الرئيسية / وجهات نظر / “من ترومان حتى اوباما”…نتنياهو ودموع السيدة بيلوسي!
ABDLATIF MHANA

“من ترومان حتى اوباما”…نتنياهو ودموع السيدة بيلوسي!

احتل نتنياهو الكابيتول لمدة قاربت الساعة. من على منبره العالي القى إلى الأميركان جميعاً، حضوراً ومقاطعين، بكل ما حفلت به جعبته المكتظة المحتقنة من عظات وتوجيهات، واتحفهم مجتهداً بما جادت به قريحته من فتاوى تكثَّفت وتلخَّصت وتكررت فيها كل مواقفه وتقديراته وتحريضاته واهاجيه المعروفة حول فزَّاعة الخطر النووي الإيراني،وزاد عليه،بما أوصل لكهنة الكونغرس بأنه إنما يعرف عن هذا الذي يدور مكتوماً في جاري المفاوضات الأميركية الإيرانية ماهو بالخافي عليهم. قوبل الخطيب المنذر والمفتي بحفاوة حرية بأن يحسده على مثلها كل رؤساء الولايات المتحدة السالفين واللاحقين وما بينهمراهنهم اوباما. في المشهد الذي قل نظيره قاطع شيوخ ونواب اميركا المستثارون خطيبهم بالتصفيق وقوفاً، ويقال أن هذه المقاطعة قد نافت على الأربعين مرة، بحيث لم يعد من مجال لجدل حول كون الرجل يحظى هنا، أي في الكونغرس، بمؤيدين متحمِّسين له أكثر من اولئك الذين تركهم من خلفه في الكنيست.
القى نتنياهو خطابه المتحدي لأوباما المستاء في عقر دار الأخير، لكنما كان معلَّباً وملفوفاً بسلوفان كيله لوافر الثناءعلى من تحداه. أوفى بوعد كان قد قطعه ولم تثنه عن الإيفاء به كافة السجالات والتحذيرات والاعتراضات التي سبقت ذلك، سواء في الكيان الصهيوني أو الولايات المتحدة…وعده بأن يبذل كل ما بوسعه بذله لعرقلة توقيع أي اتفاق تلوح احتمالات اقتراب التوصل اليه بين الإدارة الأميركية وإيران في جاري المفاوضات حول ملف الأخيرة النووي. القى خطابه المنذور في مشهد يجعلك تخال وكأنما هو يلقيه في اجتماع لمركز حزبه الليكود وليس في الكونغرس،وقفل عائداً من حيث أتى تاركاً من خلفه سجالاً بات الآن برسم الآستخدام السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، وآخر مثله من امامه غدا برسم الاستخدام الانتخابي الآزف في الكيان الصهيوني…عصفوران بحجر واحد!
هناك من العرب من انشغل بإحصاء تعداد القلة ممن قاطعوا خطاب نتنياهو في الكونغرس من شيوخه ونوابه، وجل هؤلاء المقاطعين كانوامن الديموقراطيين،إما تضامنا مع ادارتهم أو حرصاً على “اسرائيلهم”مما قد تجره غلوائية نتنياهو. بل منهممن استلفته أن من بين هولاء المقاطعين يهوداً. وهناك من استوقفه تعقيب لسيد البيت الأبيض الغاضب يقول فيه أنه لم يشاهد الخطاب وإنما قرأه، وإن الخطيب لم يقدِّم في خطابه “أي جديد”، أو “قابل للتطبيق”. وكثيرون من استخلصوا أن ماطرحه نتنياهو في خطابه يفتقر الى الجدة، ولا يتناسب مع ما سبقه من سجالات. واكثر منهم من استهواه وصف نانسي بيلوسي زعيمة الأقلية الديموقراطية في مجلس النواب الأميركي لخطاب نتنياهو ب”الإهانة”، وإنها لفرط تقديرها للعلاقات الأميركية الصهيونية احست بما “دفعها الى أن تكون قريبة من البكاءاثناء الخطاب”.وهذه وتلك،اغرتهم لأن يبنوا على سراب تفاسيرهم لها مستحب تخيلاتهم لما سوف يشوب هذه العلاقة إثر هكذا خطاب من عوار!
… لكنما نتنياهو المتحدي والموفي بوعد قطعه ولم يثنه عن الإيفاء به كل ما ثار حول ما قطعه من جدل، والذي حوَّل الكونغرس الأميركي إلى منصَّة انتخابية كاملة الأوصاف، أو الذي ينتظر حصاد ثمار غزوته الأميركية المظفَّرة عما قريب في الكنيست، قد اعاد بخطابه اثبات حقيقتين متلازمتين ولاتتناقضان ولا هما في حاجة لإثبات، أولاهما،وكنا قد ركزَّنا عليها في مقال سابق متعلق بالموضوع، هو عضوية وثبات وشائج العلاقة بين كلٍ من واشنطن وتل ابيب، أو عروتها الوثقى العابرة للإدارات الأميركية المتعاقبة، اديموقراطية كانت أم جمهورية، وبغض النظر عن مسمىأو لون شاغل المكتب البيضاوي…العلاقة التي يباهي نتنياهو بتاريخيتهاوثباتها ومتانتهاكوشيجة يرفعها طرفاهاالى مافوق السياسة والشخصنة بقوله معتداً: إنها هى هى والمستمرة “من هاري ترومانوحتىاوباما”…
لقد كان يطمئن صهاينته قبل توجهه الى الولايات المتحدة بزمن بأن العلاقة بين الطرفين هى “اقوى من أي وقت مضى”، واعاد مثل هذا فكرره في في خطابه في مؤتمر صهاينة “الإيباك”، الذي سبق خطابالكونغرس بيوم. وبمثله قالت سامنثا باور، سفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة، وممثلة اوباما في المؤتمر ذاته، وزادت عليه فقالت بأن هذه “الشراكةمحظور أن تتحول الى لعبة سياسية ومحظور أن تتحطم”، وذكَّرت مستمعيها بأن واشنطن كانت قد اعترفت بالكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة بعد 11 دقيقة فقط من اعلان قيامه إثر نكبة فلسطين، وإن ادارة اوباما قد “استثمرت عشرين مليار دولارفي أمن اسرائيل” باعتباره عندها “استراتيجية تتخطى السياسة”…والأهم أن اوباما، الذي لايكاد يكظم غيظه من صفاقة نتنياهو،حرص على أن يصف الحدث النتنياهوي برمته بأنه مجرد “خلاف عابر”، ولن يكون له “ضرر دائم”… أو ما يستدعي من رقيقة مثل نانسي بيلوسي أن تذرف دموعها اشفاقاً من حدوثه!
واخيراً، ونظراً لكون الاتفاق حول الملف النووي الإيراني يعد حاجة اميركية بالنسبة لإدارة اوباما، فهوما سوف تبرمهبلا تردد حالانضجته المفاوضات الدائرة،أفي المُرصد من موعدها المحدد، أم الممدد إن اقتضى الأمر تمديداً، شاء نتنياهو أم أبى…لماذا؟لأنه عند الضرورة، واشنطن هى من تقرر وثكنتها المتقدمة هى من تنصاع، وهناتكمن الحقيقة الثانية، والتي بإضافتها الى سابقتها، تشكلان معاًالسمةالواسمةً لمثل هذه العلاقة مثار كل هذا الجدل راهناً بين اميركا و”اسرائيلها”، والتي يوصِّفهاطرفاها بحقبأنها تظل المافوق السياسة.

*كاتب فلسطيني