الرئيسية / وجهات نظر / “المعارضات” والسلطة: هل هو نفس النسيج ونفس المنهج؟
cbcf33fe52b34a1812fbfe437b8d8bee

“المعارضات” والسلطة: هل هو نفس النسيج ونفس المنهج؟

تُطرح في الأيام الأخيرة مسألة بروز تشكلات جديدة للمعارضة أو (معارضات) في محاولة للخروج من الحالة الستاتيكية التي نتجت عن الانتخابات الأخيرة. السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هل ستقدم هذه المعارضات حلولها بنفس نسيج السلطة مستخدمة نفس النهج والوسائل التي اتبعتها هذه الأخيرة من قبل؟ أم ستعتمد منهجا مغايرا بنسيج بشري مخالف يمكنها بالفعل من أن تحولنا إلى ديناميكية جديدة؟ وما هو البديل في حالة فشلها في إيجاد حلول لنا كما فشلت السلطة؟
هناك سيناريوهان للمعارضة بأشكالها المختلفة، إما أن تكون معارضة تعتمد نفس أساليب السلطة التي تعارضها لأجل بلوغ نتائج مختلفة في الشكل وليس في المضمون، أو تعتمد وسائل مخالفة لأجل إيجاد حل يندرج بحق ضمن منظور مستقبلي لجزائر الغد ويمتلك مقومات الرؤية الكافية التي تمكن بلادنا من أن تُحَوِّل مسار تطورها في المضمون قبل الشكل أي من النزول إلى أسفل إلى الصعود نحو الأعلى.
متغيرات السيناريو الأول واضحة ويمكنها أن تؤكد وقوعه بنسبة عالية، وتتجلى من خلال تحليل الهدف من المعارضة: هل هو القيام بتغيير استراتيجي في مسار البلاد أم احتلال مكان السلطة الحاكمة الحالية ومواصلة مهامها بمجموعات بشرية مختلفة؟ ونعني بذلك أنه إذا كان من أهداف المعارضة هو الحلول محل السلطة الحالية مع تغيير أشخاص بأشخاص دون تغيير أهداف محدودة باستراتيجيات جديدة، فإننا سنرى المتغيرات جلية من خلال التركيبة البشرية لهذه المعارضة في شكل غالبية من المسؤولين السابقين كالوزراء والسفراء والولاة والمتقاعدين ورجال المال والأعمال الباحثين عن أسواق جديدة، أو في شكل سياسيين سبق وأن تقلدوا مناصب باسم أحزابهم في أعلى مستويات الحكم ثم فقدوها لهذا السبب أو ذاك، وإلى جانب هؤلاء وهؤلاء مجموعات أخرى متنوعة قد توضع كديكور للتمويه أو كجنود للتنفيذ والعمل بأجر أحيانا وبوعود كاذبة في كثير من الأحيان…
أما متغيرات السيناريو الثاني فهي خفية أكثر وتقلل من احتمال وقوعه بنسبة عالية، وهي تتجلى من خلال معرفة ما إذا كان هدف المعارضة هو إيجاد حل ضمن رؤية مستقبلية واضحة لا يهمها تغيير الأشخاص  أو استعادة المواقع بقدر ما يهمها تغيير الأهداف والاستراتيجيات، ويمكن رؤيتها هي الأخرى من خلال التركيبة البشرية لهذه المعارضة: وجوه جديدة في القيادة بدل “النخبة” التقليدية وكفاءات ميدانية بدل تلك الأسماء اللامعة بذلك العنوان السابق الذي حملته لفترة من الفترات، والأهم من ذلك وجوه شابة لم يسبق لها تقلد المسؤوليات السياسية ولا احتلت مواقع مرموقة في السلطة ثم أبعدت عنها لهذا السبب أو ذاك…
فماذا نرى نحن؟
يبدو أن متغيرات السيناريو الأول هي الأكثر وضوحا  لحد الآن حيث أن من يقود المعارضة اليوم ليست الفئات الشابة أو القوى الجديدة التي لم يسبق لها تقلد مسؤوليات سياسية أو إدارية… نظرة أولية من الداخل تبين ذلك، نسبة الوجوه القديمة والسياسيين أحيانا حتى المغمورين عالية، أما الوجوه الجديدة فهي في الغالب في الصفوف الخلفية أو خارج دائرة القرار. مما يعني أن الأقرب للاحتمال أن المعارضة بالشكل الحالي إنما ستحل محل السلطة لاستعادة مواقع سابقة أو أخذ حصتها من الغنيمة قبل أن تَنفذ، لا يهمها  من وما سيأتي بعد ذلك، وهل سيتم وضع الجزائر ضمن السكة الصحيحة نحو المستقبل أو تبقى تسير في أكثر الطرق التواء وصعوبة. وهذا يعني أن الشعار الذي ترفعه المعارضات اليوم سواء في السيناريو الأول الأكثر واقعية أو في السيناريو الثاني الأكثر مثالية، غير قائم على أسس صحيحة، حتى وإن كانت نية بعض القياديين صادقة في أنهم يحملون مشروع التغيير الحقيقي، ويعتقدون أنهم يشتغلون من أجله. ذلك أن النية شيء وحقائق الميدان شيء آخر.  إذ لا يمكن الزعم بإيجاد بديل حقيقي للسلطة الحالية بنفس رجالها السابقين حتى ممن عارضوها لسبب أو آخر، باعتبار أن إمكانية العودة إلى ممارسات العهود السابقة تبقى واردة وأحيانا قد تكون أشد من تلك الممارسات السابقة.
