عام 1924، وثانيهما، حزب الشعب عام 1924، وكلاهما معارضان للانتداب ومقرّان، دون إعلان، بالكيان اللبناني. ودعا الأول إلى إصلاحات ليبرالية في النظام، ودعا الثاني إلى إصلاحات اشتراكية، بعد تحوله عام 1925 إلى حزب شيوعي بالاتحاد مع شبيبة سبارتكوس الأرمنية.
كما تمثل هذا الاتجاه بعد إقرار الدستور عام 1924، بحزبين، حزب التقدم اللبناني 1926 وحزب الاستقلال الجمهوري 1931، اللذين أوليا الانقسام الطائفي اهتماماً ملحوظاً مع ميل الأول نحو التعاون مع فرنسا وميل الثاني العربي المنادي بلبنان دولة عربية، لا انضمام إلى أخرى، ومعاداة الصهيونية. كما تمثل هذا الاتجاه أيضاً بجمعية اتحاد الشبيبة الإسلامية 1933 والمجلس القومي الإسلامي اللذين طالبا بحقوق المسلمين، لا بالوحدة مع سوريا.
(4) أحزاب إثنية
وقد نشأت في هذه المرحلة أحزاب بين الأرمن الوافدين إلى لبنان، وهي في الحقيقة أحزاب قديمة بينهم. وأهمها: حزبا الطاشناق والهاشناق، فضلاً عن الرامغافار – ازارجان وشبيبة سبارتكوس التي انضمت إلى الحزب الشيوعي اللبناني.
ب – المرحلة الثانية: 1936 – 1945
غلب على هذه المرحلة الأحزاب التسووية إذا ما أُخِذ معيار المرحلة السابقة: الموقف من الكيان الناشئ والانتداب، إلا أن هذا المعيار خبا بعد مشروعي المعاهدة السوري اللبناني مع فرنسا، وبعد انتظام مؤسسات النظام وإدارته والإغراءات التي قدمها، ليحل محله هوية الكيان وعلاقاته والحصص في نظامه، دون إلغاء كامل لقضيتي المرحلة السابقة. فقامت الاتجاهات التالية:
(1) الاتجاه الوحدوي وتمثل بنوعين من الأحزاب:
النوع الأول، عصبة العمل القومي والحزب القومي السوري الاجتماعي المؤسسان في المرحلة السابقة والفاعلان في هذه المرحلة، والمستمران في رفضهما الانتداب والكيان الناشئ. وقد عبرا عن نخب مثقفة في الطوائف كافة، فضلاً عن الطبقة الوسطى اجتماعياً.
والنوع الثاني، أحزاب التسوية ذات المنبت الإسلامي والمنفتحة على السياسة الإنكليزية في المنطقة. وأبرزها: حزب النداء القومي المطالب باستقلال لبنان والوحدة العربية الذي أدى آل الصلح (الأخوان تقي الدين وكاظم) دوراً رئيسياً فيه، وتعاطف معه رياض الصلح الاستقلالي الجذور والميثاقي التوجه، وكان خير مثل على تقاطع حزبية تقليدية (سنية مدينية) مع حزبية حديثة. ثم حزب النجادة الذي تأسس عام 1937 كردّ على تأسيس حزب الكتائب وهدفه استقلال لبنان والمحافظة على هويته العربية. وحزب الكتلة الدستورية الذي ظهر عام 1936 مطالباً بمعاهدة مع فرنسا وإعادة العمل بالدستور. وكان إحدى الكتلتين الأساسيتين في المجلس النيابي والتف حول بشارة الخوري الكياني المنبت والعربي التوجه وضمّ في صفوفه نواباً من مختلف الطوائف.
(2) الاتجاه الكياني وتمثل في هذه المرحلة بحزبين:
حزب الكتائب اللبنانية عام 1936، الذي رفع الدفاع عن الكيان اللبناني في وجه المطالب السورية والأيديولوجية السورية والعربية هدفاً. وحزب الكتلة الوطنية الذي تأسس كحزبٍ برلماني عام 1935 وتمسك بالكيان اللبناني وبالتحالف مع فرنسا. وكان أحد الكتلتين البرلمانيتين الأساسيتين وضم في صفوفها نواباً من مختلف الطوائف.
