الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر تحت عتبة فقر مؤسسي وسياسي
محمد بن امحمد العلوي

الجزائر تحت عتبة فقر مؤسسي وسياسي

تعيش الجزائر أزمة مؤسسات وأزمة سياسيين في ذات الوقت، ففي تطور يَنِمُّ عن تخبط هؤلاء وفقدانهم للبوصلة السياسية والأخلاقية. دعت لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال، شقيق الرئيس بوتفليقة الأصغر ومستشاره إلى “التدخل للحفاظ على كيان الأمة والدولة، ما دام يدير شؤون أخيه ويسيّر ويتابع كل صغيرة وكبيرة منذ أن أصبح الرئيس غير قادر على أداء بعض المهام”.
بهذه الحركة تكون لويزة حنون قد اجهزت على مؤسسات الدولة التي تسمى دستورية بالجزائر، وشهدت على نفسها أمام التاريخ، وتستشهد به قائلة إن “التاريخ سيحاسب السعيد بوتفليقة إذا بقي صامتا، لأنه يعلم جيّدا الأطراف المتسبّبة في الأوضاع الخطيرة حاليا، باسم من تتحدث”.
كلام حنون يقول ان هناك من يستغل منصب الرئيس لقضاء مآرب شخصية وتمرير السياسات والصفقات.
ما قالته الاشتراكية لويزة حنون يشرعن بشهادتها لوجود حاكم آخر غير عبدالعزيز بوتفليقة، هذا الحاكم غير المتوج بانتخابات ولا تصويت من نواب الأمة، ولا مباركة من أي جهاز دستوري.
الشعب في حالة سبات شتوي. ولا حول له ولا قوة أمام جبروت أقلية متحكمة وجيش يحمي مصالحه وبرلمان لا يشرع سوى ما يتماشى وهوى ومصالح تلك الأقلية وسياسيين كشروا عن أنيابهم لنهش ما تبقى من عظام وفتات تركته الاليغارشية الحاكمة.
لا نحتاج لكلام حنون للتأكيد على أن السعيد بوتفليقة هو الحامل لأختام الرئاسة. وهو يتدخل في شؤون الحكم بامتياز قربه من أخيه الرئيس ومباركة المستفيدين والمتدخلين. وعن هذا التدخل قال عبد الله جاب الله القيادي المنتمي للتيار الإسلامي بالجزائر، إن “هذا السلوك مخالف للدستور، لأن صاحب الحق في التسيير هو من أعطاه الشعب الحق في ذلك”. مؤكدا انه “لا غرابة في ما يحدث ما دام الرئيس ليس شرعيا ولا يخضع لأي محاسبة أو مساءلة”.
قالها جاب الله ليضيف صوته إلى من يقول أن السلطة بالجزائر ليست بين يدي عبد العزيز بوتفليقة، وإنما هي محمولة على اكتاف شقيقه السعيد. وعن دعوة لويزة حنون صرح جاب الله قائلا “لا تسألني عمن جعل السياسة مطية لتحقيق مصالح، ولا تحدثني عمن أظهروا ولاءهم السافر للنظام وانصب جهدهم في تبييض ممارسات النظام وتزيين سياساته، وبأن مثل هذه الفئات هي التي تتحمّل مسؤولية ما حل بالبلاد من أزمات”.
لم يعد مستورا أن الفساد والمحسوبية والاتجار في قوت الناس أصبح عقيدة يتعبد بها كل من له علاقة بالسلطة بالجزائر. لكن حنون تشدد على أنها تحصلت على”معطيات تبين أن نهبا كبيرا وواسعا يتعرض له العقار والأموال العمومية تحت عنوان الاستثمار الخاص، وحكم الأقلية التي انتقلت إلى مرحلة ثانية كشرت فيها عن أنيابها”.
ولِذَرِّ الرماد على العيون وخلط الأوراق وإفساد أذواق الناس وقلب الحقائق، استغل النظام الحاكم مؤسسة الإعلام المرتزق في الدفاع عن مصالح الطغمة الحاكمة ومن سار في ركبها. وها هي حنون تؤكد أن “التلفزيون العمومي تحوّل إلى إعلام خاص بأموال عمومية، تعطى فيه الأولوية لرجل أعمال نافذ هو علي حداد وقلة قليلة من الوزراء”.