ما الحل في هذه الحالة إذا كانت المعارضات بشكلها الحالي لا تقدم لنا الإجابات الكافية عن مشروعنا المستقبلي؟ وما الذي ينبغي القيام به ضمن رؤية استشرافية بعيدة المدى؟
يبدو لي أننا نملك أربعة بدائل:
ـ إما أن تستمر السلطة الحالية في العمل وفق أجندتها الخاصة في شكل سيناريو هروب إلى الأمام يؤجل التناحر إلى حين ولكن لا يلغيه ويمكنه أن ينفجر في أية لحظة سواء أكان انفجارا سياسيا أو اقتصاديا أو أمنيا.
ـ أو تستمر المعارضات الحالية بتركيبتها في السيناريو الأول في العمل، (باعتبار السيناريو الثاني أقل حظا في التحول إلى واقع)، فيدفع ذلك باتجاه اتساع الشرخ بينها والسلطة ويترجم هو الآخر في شكل مشاهد مستقبلية تناحرية تتطور نحو الأسوأ على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية….
ـ أو أن كل المعارضات الحالية ستضطر  لإيجاد أرضية مشتركة مع السلطة القائمة من خلال تنازلات متبادلة وهذا سيمنحنا استقرارا نسبيا مؤقتا، ولكنه لا يعجل بتصحيح الاختلالات ولا بانتقالنا إلى دينامكية تقدمٍ جديدة، بل سيؤجل فقط الصراعات التناحرية المقبلة إلى حين.
ـ أو أن تبرز قوى جديدة من المجتمع المدني بمشروع مستقبلي متكامل تدافع عنه إلى أن يتحقق ولو بعد فترة، وهذا يتطلب عملا نوعيا لنخبة نوعية ممتدة الجذور في العمق الشعبي إلا أنه سيكون عملا محروما من عامل الوقت باعتبار وتيرة تسارع البدائل السابقة أقوى وبإمكانها أن تجهضه بما تملك من وسائل ترهيب وترغيب..
يبدو لي أن البديلين الأخيرين هما الأكثر واقعية اليوم، حيث بإمكانهما أن يسيرا معا جنبا إلى جنب إلى حين انتصار البديل الرابع إذا كنا نملك قدرا من الرؤية نحو المستقبل.
  نبدأ بأن تعترف المعارضات بمختلف أشكالها أنها  غير قادرة على التغيير لوحدها (لأن أغلب مكوناتها البشرية هي نتاج السلطة القائمة ومازالت تتحرك أحيانا بنفس ردود الفعل وبنفس منهجية تحقيق الغايات الخاصة قبل العامة)، وتجد الحلول المشتركة مع السلطة لكي نتجاوز هذه المرحلة الصعبة بسلام ولا ندخل في متاهة النزاعات التي لا نعرف نهايتها. وتقبل السلطة من جهتها هذا الطرح باعتبار أن استمرارها في الإصرار على قيادة الجميع بمفردها إنما هو إصرار على قيادة البلاد نحو الهاوية.
في هذه الأثناء تتم صياغة المشروع المستقبلي للدولة من قبل القوى الصاعدة من الأجيال الشابة خارج نطاق أسلوب عمل كل من السلطة والمعارضة ويتم تقديمه في شكل خيار ثالث للشعب الجزائري ضمن استحقاق انتخابي قادم حقيقي ونزيه ترمز له قيادة جديدة لم تنتم يوما لا للمعارضات ولا للسلطة وتكون هي أمل الجزائر في أن تتجنب أسوأ البدائل التي تنتظرها نتيجة هذا الاستقطاب الذي تعرفه اليوم ونتيجة هذا الأسلوب في إدارة أزمة في القرن الحادي والعشرين بوسائل هي أحيانا من أساليب ما قبل القرن العشرين.
“الشروق” الجزائرية