الرئيسية / وجهات نظر / غرداية: أزمة النظام الجزائري
محمد بن امحمد العلوي

غرداية: أزمة النظام الجزائري

غرداية تعود للمشهد ثانية، والصراع المذهبي والعرقي لازال مستعرا إلى الآن ولو بدرجات متفاوتة. لم تسمح اللعبة السياسية داخل الجزائر بحل سياسي سلمي للصراع الدائر بتلك المنطقة من الجنوب الشرقي للجزائر.
بكلمة صادقة لم تُرِدِ الدائرة الضيقة من صانعي القرار هناك إيجاد حل جذري للمشكلة بين سكان تلك المنطقة.
فالصراع في منطقة غرداية، الذي خلف العشرات من القتلى والجرحى، من الممكن أن ينتقل غدا إلى ورقلة. وهو صراع لن يخدم سوى مصالح الأقلية الأوليغارشية ومحسوبيها.
أحداث غرداية هي البعبع الذي تخوّف به المؤسسة العسكرية كافة الجزائريين. فالحرب الخفية التي تدور رحاها على السلطة، والتي احتدمت منذ شلل الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، هي الوجه الآخر القبيح لما يحدث في غرداية.
غرداية أصبحت ثكنة عسكرية يسيرها اللواء شريف عبدالرزاق، منذ أن عينه بوتفليقة في العام 2005. وتدخل الجيش في أحداث غرداية كان مبيتا منذ العام 2014 خدمة لأهداف سياسية وعسكرية بعيدة المدى داخل الجزائر وخارجها، رغم أن وسائل الجيش القتالية لا تتناسب مع الوضع هناك.
وبهذه المناسبة نستحضر تصريح عمار سعداني، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، الذي أكد فيه أنه “قد اعتدنا تبادل التهاني بين الحزب والمؤسسة العسكرية في كل المناسبات والنجاحات”. وهذا تعبير صريح على تحالف لا نهائي بين الحزب الحاكم والمؤسسة العسكرية في الأهداف الكبرى، والاختلافات تكون فقط في التفاصيل التي لا تلغي هيمنة المؤسسة العسكرية على الوضع.
وعبثا يقول عمار سعداني على رئيسه عبدالعزيز بوتفليقة إنه ينوي إكمال عهدته “من أجل إتمام بناء دولة متوازنة بمنأى عن الانقلابات”، فعن أي دولة يتحدث طبال الرئيس، يريد بوتفليقة إتمام بنائها وهو على كرسي لا يقدر حتى على التلويح بيديه، فالأحرى أن يؤشر على إصلاحات. إنها دولة الفساد والعدالة الغائبة والحكامة المفقودة.
كيف يعقل أن غرداية تشتعل وأحمد أويحي، الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، لا زال غارقا في الدفاع عن عبدالعزيز بوتفليقة وعائلته مما اعتبره إشاعات تشوههم تطالهم وتهيج الشارع ضدهم. والعالم يعرف ضلوع السعيد بوتفليقة الحاكم من وراء الستار، في الكثير من عمليات الفساد السياسي والاقتصادي.
الكثير من القتلى والجرحى في غرداية منذ اندلاع الأحداث في العام 2013 إلى حد الآن لأسباب تافهة، لم تشفع للشعب الجزائري عند جلاديه من السياسيين المتآمرين مع طغمة عسكرية تتفنن في عسكرة المجتمع والمؤسسات تحت ذريعة الحفاظ على الأمن.
لا يريد أويحي أي انتقاد أو معارضة، فكل من يعارض فهو متهم “بالغلو والتعصب في السياسة، غير آبه بما حدث من فوضى وإرهاب خلال العشرية السوداء”.
أويحي، في ما صرح به، يكذب على نفسه ويزور الوقائع، عندما يقول إن الجزائر تعيش تحت نظام جمهوري وديمقراطي، ويرمي الحق بالباطل عندما يؤكد جازما أن رئيسه بوتفليقة يسيّر البلاد، وأن “الجزائريين لم يكونوا بحاجة إلى الرئيس الفرنسي ليخبرهم أن رئيسهم بخير”.
