الرئيسية / وجهات نظر / حركة النهضة بين توازنات الداخل والتحولات الإقليمية
26b90ed750a66fcf594486f0628c1fa0

حركة النهضة بين توازنات الداخل والتحولات الإقليمية

من خصائص المنطقة العربية أن جغرافيتها، والتاريخ المشترك لشعوبها، جعلا حجم التفاعل الجدلي بين مكوناتها كبيراً وسريعاً. ويتجلى هذا الأمر بوضوح في تونس، البلد الصغير والمفتوح على محيطه، وزادته هشاشته السياسية والاقتصادية الراهنة قابليةً أكثر للتفاعل، والتأثر بما يجري حوله، مهما بعدت المسافات. ويمكن اعتبار حركة النهضة مثالاً على هذه الكيمياء السياسية، لأنها في اللحظة التي توفرت فيها لها فرصة الصعود، ولعب دور محوري في تونس، توالت أحداثٌ إقليميةٌ، فرضت عليها اللجوءَ إلى تغييراتٍ مهمةٍ، ومؤلمة، أحياناً، في التكتيك والاستراتيجية.
عندما حصلت الحركة على أكبر عدد من المقاعد في المجلس الوطني التأسيسي، أحدث ذلك صدمةً قويةً داخل البلاد وخارجها. واعتبر هذا الانتصار النسبي في تلك الظروف، التي أحاطت بنهاية سنة 2011، مؤشراً قوياً على أن عهد الإسلاميين قد بدأ. وكما أثرت الثورة التونسية في مصر وليبيا، حين سرّعت في نقل “العدوى الثورية” إليهما، أثرت انتخاباتها أيضا في البلدين، إضافة إلى المغرب، وذلك بتوفير الفرصة للإسلاميين لتذوق “حلاوة السلطة”، لأول مرة في هذه الدول المهمة والحساسة. عمَّت الفرحة صفوف أنصارهم، وبدأ الحديث عن قرب عودة “الخلافة الإسلامية”، وهو شعور عمَّ كثيرين، وفتح الباب لارتكاب أخطاء قاتلة.
راهنت حركة النهضة كثيراً، مثل معظم الأحزاب التونسية، على ليبيا، باعتبارها دولة جارة، ذات ثروة نفطية ضخمة، وستكون، بالتأكيد، في حاجة إلى اليد العاملة والخبرات. وسيساعد على تحقيق ذلك الدور الداعم والحيوي الذي قام به التونسيون في أثناء ثورة الليبيين ضد نظام القذافي، إلى جانب الموقع المؤثر الذي أصبح يحتله الإسلاميون في البرلمان والحكومة في ليبيا. لكن، سرعان ما تحول الرهان إلى معضلة، حين لعب الموروث دوره في اتجاهٍ مخالفٍ التوقعات. فليبيا، اليوم، تواجه أزمة ضخمةً، ومركبةً، نتيجة عجز القوى الجديدة عن بناء الدولة البديلة. لم يتمكن “الإخوان المسلمون”، أو غيرهم، من السيطرة على ظاهرة انتشار السلاح، أَو إسكات الأصوات المهددة بالانفصال، مما انعكس بشكل خطير على تونس التي وجدت نفسها تعاني من تنامي ظاهرة الإرهاب المستفيد من الأوضاع غير المستقرة في ليبيا. وأصبح الاقتصاد التونسي أكثر هشاشةً، بسبب موجة التهريب التي تفاقمت بشكل واسع، حتى أصبحت في مقدمة أولويات الحكومات المتعاقبة.
وحاولت حركة النهضة، في بداية عودتها إلى الساحة الوطنية، أن تؤثر في الساحة الجزائرية، حتى أن رئيسها كان يتوقع فوزاً عريضا للإسلاميين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إلا أن النتائج جاءت معاكسةً تماما، كما كان رد فعل المسؤولين الجزائريين قوياً وحاداً، مما جعل النهضة تنتبه إلى أن الجزائر خط أحمر. وتضخمت الظاهرة الإرهابية في تونس، لتجعل من النظام الجزائري حليفاً للترويكا التي كانت تقودها حركة النهضة، ويصبح، بناءً عليه، الأصل في الدبلوماسية التونسية العريقة عدم التدخل في شؤون الغير.
عندما انتصر “الإخوان” في مصر، وتربع أحد قادتهم على عرش الرئاسة، اهتزت أفئدة حلفائهم في تونس، الذين رأوا في ذلك تأكيداً لفرضية التحول في ميزان القوى الإقليمي لصالح حركات الإسلام السياسي. واستعملت هذه الورقة بكثافة، حتى أن زعيم “النهضة”، الشيخ راشد الغنوشي، بشَّر خصومه السياسيين بأن الإسلاميين باقون في الحكم خمسين عاماً أخرى على الأقل. لكن، سرعان ما بدأت الغيوم تتكثف في سماء مصر، وفي أيام معدوداتٍ، اهتزت الأرض بمن فوقها، ووجد “الإخوان المسلمون” أنفسهم في محنةٍ جديدةٍ، لا يعلم إلا الله كم ستطول. أخطأوا الحساب، وتبين أن خبرتهم في المجال السياسي لا تزال ضعيفة.
في المقابل، تلقت حركة النهضة رجع الصدى. صحيح أنها ساندت “الإخوان”، ونددت بالعسكر، لكن قيادتها، ممثلة بالخصوص في رئيسها الغنوشي، اعتبرت الحدث المصري رسالةً موجهةً، أيضاً، للحركة الإسلامية التونسية، إذ بقطع النظر عن تقييم الحالة المصرية، فإن حركة النهضة غير مستعدة لتتحمل أعباء صراع “الإخوان”، وليس في صالحها، أو في صالح تونس، أن تدخل في مواجهةٍ مع النظام المصري الجديد، المدعوم من دول مؤثرة جداً، مثل السعودية والإمارات.
وراقبت الحركة التفاعلات الدولية، فأدركت أن المحاور الرئيسية في الغرب غير موثوق فيها، وأن المصالح هي المحددة، وأن الصداقات الوقتية ليست ذات أولوية في السياسات العالمية. وبناءً عليه، وإلى جانب الأطراف المحلية المعارضة التي استثمرت الحدث المصري، لترفع درجات الضغط إلى الأقصى، قررت حركة النهضة مراجعة حساباتها، بالتخلي عن الحكومة، وتسريع عملية التوافق بشأن الدستور، والشروع في تحقيق مصالحة مع الخصوم السياسيين، والتوجه إلى واشنطن لاستثمار اللحظة التاريخية، التي مرت بها تونس، والعمل على تقديم صورةٍ إيجابيةٍ عن الحركة، باعتبارها الطرف الذي ضحّى من أجل إنجاح التجربة الديمقراطية. وهكذا استوعبت “النهضة” الدرس، وأدركت أن السياسة تحكمها معادلة معقدة، جزءٌ منها له صلة بالداخل، وجزءٌ آخر مرتبط بالتحولات الإقليمية والدولية. ومن لا يحسن قراءة الجغرافيا والتاريخ، لن يستطيع التحكم في توازنات الداخل.     
“العربي” الجديد