الرئيسية / وجهات نظر / خصوم “الرابعة” لبوتفليقة تأخروا ست سنوات
7f23dcfbe64e4348bd21e29b1ec76fb1

خصوم “الرابعة” لبوتفليقة تأخروا ست سنوات

في الجزائر فراغ سياسي مهول كان موجودا منذ الاستقلال، لكنه تحوّل إلى عملية تصحر، خطيرة ومقصودة، مارسها الرئيس بوتفليقة بحيث تكون نتيجتها أن يبقى وحده ولا أحد غيره: هو الحكم، وهو المعارضة، وهو رئيس الحكومة، وهو وزير الخارجية، وهو رئيس الأحزاب.. وهو كل شيء.
وكان من بين ثمارها أيضا، هذه الريبة الخطيرة المزروعة بين النخبة أو المحسوبين عليها، والثقة المنعدمة بين مكوناتها بشكل كليّ.
في الجزائر اليوم، يسارع الناس إلى تصنيف أي عمل عام، أي مبادرة، أي حركة، أي تصرف في خانة الـ’مع′ والـ’ضد’، ويسارعون إلى البحث في دفاتر ‘مَن يحرّك مَن؟’.
آخر الفصول هو هذا الحراك الذي تشهده العاصمة احتجاجا على ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية رابعة وهو عاجز صحيا.
سألتُ أكثر من شخص من أكثر من طيف، عن هذا الحراك وجديته وحظوظه في تحقيق شيء ما، فاختـُزلت الردود في أن أغلب المحتجين يرفضون بوتفليقة لأن جهاز المخابرات يرفض ترشحه. وأغلب المحتجين، وفق الجواب المتكرر، مقربون من المخابرات وبعضهم عملاء لديها بشكل أو بآخر. أكثر من شخص سألته سرد عليّ اسماء صحافيين قال إنهم لا يمكن أن يتصرفوا بإرادتهم ولو لم تأمرهم المخابرات.
لا أدري مدى صحة هذا الكلام، لكن أعترف بأنه يحزنني كثيرا لأنه يلطخ مهنة عشقتها منذ مدرستي الابتدائية وانتسبت إليها رغم قدرتي على اختيار طريق آخر.
في كل الأحوال.. هل يجب أن يوقف هذا التصنيف الناجم عن التصحر ‘البوتفليقي’ العمل على إحداث تغيير سلمي في بلد منكوب بحكامه؟ جوابي: لا.
صحيح أن بوتفليقة دمّر الجزائر وأفرغها مما فيها، وصحيح أن الصناعة الوحيدة التي تطورت تحت رعايته هي صناعة اللصوصية ونهب المال العام، وصحيح أنه أحيا في البلاد تأليه الفرد وحوّلها إلى كوريا شمالية ثانية.
ورغم كل ذلك، ما ينبغي التنويه إليه هو أن توجيه الجهود نحو منع بوتفليقة من الترشح مرة رابعة، أمر غير حكيم ولا يكفي، رغم ما في هذا الترشح من خطر على البلاد. فالدستور لا يمنعه، وإذا كان الداعي الصحي حجة قوية، يجب تذكّر أن هناك مرشحين آخرين ‘معتوهين’ حقا ويجب منعهم هم ايضا من الترشح احتراما للعمل السياسي وللديمقراطية ولمبدأ الانتخابات.
واقع الحال أن بوتفليقة لم يسجل هدفه اليوم، بل في تشرين الثاني/نوفمبر 2008 عندما عدّل الدستور لغاية واحدة هي البقاء رئيسا إلى القبر. آنذاك، باع الرئيس ومحيطه مع المادة 74 التي تحدد عدد الفترات الرئاسية باثنتين، بتعديلها بشكل يفتح العدد إلى ما لا نهاية، باع مواد أخرى تتعلق بحصص المرأة واشياء لا أثر لها في الحياة معها السياسية للبلاد.
