الرئيسية / وجهات نظر / إعدام شعب وسرقة حلم الثورة
3541836a39af4e88d9c28f08c6d6b79f

إعدام شعب وسرقة حلم الثورة

التطورات المأساوية التي تعرفها الساحة المصرية منذ الانقلاب العسكري على ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، والتي عرفت قمّتها بتسخير القضاء من أجل تصفية حسابات سياسية مع القوى الرافضة لتدخل الجيش في الحياة السياسية، تدعو إلى الكثير من القلق على المستوى الحقوقي والسياسي.
الحكم القضائي الصادم الصادر من طرف محكمة جنايات المنيا المصرية بعد جلسة واحدة للمحكمة، والقاضي بإعدام 529 متهما وإحالة ملفات المدانين إلى المفتي تمهيدا لتنفيذ حكم الإعدام ضدهم، هو مقدمة لمرحلة جديدة في مسلسل اغتيال الثورة المصرية المجيدة.
ذلك أن الأنباء الواردة من بلاد الكنانة تفيد بأن ما يطفو على السطح من جرائم يخفي الكثير من المظالم التي يتعرض لها آلاف المواطنين الرافضين للانقلاب، فهناك العديد من حالات الطرد من الشغل والحرمان من متابعة الدراسة والفصل من الجامعة..
إن مسلسل الاعتقالات والإدانات وعمليات الاحتجاز التي شهدتها مصر منذ الإنقلاب العسكري تحركه دوافع سياسية واضحة، وترافقه مجموعة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من قبيل قتل مئات المواطنين المعتصمين برابعة العدوية وبالنهضة خارج نطاق القانون، ومنع الحق في التظاهر وإغلاق القنوات الإعلامية الرافضة للانقلاب، والتضييق على حرية الصحافة واعتقال عدد من الصحافيين ومتابعتهم بتهم جنائية، مع تجاهل تام للانتهاكات الجسيمة المرتكبة من طرف قوات الأمن خلال فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة يوم 14 آب/اغسطس 2013، بالإضافة إلى عمليات القتل التي استهدفت عددا من المتظاهرين السلميين في الشوارع والجامعات بواسطة إطلاق الرصاص الحي، وعمليات الاعتقال العشوائي المرفقة بعمليات تعذيب لمئات المعتقلين.
إن النطق بهذه الأحكام تم في غياب المتهمين والمحامين، في جلسة استمرت 20 دقيقة ودون حضور الإعلاميين والصحافيين بعد منعهم من دخول قاعة المحكمة وسط حراسة أمنية مشددة، وهو ما يمس بمبادئ المحاكمة العادلة، ويطعن في مصداقية المحاكمة التي عقدت في جلسة واحدة فقط، علما أن ملف القضية يضم آلاف الوثائق والأوراق، وهو ما يعني غياب ضمانات وإجراءات المحاكمة العادلة في هذه المحاكمة..إن العدد الكبير للمحكوم عليهم بالإعدام هو رقم غير مسبوق في التاريخ المصري الحديث، حتى في زمن أنظمة شمولية حكمت مصر بسياسة الحديد والنار، وهو ما يؤشر على دخول مصر منعطفا خطيرا ينبئ بسيادة حكم عسكري دكتاتوري عازم على تسجيل تراجعات خطيرة في مجال الحريات والحقوق الأساسية.
إن الأحكام الجماعية ذات البعد السياسي يحرّمها التشريع الدولي والمواثيق الدولية، وهي عقوبات من شأنها أن تشكل في حالة تنفيذها جريمة ضد الإنسانية يمكن متابعة مقترفيها من طرف المحكمة الجنائية الدولية.
السلطات المصرية تتحمل كامل المسؤولية، والحكومات العربية والدولية مطالبة باتخاذ موقف مبدئي رافض للمس بالحق في الحياة.
العديد من المنظمات الحقوقية الدولية والعربية أصدرت بيانات للتنديد بهذه الأحكام الخطيرة، والعديد من الدول الغربية عبرت عن قلقها من هذا التصعيد الخطير، وهو ما يتجاهله الانقلابيون اعتقادا منهم أننا لازلنا نعيش في عصر النازية والفاشية والأبارتهايد..التصعيد الخطير الذي تقوم به السلطات الانقلابية في مصر فاق جميع التوقعات، ومن المرشح أن يتفاقم فيما يستقبل من الأيام وهو ما يطرح سؤالا عريضا حول الخلفيات الحقيقية وراء هذا التصعيد.. إن مخططي انقلاب 3 تموز/يوليو لم يتوقعوا ردود فعل الشارع، واعتقدوا أن بإمكانهم حسم المعركة عن طريق فرض سياسة الأمر الواقع ودفع جميع الأطراف إلى القبول به..