وفي تحد سافر أبدى استعداده لمناظرة أي معارض أو خبير، يشكك في أن الأموال المرصودة لبرامج التنمية التي استهلكت 650 مليار دولار ضاعت أو نهبت، متناسيا أن أكثر من هذا الرقم كانت وجهته عكس طريق تنمية البلاد.
أويحي لا يريد أن يذكر حقيقة بلاده الجزائر المصنفة من بين 6 دول الأكثر شراء للسلاح الحربي بناء على عقود وقعت في يونيو 2013. والدليل على ذلك هو البنية التحية المتهالكة على كافة المستويات، إلى درجة جعلت شركة “بوجو ستروين” تتأفف من الاستثمار في تلك البيئة.
من يسيرون دفة الحكم في الجزائر لا يريدون ترك مراكزهم وامتيازاتهم ولو على جثث الجزائريين، وعلى حساب أمنهم واستقرارهم. الأزمة في غرداية نموذج مصغر لما يستطيعه النظام بخلق البلبلة وإذكاء الحروب بين أبناء البلد الواحد خدمة لبقائه.
بدورها جاءت الرسالة التي قيل أن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وجهها للشعب بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لاندلاع الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، لتلهي المواطنين عن مشاكلهم بخلق صراع وهمي بين المعارضة والموالاة، حول مضامين رسالة فارغة من مشاريع تنموية وآمال في غد أحسن.
الرسالة التي خرجت من قصر المرادية تعطي الانطباع بأن من يتحكمون في الوضع الجزائري لا يبدو أنهم غيروا من أساليبهم ومنطق تدبيرهم المتهافت للجزائر اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.
كتبوا على لسان عبدالعزيز بوتفليقة أنه لن يرحل وسيبقى حتى يكمل ولايته. لا انتخابات رئاسية مسبقة، وهم مرتاحون لمجلس الأمة الحالي ولن يستطيع أحد المساس بالمؤسسات. والدستور الذي يؤكدون أنه في المراحل النهائية هو أيضا سيكون على مقاس مؤسساتهم الحالية ولن يأتي بجديد.
الذين لا يعترفون للرئيس بوتفليقة بالشرعية، يجابههم عبدالقادر بن صالح رئيس مجلس الأمة، بالوضع الأمني على الحدود وتراجع أسعار النفط واستمرار الأزمة الاقتصادية. بقول واضح فالمؤسسة العسكرية مستعدة لإدخال البلاد في عشرية أخرى دامية، مثل تلك التي أعقبت فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في التسعينات من القرن الماضي، عندما كانت الكلمة النهائية للرصاص والتفجيرات.
شدد عبدالقادر بن صالح، على شاكلة صديقه أويحي، على ضرورة العمل على إبقاء مؤسسات الجمهورية ورموزها بعيدة عن الجدل السياسوي غير المؤسس. إنها دعوة بالجهر إلى غلق الأفواه وستر عيوب مؤسسات الرئاسة والعسكر والسياسة والإعلام.
ما حدث، ومازال يحدث، في غرداية متعمد ولا يمكننا التركيز فقط على أسباب عرقية ومذهبية، كونها فروقا حقيقية ركب عليها أشخاص يتاجرون بأمن واستقرار المواطن الجزائري. هؤلاء تجار الحروب لا يتورعون في زرع فتنة يكون حطبها الجزائريين أنفسهم، خدمة لتجارتهم وكسبهم.
أحداث غرداية كشفت عن إفلاس المؤسستين العسكرية والأمنية الجزائريتين، وضعف الطبقة السياسية والأحزاب المتهالكة، وجشع رجال المال والأعمال. والضحية هو المواطن الجزائري بصرف النظر عن عرقه أو ديانته أو مذهبه.

*كاتب مغربي/”العرب”