الرئيسية / وجهات نظر / أسباب تأجيل حركة «النهضة» لمؤتمرها العاشر؟
4ba80adb85a1e17536e4e0616bc60990

أسباب تأجيل حركة «النهضة» لمؤتمرها العاشر؟

ربما لو أعلنت حركة «النهضة» أن تاريخ انعقاد مؤتمرها الاستثنائي العاشر، سيكون في الموعد الذي حُدد في قرارات المؤتمر التاسع الذي انتظم في يوليو (تموز) 2012، لما كان سيثير الانتباه نفسه أو يثير التساؤلات والفضول إزاء الأسباب الحقيقية والمسكوت عنها التي دعت قيادات «النهضة» إلى إجراء استفتاء حول قرار تأجيل المؤتمر العاشر.
ولقد نجحت إلى حد ما حركة «النهضة» في تأطير محاور النقاش الإعلامي والسياسي حول إعلانها إجراء استفتاء حول قرار التأجيل. ويتمثل التأطير غير المباشر والمقصود في جعل هذا النقاش، يركز على قرار الاستفتاء بدل موضوع الاستفتاء ذاته، وهو في اعتقادنا ينم عن تكتيك ذكي حاولت من خلاله «النهضة» تسويق صورة الحزب الديمقراطي الذي يحترم تعهداته وقرارات مؤتمراته والمنخرطين فيه من خلال إشراكهم في القرار.
ويمكن القول إن عملية التسويق هذه تمت بنجاح نسبيا وذلك باعتبار أن موضوع الاستفتاء الجدير بالتحليل والتفكير قد حظي بمقام ثانوي مقارنة بسيل التعليقات والتدخلات التي اهتمت حصريا بالاستفتاء كآلية ديمقراطية.
وكي نعرف أهمية قرار تأجيل المؤتمر الاستثنائي العاشر، لعله من المهم التذكير بأن المؤتمرات تمثل في تاريخ الحركة وأساليب عملها أقوى الاجتماعات، كما أن القرارات التي يجري التوصل إليها، تُعد إلزامية الطابع. إضافة إلى أن النقاشات التي تدور أثناء المؤتمرات هي صريحة جدا ولا أحد فيها فوق المحاسبة والنقد بما في ذلك رئيس الحركة نفسه راشد الغنوشي.
وإلى جانب القيمة الاعتبارية والنقدية لآلية المؤتمر، هناك معطى آخر وهو أنه باستثناء المؤتمر التاسع الأخير الذي انعقد في يوليو 2012، فإن المؤتمرات الثمانية السابقة كانت سرية ومعظمها عُقد في المنفى. ذلك أنه منذ تاريخ انعقاد ما يسمى «اجتماع الأربعين» عام 1972 وإطلاق تسمية «الجماعة الإسلامية» ثم القطع مع العمل السري والإعلان عن البيان التأسيسي لحركة الاتجاه الإسلامي في 6 يونيو (حزيران) 1981 وصولا إلى تغيير اسم الحركة في 1989 ليصبح حركة «النهضة».. على امتداد كل هذه المسيرة والمحطات التاريخية، كانت المؤتمرات قليلة في عددها علاوة على عدم انتظامها وسريتها الناتجين عن أسباب خارجة عن نطاق الحركة. فما الذي يجعل حركة «النهضة» بعد أن عقدت مؤتمرها العلني الأول في يوليو 2012، تقرر قياداتها إجراء استفتاء حول تأجيل المؤتمر الاستثنائي العاشر إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي لم يحدد تاريخها بعد؟
يبدو لنا أن ما تمثله المؤتمرات بالنسبة إلى منخرطي حركة «النهضة» من فرصة للنقد الصريح واللاذع والمحاسبة العالية النبرة والشدة، يعد مدخلا يساعدنا في فهم سبب إيثار قيادات النهضة تأجيل المؤتمر خصوصا أن موعده المقرر سلفا يأتي قبل موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وهو موعد لا يمكن التهاون في شأنه بعقد المؤتمر العاشر في وقت تعرف فيه الحركة مخاضات عسيرة ويدرك قياداتها رفض غالبية منخرطيها للتنازلات التي قامت بها وعلى رأسها مصادقة كتلة النهضة في المجلس الوطني التأسيسي على مسائل حساسة تثير في حد ذاتها انشقاقات وأيضا تراجع موقفها من مسألة الإقصاء والعزل السياسي وصولا إلى دخولها في مسار الوفاق الوطني والتنازل عن الشرعية الانتخابية والقبول بالشرعية الوفاقية من خلال الخروج من الحكم.
إذن استعراض مختلف هذه الملفات الساخنة والحارقة يكفي للقول إن الخوف من تبعات عقد المؤتمر الاستثنائي العاشر وقراراته الملزمة للجميع، السبب الرئيسي والأساسي وراء قرار القيام باستفتاء حول تأجيل موعد عقد المؤتمر.
هكذا نفهم أسباب التأجيل الحقيقية، التي نرى أنها الأجدر بالتفكير والفهم والتفسير في حين أن اعتماد آلية الاستفتاء ليس بالحدث ولا بالممارسة الديمقراطية الأولى من نوعها إذ سبق للحركة أن اعتمدت الاستفتاء أداة لبلوغ قرارات ذات أكبر نسبة ممكنة من الإجماع. كما أنه لم يكن بالإمكان تأجيل المؤتمر دون اللجوء إلى استفتاء داخل الحركة وذلك لسبب واحد يعود إلى أن قرار عقد المؤتمر الاستثنائي العاشر في يوليو المقبل قرار إلزامي. ولما كان الالتزام جماعيا فإن التنصل منه أو العدول عنه أو تعديله أيضا يخضع إلى الإجماع وإلى قرار جماعي، خصوصا أن احتقان بعض منخرطي الحركة ضد قياداتها وتحميل شخصيات بعينها مسؤولية خروج النهضة من الحكم والدخول في منطق التنازلات.. كل هذا لا يحتمل قطرة ربما يراها هؤلاء الأخيرة حتى تفيض الكأس وتجد الحركة نفسها أمام انقسامات كثيرة ومهددة لتماسكها في وقت تحتاج فيه إلى أكثر ما يمكن من أسباب التوحد لتأمين شروط خوض انتخابات رئاسية ستكون حسب مؤشرات عدة صعبة.
لذلك فإنه في تأجيل المؤتمر تأجيل لتصريف غضب المنخرطين ومحاسبتهم. ولكن هل فكرت «النهضة» في أنه يمكن أن توظف قواعدها الشعبية الانتخابات ذاتها لتمرير الرسالة الأقسى والأقوى ضد الصفوف الأمامية في الحركة؟
إنه سيناريو جدير بالتمعن.
“الشرق الأوسط”