الرئيسية / وجهات نظر / خطر الوصاية الدولية يقترب من ليبيا
فيصل جلول

خطر الوصاية الدولية يقترب من ليبيا

تحتل ليبيا موقعاً خطراً للغاية في لائحة الدول المشتعلة في الشرق الأوسط، وتكاد تكون على مقربة من حملة إقليمية أو أوروبية لفرض وصاية على جزء من ترابها أو القسم الأكبر منه جراء الفوضى الأمنية والإرهاب والحرب الأهلية.
بداية لا بد من الإشارة إلى الاستعصاءات الليبية السابقة والتالية لسقوط نظام العقيد الراحل معمر القذافي التي تحول دون الاتفاق على مساومة سياسية حول نظام حكم يتيح إدارة البلاد بصورة طبيعية.
الاستعصاء الأول تزامن مع تأسيس هذا البلد حول 3 أقطاب قبلية – جهوية متباعدة جغرافياً هي، طرابلس وبرقة وفزان، وضعيفة الاندماج بسبب المساحات الشاسعة التي تفصلها عن بعضها بعضاً، وديموغرافية البلاد الضعيفة (6 ملايين نسمة) ومساحتها الشاسعة (مليون و800 ألف كلم2) وقد تمت إدارتها في العهد الملكي بغلبة جهة الشرق وبنغازي، بخاصة على الجهات الأخرى، وفي عهد القذافي لمصلحة جهة الغرب أولاً، ومن ثم لمصلحة نخبة حاكمة من دون القضاء نهائياً على الجهتين، ومن ثم جاءت الثورة الأخيرة لترجح من جديد كفة الشرق من دون أن تتمكن من تشكيل قطب قادر على استتباع مراكز القوى الأخرى، وبخاصة مصراتة وتيار «الإخوان المسلمين» الذي تمكن من السطو على حركات ما يسمى «الربيع العربي» في كل مكان.
الاستعصاء الثاني يتمثل في انعقاد التدخلات الخارجية على الانقسامات الداخلية، حيث تدعم تركيا وقطر التيار الإخواني، وتدعم دول عربية جيش الجنرال خليفة حفتر، وقد ساهم هذا الدعم في خلق حكومتين وبرلمانين، ومن تضاعيف هذا الانقسام نشأ تنظيم «داعش» الإرهابي الذي اتخذ من مدينة درنة عاصمة له.
علماً بأن نشوء هذا التنظيم الإرهابي أدى إلى تعقيد احتمال المساومة بين الأطراف المتنازعة، فالقضاء عليه بات شرطاً لقيام حكم مستقر ومساومة سياسية مركزية، وإذ تعمل حكومة طرابلس على تصفية هذا التنظيم تتريث حكومة طبرق في شن حملة عسكرية عليه، معتبرة أن «داعش» مشكلة طرابلسية قبل أي شيء آخر. لكن الأخطر في ظاهرة «داعش» هو تدخلها في مصر عبر«جماعة بيت المقدس» التي بايعت البغدادي منذ شهور والتي تشن عمليات إرهابية واسعة النطاق في مناطق مصرية مختلفة، ولا سيما في سيناء، فضلاً عن استفزاز «داعش» للمصريين عبر ذبح عشرات الأقباط على الشاطئ الليبي، لرفضهم التحول إلى الإسلام أو دفع الجزية.
الاستعصاء الثالث يتمثل في الانفلات الأمني وهو نتيجة لما سبق، فقد تحولت ليبيا إلى فضاء واسع من الفوضى وغياب القانون تخترقه جزر أمنية لا تنسيق بين بعضها بعضاً، وكل منها يهتم بناحيته ويحتفظ بأولويات محلية، وقد ساهم هذا الحال في تدفق طالبي الهجرة إلى أوروبا من أنحاء العالم كافة، وبخاصة من إفريقيا، ونشوء عصابات تهريب من كل صنف ومافيات تستغل ضعف المهاجرين وترسلهم إلى أوروبا بشروط تفتقر إلى أبسط العناصر الإنسانية الأولية.
نجم عما سبق استعصاء رابع يتمثل في انسداد الأفق حول المصالحة الوطنية التي تعتبر شرطاً حاسماً لإنشاء حكومة وحدة وطنية واستئناف السيطرة على مجمل الأراضي الليبية، ومع تعذر المصالحة وتشكيل حكومة وحدة وطنية تواجه ليبيا سيناريوهات ثلاثة صعبة للغاية.
الأول، نرى ملامحه من خلال تحرك أوروبي مكثف بحجة التصدي للهجرة غير الشرعية ووضع حد لهذا التدفق على الأراضي الليبية نفسها، والحؤول دون تسرب إرهابيين إلى القارة العجوز عبر هذا البلد، فضلاً عن توفير الشروط الآمنة لتدفق النفط الليبي إلى الأسواق الأوروبية. وإذا كان الاتحاد الأوروبي يصر على وجوب توفير التغطية الشرعية الدولية لعملياته الأمنية المفترضة على الشواطئ الليبية، فإن هذه العمليات قد تتوسع لتصبح ضرباً من ضروب الوصاية على الساحل الليبي أولاً، ومن ثم على مجمل أراضي هذا البلد إذا ما تبين أن فئات محلية تراهن على مثل هذه الوصاية ضد فئات أخرى.
والثاني نرى ملامحه في جهود التنسيق القائمة بين الدول العربية في شمال القارة الإفريقية لجهة محاولة القيام بجهد مشترك لمقاوب الإرهاب القادم من ليبيا.
والثالث، هو الأقل حظاً، ويتعلق بالمصالحة الوطنية عبر الحوارات التي نظمتها الأمم المتحدة ودارت في الجزائر والمغرب، ذلك أن نجاح هذه الحوارات يحتاج إلى معجزة حقيقية، أي إلى تجرد مثالي وروح وطنية عالية المستوى وشعور عميق بالمخاطر التي تهدد وجود ليبيا نفسها.

*باحث وكاتب وصحافي لبناني/”الخليج”