آنذاك، وقف المنادون بمنع ترشح بوتفليقة اليوم، مؤيدين لتعديل المادة المذكورة، ومن هؤلاء حركة مجتمع السلم (إخوان مسلمون). واختار آخرون الصمت الإيجابي (المؤيد). واستسلم آخرون للأمر الواقع كأنه قدر محتوم لا مفر منه.
كل هذا يعني أن نضالهم الحالي لعبٌ في الوقت الضائع لأنه تأخر ست سنوات وفقدَ قوته القانونية والدستورية وحتى الأخلاقية، لأن آخر جزائري يستطيع ان يرد عليهم بأن الدستور لا يتضمن ما يمنع بوتفليقة من الترشح. ويزيد: أين كنتم في 2008 وماذا فعلتم؟
بقي جانب أخلاقي وأدبي في الموضوع، وهو أن بوتفليقة كان يجب أن يمتنع من تلقاء نفسه عن الترشح احتراما لسنِّه، لشعبه، لجسده العليل، وحياءً من حصيلته الكارثية طيلة 15 عاما. لكن هنا أيضا، يستطيع أي جزائري أن يرد بأن الحياء ذاته استحى من حكام الجزائر وهجَرَهم.
حاجة الجزائر اليوم هي أن تتوجه جهود أبنائها نحو عمل سلمي أكبر واسمى يُخصص لتغيير نظام الحكم. عمل سلمي يكنس الجميع، بوتفليقة ومحمد مدين ومن معهما.
وإذا كان من بين الساعين لهذا العمل اشخاص مشتبه بصلتهم بالمخابرات، فليكن. وإذا كانت المخابرات تشجع مثل هذا العمل نكاية في بوتفليقة، فليكن، لأن النتيجة ستكون شرخا آخر داخل النظام يقرّب نهايته ويكمّل الشرخ الذي أحدثه بوتفليقة من دون أن يقصد.
مثلما توجد أمثلة سلبية في الإقليم لا تشجع على التغيير (ليبيا بالخصوص)، هناك أمثلة مشعة وتبعث على الأمل، خلاصتها أن أنظمة حكم أقوى من الذي في الجزائر تهاوت في بضعة أيام، في مصر وتونس، عندما حانت ساعة الحقيقة.
قلتُ أكثر من مرة في هذا المكان إن التغيير يجب أن تفرضه النخبة. وهو بدوره يفرض على هذه الأخيرة أن تكون مستعدة لقليل من التضحية لأن الحريات والحقوق تـُنتزَع ولا تـُمنح.
لا يوجد نظام حكم عربي أو غير عربي منحه شعبه هدية هكذا لوجه الله. في التاريخ القريب جدا، فرض المصريون التغيير كثمرة لسنوات من الكفاح السلمي، بدأ قليلا ومعزولا يثير سخرية المارة في الشارع، ثم كبر شيئا فشيئا إلى أن تحول نهرا جارفا اقتلع رئيسا لم يكن يتصور حياته خارج الرئاسة.
والتجربة نفسها سبقت في تونس.. سنوات من النضال السلمي المصحوب بالقمع السياسي والقانوني والإداري وكل أنواع التنكيل بحفنة من الرجال والنساء أبوا أن يستسلموا، حتى إذا حلت ساعة البوعزيزي كانت عبارة عن تتويج لتلك السنوات من الكفاح المستميت.
شعار ‘بَرَكات’ (يكفي) المرفوع في الجزائر خلال الاحتجاجات الأخيرة، يجب ألاَّ يقتصر على بوتفليقة، بل ان يشمل، بإصرار أكبر، كل أركان الحكم الذين معه وكذلك الفاسدين الذين طبّلوا له وزيَّنوا له حصيلته التعيسة.
كما يجب أن يتجاوز الشعار موضوع الولاية الرئاسية الرابعة إلى ما هو أسمى وأبعد أفقا، لأن عدم ترشح بوتفليقة لا يعني بالضرورة نهاية الكابوس الذي تعيشه الجزائر. ولا يعني بالضرورة إشراق شمس الديمقراطية والحريات والدولة المدنية العصرية التعددية المنشودة في الجزائر.
“القدس العرؤبي”