(3) اتجاه التسوية وتمثل في هذه المرحلة بحزبين:
الحزب الشيوعي اللبناني الذي لم يولِ قضية الهوية اهتماماً. واكتفى بحقوق العمال ومطالبهم، إلا أنه وبحكم استلام الجبهة الشعبية الحكم في فرنسا، امتدحها ولم يعلن رفض الانتداب، كما في المرحلة السابقة، إبان الحرب الكونية لاعتبارات التحالف السوفياتي مع الحلفاء ضد فرنسا. والحزب الاشتراكي في الشرق الذي أسس كفرع للحزب الاشتراكي الفرنسي عام 1937 إبان حكم الجبهة الشعبية لفرنسا. ولم يعمر طويلاً.
2- الأحزاب بعد الاستقلال
مرت الأحزاب خلال هذه الفترة بتطورات نعرضها تبعاً للعهود التي عرفتها.
أ- الأحزاب في عهد الرئيس بشارة الخوري (1943 – 1952)
حكمت هذه المرحلة قضية الإصلاح السياسي وبناء أجهزة الدولة المستقلة، وتبلور فيها اتجاهان:
الاتجاه الأول، موالٍ للسلطة القائمة وتمثل بشكل رئيسي بالكتلة الدستورية التي أصبح رئيسها رئيساً للجمهورية، فضلاً عن حزب النداء القومي الذي مثّل في المرحلة السابقة العرّاب المسلم للميثاق الوطني ومثل داعمه الأكبر، محلياً، بالمشاركة في الحكم، عبر موقع رئاسة الوزارة، رياض الصلح.
والاتجاه الثاني، معارض للسلطة اتخذ أكثر من شكل مؤسسي:
الشكل الأول: برلماني وعرف بعدة أسماء مثل كتلة الإصلاح عام 1946 وكتلة التحرر الوطني عام 1947 وضمت كل منها زعماء مسلمين (عبد الحميد كرامي، كمال جنبلاط، عمر الداعوق، عمر بيهم) ومسيحيين (الفرد نقاش، هنري فرعون)، فضلاً عن الكتلة الوطنية التي انزاحت عن موقع الصدارة في مواجهة الكتلة الدستورية. وركزت مذكرة الأولى (الإصلاحية) وبرنامج الثانية على نقاط تتعلق بإصلاح النظام السياسي، والجهاز الإداري، والقضاء، فضلاً عن إصلاحات اجتماعية.
الشكل الثاني: حزبي وتمثل بلجنة الأحزاب المؤتلفة (1949 – 1950) وضمت الأحزاب التالية: الاتحاد الجمهوري (المفصولين من الحزب السوري القومي الاجتماعي)، الاتحاد اللبناني (اسم الكتائب الجديد)، الحزب التقدمي الاشتراكي، الغساسنة، الكتلة الوطنية، كتلة التحرر الوطني، وقد اقتصر برنامجها على حل المجلس النيابي وإجراء انتخابات حرة وتأمين الحريات العامة والنزاهة في الحكم. وتمثل أيضاً بالجبهة الاشتراكية الوطنية (1951 – 1952) التي ضمت ثمانية نواب من جبل لبنان وثلاثة أحزاب: التقدمي الاشتراكي والكتلة الوطنية والحزب السوري القومي الاجتماعي. واقتصر برنامجها على: تعزيز الحريات العامة، إلغاء الطائفية السياسية، الحد من سلطة رئيس الجمهورية، استقلال القضاء، إصلاح النظام المالي والتنظيم الاقتصادي والتنظيم الاجتماعي والتربوي، وإقامة السياسة الخارجية على أساس مبادئ هيئة الأمم المتحدة وإقامة علاقات مع سوريا على أساس اتفاقات… تضمن أفضل طريقة للتعاون.