لا نلتفت إلى كلام السياسية لويزة حنون في عمومه كونها تبيعه في سوق المزايدات السياسية، لكننا نقرأ فيما بين سطوره أن مؤسسات الدولة نخرها سوس الصراعات على الامتيازات والمواقع، بما فيها مؤسسة القضاء الذي لا يتحرك إلا ضد الضعيف والذي لا ظهر يحميه.
في هذا السياق كانت حنون صادقة بقولها ان “العدالة في بلادنا تكيل بمكيالين لوقوفها مع أصحاب المال، فلا نجدها تتحرك عندما يتهجم مسؤول حزب سياسي على مؤسسة أمنية سيادية ولا يحاكم، فيما تتحرّك بسرعة ضد بطالين ونشطاء في الأغواط وتصدر في حقهم أحكاما قاسية”.
لقد مرت سنة كاملة على انطلاق حملة تنصيب بوتفليقة على كرسيه المتحرك لرئاسة الجزائر، فتحركت سفينة البلاد في اتجاه عكس ما سَوَّقه الرجل ومريدوه والمنتفعون من بركة منصبه. لم يتغير شيء سوى المزيد من التسيب والنهب والأزمات المستمرة وإفراغ مؤسسات الدولة من روحها.
الأزمات في الجزائر في تناسل مستمر كان آخرها أحداث عين صالح التي شارك فيها آلاف المحتجين من أهل المدينة رفضا لمشروع استخراج الغاز الصخري. هذا المشروع ذي التكلفة المرتفعة والتقنية العالية أرادت به السلطات الجزائرية الهاء الشعب والمعارضين عن الواقع الحقيقي المزري الذي تعيشه البلاد. وكأن الشعب استفاد من الغاز والنفط منذ الاستقلال إلى الآن حتى تستيقظ الطغمة الحاكمة على إنفاذ هذا المشروع.
لقد وقف السكان ضد جشع المستفيدين من الغاز والنفط، الذين أرادوا استكمال دائرة استحوادهم ونهبهم للثروة النفطية بالغاز الصخري، دون مراعاة الإضرار بالبيئة ولا لمصالح الشعب على المدى المتوسط والطويل.
جولة الملاكمة بين السلطة الحاكمة والشعب غير متكافئة. وزن الذُبابة وقوة الدَّبابة لا يستويان في معادلة مؤسسات النظام الجزائري الجائر الذي ينهب بِنَهَم، ويضرب بلا وازع قانوني أو أخلاقي أو حفاظا على مصلحة الجموع المتهالكة من سياسة استمرت طيلة خمسين عاما من تغييب صوت الشعب وعدم مراعاة لمتطلباته في الاستفادة من ثروته.
أراد النظام الجزائري بتسليم دفة الخارجية لرمطان لعمامرة، محاربة المغرب والتركيز على قضية الصحراء عبر اختلاق الأكاذيب واستسهالها للنيل من وحدة المملكة الترابية على كل الأصعدة بتوظيف مال الشعب الجزائري في شراء مواقف دول ومنظمات وذمم شخصيات مؤثرة في السياسة والإعلام.
فشل المؤسسات الدبلوماسية والسياسية في الداخل الجزائري وفي نزالها مع المغرب بشكل خاص، انضافت إليه آخر المحاولات اليائسة بعدما جربت آلتها الدعائية للتشويش على منتدى كرانس مونتانا الذي انعقد يومي 12/14 مارس الجاري، في مدينة الداخلة جنوب المغرب.
تشويش وصل حد التدليس عندما زعمت وكالة الأنباء الجزائرية أن وزير خارجية اسبانيا، خوسيه مانويل غارسيا مارغايو، انتقد مشاركة رئيس الوزراء الاسباني السابق، خوسي لويس ثاباتيرو، في منتدى “كرانس مونتانا”، وهو ما تم نفيه بشكل قاطع من المعنيين بالأمر.

*كاتب صحفي/” ميدل ايست أونلاين”