لكن ردود الفعل المؤيدة للشرعية الدستورية كانت أقوى من جميع التوقعات، ونجحت في نقل صورة إلى العالم تفيد بأن أعدادا هائلة من الشعب المصري ترفض تدخل الجيش في السياسة وترفض الانقلاب على رئيس منتخب في انتخابات حرة ونزيهة..
هذه الصورة دفعت بالانقلابيين إلى لعب ورقة مكافحة الإرهاب، ومحاولة جر المتظاهرين إلى ساحة العنف، وهي تسعى بكل الوسائل إلى إثبات أية علاقة بين المتظاهرين السلميين وبين استخدام السلاح..هنا بالضبط يكمن الاختبار الصعب الذي يتعرض له مؤيدو الشرعية الدستورية..كيف ذلك؟
إن الإفراط في استخدام القوة والإمعان في القتل والانتقال إلى الحكم بالإعدام، مع عدم استبعاد تنفيذ حكم الإعدام في حق قيادات سياسية معروفة، وذلك بغرض نشر الرعب والخوف بين الناس.. ويبدو بأن قادة الجيش وعلى رأسهم ينهلون من التجربة الشيلية، حيث أقدم بينوشي سنة 1937 وزير الدفاع لدى الرئيس أليندي المنتخب، بالانقلاب على هذا الأخير وقتله..
وبالفعل استقرت الأوضاع لبينوشي بسياسة الحديد والنار بعدما قتل أكثر من 60 ألف مواطن شيلي، لكن مصير بينوشي في النهاية كان هو الإعدام..وهو مصير كل من يقرر اغتيال أحلام الشعوب وسرقة ثوراتها..
هناك غرض آخر من وراء هذا التصعيد الخطير، وهو توريط المتظاهرين في ردود فعل عنيفة تضعهم في خانة الإرهاب..
طبعا، من الصعب التحكم في مشاعر الغضب التي تعتري كل من فقد عزيزا له في مثل هذه المواقف، وقد يصل هذا الغضب إلى درجة الكفر بالديمقراطية وبالخيار السلمي، والتفكير في خيارات أخرى تبدو من الوهلة الأولى بسيطة وحاسمة، ولكنها تظل، في الجوهر، محكومة بالرغبة في الانتقام وبمنطق رد الفعل بالدرجة الأولى.. لكن الخطير هو أن يجري تغليفها بالمبررات الشرعية وبقراءة ظاهرية لآيات الجهاد في القرآن الكريم..
هنا بالضبط يكمن امتحان القوى الثورية التي تمتلك سلاحا أقوى من الرصاص وهو سلاح الخيار السلمي، وهناك خشية كبيرة أن ينزلق بعض أنصار جماعة الإخوان المسلمين أو المتعاطفين معها إلى خيار العنف، وهو خيار فاشل لعدة اعتبارات: الاعتبار الأول، وهو أن عنف الدولة أقوى من عنف الأفراد رغم ما قد يحدثه عنف الأفراد من إرباك ظرفي للدولة ومؤسساتها..
ثانيا، الانجرار للعنف هو خيار الأفراد والعصابات ولا يمكن أن يكون خيار الجماهير والشعوب، ولذلك فإن السقوط في دوامة العنف يفقد المتظاهرين السلميين ما يتمتعون به من شعبية في أوساط الجماهير بفعل مظلوميتهم وسلميتهم، سواء في الداخل أو في الخارج..الاعتبار الثالث، وهو أن خيار العنف يعطي المبررات التي يوجد الانقلابيون اليوم في أمس الحاجة إليها لتبرير انقضاضهم على السلطة، وتصوير تدخل الجيش في السياسة بضرورة مكافحة الإرهاب، وهي ورقة مدرة للتعاطف الغربي جرى استخدامها بفعالية في سياقات أخرى..
الاعتبار الرابع، وهو أنه في مواجهة العنف والإرهاب من الصعب الحديث عن احترام مقتضيات حقوق الإنسان، وهو ما قد يفقد المتظاهرين السلميين سلاحا فعالا في مواجهة الانقلابيين وهو الاحتكام إلى المعايير الدولية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تحرم تدخل الجيش في الحياة السياسية..
اليوم القضية أكبر من عودة رئيس منتخب إلى منصبه، اليوم أنصار الديمقراطية والتحول الديمقراطي من مختلف الاتجاهات أمام امتحان عسير مطالبون بالنجاح فيه، حتى ولو أصر الانقلابيون على التمادي في خططهم..
فالمعركة الحقيقية هي معركة الدفاع عن المبادئ، وليست معركة الحصول على السلطة..ومن المبادئ التي ينبغي أن تظل راسخة إلى جانب الدفاع عن الشرعية الدستورية والديمقراطية مبدأ نبذ العنف بجميع صوره وأشكاله كيفما كانت الظروف ومهما علا صوت الظلم والطغيان…