والملاحظ في هذه المرحلة الأمور التالية:
– استخدام التكتلات السياسية السابقة اسم الحزب: الكتلة الدستورية، الكتلة الوطنية، منظمة الكتائب، منظمة النجادة، عصبة العمل القومي؛ ونشوء أحزاب جديدة مثلت حزبيات تقليدية وأبرزها: منظمة الطلائع (حزبية رشيد بيضون) عام 1944، وحزب النهضة (حزبية أحمد الأسعد) عام 1946، حزب التحرير العربي (حزبية آل كرامي) عام 1951، الحزب التقدمي الاشتراكي (كمال جنبلاط) عام 1949. وتميّز الأخير باستمراره وبميزات شخصية مؤسسه وقائده الفكرية والإصلاحية والنازعة لتطوير الحزبية، فكرياًً وتنظيمياً وممارسة. ولم تخرج هذه الأحزاب عن صيغة الميثاق الوطني. وتوزعت ضمن الاتجاهين آنفي الذكر.
– غياب الحزب الشيوعي اللبناني عن العمل البرلماني وعن صيغ التحالف الحزبي بسبب تغير الظرف الدولي من جهة (كان الاتحاد السوفياتي مع الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في محور ضد ألمانيا وإيطاليا إبان الحرب العالمية الثانية وأصبح بعدها رأس محور ضدهم بعد انتهاء الحرب)، وللموقف من قرار تقسيم فلسطين من جهة ثانية، ولما استتبع ذلك من قمع رسمي له من جهة ثالثة، دون أن يعني ذلك غيابه عن العمل النقابي والشعبي.
– غياب عصبة العمل القومي عن العمل البرلماني وعن صيغ التحالف الحزبي بسبب تغير في طبيعته التنظيمية (تحولت من حزب قومي إلى أحزاب قطرية) من جهة، وبسبب قرار التقسيم عام 1947 وقيام إسرائيل وما رافقها من حرب شعبية ورسمية غير فالحة وما تلاها من انقلابات وتمردات من جهة ثانية، الأمر الذي جعل قادتها وكوادرها في مناخ مغاير.
– قيام اتحاد الأحزاب اللبنانية لمكافحة الصهيونية 1945 – 1947 وضمت كل الأحزاب القائمة: النجادة، الكتائب، الشيوعي، عصبة العمل القومي، الكتلة الدستورية، اتحاد الشبيبة الإسلامية، اللجنة القومية، منظمة الغساسنة، عصبة مكافحة النازية والفاشية، المؤتمر الوطني، الاتحاد القومي، منظمة الطلائع، فضلاً عن الصحافة اللبنانية واتحاد نقابات العمال، وأخيراً، ازدياد فعالية الثنائية الحزبية التقليدية في كل طائفة ومنطقة.
ب- الأحزاب في عهد الرئيس كميل شمعون (1952 – 1958)
شكل عهد الرئيس كميل شمعون مرحلة جديدة في تطور الأحزاب السياسية وكان الموقف من القضايا العربية وسياسة العهد الخارجية قضيتا الصراع الأساسيتين، دون إهمال القضايا الداخلية. وتبلور اتجاهان أساسيان:
اتجاه مؤيد للعهد وبخاصة سياسته الخارجية المتعاونة مع المعسكر الغربي، وتمثل بحزب الكتائب والكتلة الوطنية والحزب السوري القومي الاجتماعي (بعد عام 1955)، فضلاً عن حزبيات تقليدية في كل منطقة وطائفة، واتجاه معارض للعهد وتمثل في المرحلة الأولى بمن تبقى من الجبهة الاشتراكية الوطنية التي أصبح اسمها في عام 1953، الجبهة الاشتراكية الشعبية واقتصرت على الحزب التقدمي الاشتراكي، وحزب النداء القومي بعد انسحاب الكتلة الوطنية والحزب السوري القومي الاجتماعي منها. إلا أن التمثيل الأبرز لهذا الاتجاه المعارض تحقق في إطارين:
الإطار الأول: مؤتمر الأحزاب الذي بدأ في إطار نصرة الشعب العربي في مراكش عام 1953 وفي سوريا عام 1954 وتحول في العام نفسه ومطلع العام التالي، إلى قضايا داخلية (إلغاء الطائفية السياسية، إجراء إحصاء عام، الوحدة الاقتصادية بين لبنان وسوريا والمحافظة على واقع لبنان العربي ومكافحة التيارات الاستعمارية. واستوى عام 1955 ناقداً للحلف العراقي التركي وداعياً لرفض الدخول فيه ومؤيداً لمصر في معارك قناة السويس عام 1956.
وضم المؤتمر في البدء: الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب النداء القومي والهيئة الوطنية والجبهة