الرئيسية / وجهات نظر / الحج إلى ضريح بورقيبة
f58a2c3db8ae4635490262c0d46e8c26

الحج إلى ضريح بورقيبة

عاماً بعد آخر، ومنذ سقوط نظام زين العابدين بن علي، تزداد حفاوة التونسيين بذكرى رحيل الحبيب بورقيبة الذي قاد الحركة الوطنية التونسية نحو الاستقلال وبناء الدولة، وهي المعركة التي سماها «الجهاد الأكبر».
وتحولت مدينة المنستير، حيث يرقد جثمان «الزعيم» الذي أعد قبره بنفسه قبل رحيله بسنوات في ما يعرف بـ«روضة آل بورقيبة»، إلى محج للتونسيين الذين يتوافدون من كل البلاد لزيارة الضريح. وبمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لوفاة «المجاهد الأكبر» كما يلقبه التونسيون (3 آب١٩٠٣ – ٦نيسان ٢٠٠٠)، أحيا التونسيون الذكرى بزيارة ضريح «سي الحبيب» بأعداد كبيرة من كل أنحاء البلاد، تقدمهم عدد من السياسيين من الذين عملوا معه.
وكانت زيارة ضريح بورقيبة ممنوعة في عهد بن علي الذي أقاله في «انقلاب طبي» بحجة عجزه عن إدارة شؤون الدولة بسبب الشيخوخة والمرض في فجر ٧ تشرين ثاني 1987، ومنذ ذلك اليوم أصبحت سيرة «الزعيم» شبه ممنوعة ما لم يتطرق إليها بن علي شخصياً. وعلى الرغم من محاربة النظام التونسي السابق لبورقيبة الذي وضعه في شبه إقامة جبرية وحتى منع بث مراسم دفنه آنذاك، إلا أن التونسيين لم ينسوا لـ«الزعيم» دوره في تحرير المرأة التونسية وجعل البلاد دولة حديثة فيها طبقة وسطى وأكثر نسبة تعليم في العالم العربي والإسلامي والبلد الأكثر انفتاحاً على أوروبا والأقل فقراً رغم موارده الصغيرة. ورغم ملاحقة أنصاره وأتباعه في ظل صمت أغلب الأحزاب التونسية، إلا أن السلطة لم تنجح في نزع حب بورقيبة من مريديه. وقد جسد حضور عدد كبير من قدماء المساجين من اليساريين والديموقراطيين إلى «روضة آل بورقيبة» أول من أمس، الحب الذي يصل أحياناً إلى درجة التقديس الذي يحتفظ به التونسيون لـ«بطل الاستقلال». وتوافد قادة الأحزاب السياسية باستثناء الإسلاميين والقوميين الذين لم يتخلصوا من حقدهم على مؤسس الجمهورية، على قبره لتلاوة الفاتحة والترحم على روحه، فيما رفع أنصارهم صوره مرفقة بالعلم الوطني، بينما رددت العجائز الأغاني التي كنّ يردّدنها أيام الاستعمار كلما نُفي الزعيم أو سُجن.
المفارقة التي تعيشها تونس منذ سقوط النظام السابق هي العودة القوية لبورقيبة الذي قاد معارضة الإسلاميين من القبر؛ فاختيارات بورقيبة في نشر التعليم والصحة وتحرير المرأة وتحديث المجتمع والطبقة الوسطى، ونتاج بورقيبة في الإصلاح الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، كان وراء خروج حكومة الترويكا التي تقودها حركة النهضة الإسلامية بنحو سلمي، ذلك أن النموذج المجتمعي الذي أسسه بورقيبة هو الذي واجه حكومة الإسلاميين ونجح في عزلها سياسياً، رغم أن صناديق الاقتراع هي التي أتت بها. الذين حضروا مراسم الاحتفاء بـ«الزعيم» أول من أمس بعد ٢٧ عاماً من عزله و١٤ عاماً من وفاته اكتشفوا أخيراً أن المجاهد الأكبر يزداد حياة كل يوم، مستحضرين مقولته الشهيرة في آخر ظهور إعلامي له في التلفزيون الرسمي قبل أيام فقط من عزله عندما قال: «أودعكم وأنا مطمئن أن تونس ستكون بخير من بعدي، عاشت تونس حرة مستقلة أبد الدهر»!
حكام تونس الجدد الذين لم يتوقعوا أن «الزعيم» سيعود هذه المرة مرفوعاً على أكتاف أحفاده وحتى الرئيس المؤقت منصف المرزوقي وبعد كل الشتم الذي خصصه للزعيم طوال سنوات، أصبح منذ عامين أول من يدخل روضة «آل بورقيبة» ليترحم على أبي الجمهورية. وهذا ما يفسر أن بورقيبة لم يعد ملكاً للحركة الدستورية فقط، ولا للذين آمنوا بفكره واختياراته فقط، أو عاشوا زمنه، بل حتى للذين عارضوه أو ولدوا بعد خروجه من الحكم.
وفي هذا السياق، قال القيادي في الحزب الاشتراكي، نوفل الزيادي، إن تونس تدين لبورقيبة ببناء دولة عصرية ومجتمع حداثي. وأوضح الزيادي في حديث لـ«الأخبار» أن «الخيار الديموقراطي الذي فشل بورقيبة في تحقيقه هو ما تناضل من أجله الحركة الديموقراطية في البلاد». أما القيادي في حزب نداء تونس عادل الشاوش، القيادي السابق في الحزب الشيوعي التونسي، فرأى أن «الزعيم» هو الأب المؤسس لتونس؛ لأنه نجح في تحديث المجتمع، مضيفاً في تصريح لـ«الأخبار» أن «بورقيبة ليس ملاكاً، وهو ارتكب أخطاءً كأي سياسي، وقد وضع الكثير من التونسيين في السجون بسبب أفكارهم، ومنهم مناضلو الحزب الشيوعي، لكن الزمن سينسى التفاصيل الصغيرة وتبقى الخيارات الكبرى التي قام بها، ومنها الجمهورية ومجانية التعليم وتعميمه تحرير المرأة والطبقة الوسطى ونشر الثقافة وتحديث المجتمع». وإذا كان نوفل الزيادي وعادل الشاوش قد اصطدما بنظام بورقيبة وعارضاه، فإن الشاب عامر العياري الكاتب العام لمنظمة شباب حزب المبادرة الوطنية الدستورية، والذي لم يعرف بورقيبة في الحكم؛ إذ كان طفلاً عندما عزل، يرى أن بورقيبة «أسس الدولة الحديثة، وعلى التونسيين أن يواصلوا رسالته الخالدة». هكذا هو بو رقيبة، مثير للاختلاف حياً وميتاً.
“الاخبار” اللبنانية