الرئيسية / وجهات نظر / تركة ما بعد القذافي الثقيلة
طاهر علوان

تركة ما بعد القذافي الثقيلة

يعيش الليبيون مرحلة هي من اسوأ ما مروا به في حياتهم في ظل تمزق وانقسام مجتمعي ووجود حكومتين وانتشار للميليشيات المسلحة المتصارعة على النفوذ والسلطة والثروة في بلد كان ينتج قرابة مليوني برميل من النفط يوميا وبدخل قدره قرابة 80 مليار دولار سنويا.
ينزل مراسل القناة الفضائية الاجنبية الى ضواحي العاصمة طرابلس واماكن اخرى هنا وهناك تمكن من الوصول اليها فتشاهد ظاهرة صادمة وغير مسبوقة، اسواق عامرة بالسلاح الذي يفترشه الباعة على الارصفة، اسلحة من كل نوع وصنف ما بين المتوسطة والخفيفة واما ما هو اكثر من ذلك فيستوجب طلبيات خاصة لكنها ممكنة ايضا، ذلك ما يقوله البائع لمراسل الفضائية، ثم يمكنك ان تلتقط اية قطعة سلاح تعجبك ومباشرة سيقوم البائع بتجريبها وحتى الرمي بها امامك، اسلحة بعضها لا تشاهده الا في افلام العصابات، ذلك النوع من السلاح الخفيف ذو الفوهات الواسعة وهو من غرائبيات ما تم استعراضه في ذلك الفيلم الوثائقي العجيب.
تقدم هذه الصور حقيقة دامغة عن حالة الانفلات والفوضى التي تضرب ليبيا من اقصاها الى اقصاها فالقرار بيد من هو اقوى على الارض من ميليشيات وقبائل وجماعات متناحرة وتنقسم المدن فيما بينها على اساس الولاءات القبلية اولا ثم لتنحدر الى وجود التنظيمات المتطرفة كالنسخة الليبية من داعش والقاعدة وهي ظاهرة صارت تتفاقم يوماً بعد يوم بل ان هنالك من يقول انها النسخة الليبية من الحالة العراقية عندما شكل فدائيو صدام وضباطه السابقون النواة العسكرية الامنية والاستخبارية الصلبة لداعش وكذلك الحال بالنسبة لمدينة سرت معقل اتباع القذافي وقبيلته والقبائل المتحالفة معها التي انخرطت في داعش الليبية سعيا منها الى اعادة ملك مضاع.
هذه النزعة الثأرية المتأصلة جعلت من المدن الليبية الكبرى معاقل اساسية فاعلة في حمى الصراع القبلي والصراع على مناطق السيطرة والثروة والنفوذ فطرابلس العاصمة منقسمة حتى على مستوى احيائها وكذلك الحال في الصراع بين مدن كبرى مثل سرت ودرنة وبنغازي وطبرق والبيضاء والزنتان وصولا الى سبها في قلب الصحراء الليبية.
هذه الصورة التي وصل اليها الواقع الليبي او ما عرف بتركة ما بعد القذافي شكلت الثروة النفطية وحقول النفط عوامل صراع اساسية فيها وذلك من خلال السعي للاستحواذ عليها لضمان تمويل الميليشيات والمسلحين وشراء السلاح وما الى ذلك ولذا وجد الغرب وقوات الاطلسي التي كانت لها اليد الطولى في اسقاط نظام القذافي، وجدوا انفسهم امام مأزق حقيقي في ظل الاوضاع التي الت اليها الحالة الليبية اضف الى ذلك التدفق الهائل لالاف المهاجرين غير الشرعيين الذين ينطلقون من الموانئ الليبية باتجاه اقرب نقطة الى اوروبا الا وهي جزيرة لامبيدوزا الايطالية حتى اطلق الاتحاد الاوربي صافرات انذار متكررة من هذا الوضع المتفاقم.
ومع كل التدابير الغربية النظرية منها او العملية فأن ظاهرتين بارزتين في المشهد الليبي لا يتوقع لهما ان تضعفا او تزولا، الاولى هي الانقسام المجتمعي الحاد وتعدد مراكز النفوذ والمليشيات والجماعات المتصارعة والثاني هي الانفلات التام وسيطرة المسلحين على مفاصل الحياة التي كان من نتائجها تحول ليبيا الى فضاء شاسع للأتجار بالبشر والسلاح.
الجيران العرب وخاصة مصر وتونس يجدون انفسهم امام تحديات مخيفة ليس اقلها تمدد الجماعات والتنظيمات الارهابية وسعيها للتوغل في الساحات المصرية والتونسية على السواء ولهذا لم تنف الجهات الامنية في كلا البلدين وجود علاقة بين التنظيمات الارهابية النافذة والمنتشرة على الساحة الليبية وبين الاحداث الارهابية التي ضربت البلدين وبما في ذلك التسليح والتدريب وهو امر اثار الهلع ايضا لدى الجزائر والمغرب وجعل البلدين يتخذان اقصى التدابير الاحترازية تحسباً من تمدد الجماعات المسلحة والارهابية الى تراب البلدين.
ولعل النداءات المتكررة هنا وهناك لتدخل اطلسي/غربي جديد هي صورة أخرى من صور الوضع الكارثي الليبي والمخاطر التي صار يشكلها على الامن الاقليمي والاوروبي في مقابل عجز عربي فاضح ولا مبالاة عربية شبه تامة، والا كيف يفسر وجود مبعوث اممي للسلام بين الفرقاء الليبيين وعدم وجود مبعوث عربي بالمقابل، وهو امر غير مستغرب على اية حال في ظل زمن الانحطاط العربي وترك الازمات العربية تستفحل وتتعقد وتتمزق مجتمعات عربية بأكملها فيما العرب يتفرجون على المشهد منشغلين بهموم انفسهم ثم ما يلبثون ان يتصارخون منادين بشعارات الامن القومي العربي.
واقع الحال ان الانتكاسة الليبية وتركة ما بعد القذافي هي صورة تراجيدية وكارثية للوضع العربي الهزيل الذي اثبت انه لا يختلف كثيرا عن حالة التمزق على الساحات الليبية ولهذا فأن المخاطر التي ينطوي عليها هذا الواقع المزري سيفاقم من سيطرة امراء الحرب وتقوية نفوذهم واطالة امد الصراعات الدخلية والمعارك التي تشتعل وتنطفئ هنا وهناك في المدن الليبية وما الى ذلك من مظاهر تدهور خطيرة جعلت من بلد كان موحداً فصار ممزقاً والنزعات الانفصالية فيه صارت من البديهيات التي صرت تسمعها بمناسبة ومن دون مناسبة فضلاً عن استحالة التفاهم بين اطراف عديدة في الازمة الليبية من الذين لا يعترفون بوجود خصومهم السياسيين ولا يفصل بينهم سوى فوهات البنادق والقتل.
ليبيا ترزح تحت وطأة وضع معقد ومتشابك واللاعبون الخارجيون فاقموا من الكارثة وساهموا في إشعال فتيل فتنة مجتمعية فتحت الابواب على مصاريعها لدخول التطرف والارهاب واطلاق يد قطاع الطرق والمهربين وسائر المنتفعين من هذه الاوضاع الشاذة والحريصين على اطالة امدها وهو ما يؤكد ان ليبيا الموحدة لم تعد خياراً سهلاً ولا هدفاً ممكناً.

*كاتب عراقي/” ميدل ايست أونلاين”