الرئيسية / وجهات نظر / إفريقيا، الجزائر.. وسياسة الاستنساخ!
أحمد نورالدين

إفريقيا، الجزائر.. وسياسة الاستنساخ!

يتفق الكثير من المتتبعين، أن العَدَاءَ الذي يَطبع عقيدة النظام الجزائري تُجاه المغرب، يرجع في جانب مهمّ منه إلى عُقدة النقص لدى القادة الجزائريين. وترجع جذورها الأولى إلى الشعور بالدُّونيّة إزاء المغرب بسبب المساعدات التي قدمها للثورة الجزائرية واحتضانه لما يسمى “مجموعة وجدة” التي سيطرت بعد الاستقلال على مقاليد الحكم في قصر المرادية.
وقد كان من بين الوجوه البارزة لهذه المجموعة، ثلاثة رؤساء هم على التوالي بنبلة، بومدين ثم بوتفليقة.
ومما فاقم هذه العقدة كَوْن “الشقيقة”،وعلى عكس المغرب، لم يكن لها كيان مُستقل، إلا في فترات تاريخية وجيزة. وفي هذه الحالات النادرة لم تَتَعدّ حدودَ إمارةٍ صغيرة هنا أوهناك في تلمسان مثلاً على عهد الزيانيين أو في قَسَنْطينَة على عهد الحفصيين. خارج هذه الاستثناءات كانت الرُّقعة الجغرافية لما يسمى الجزائر حالياً، إما تحت نفوذ السلطة المركزية للمغرب، أو تحت حُكم السلاطين العثمانيين، قبل أن تسقط تحت الاحتلال الفرنسي سنة 1830. وحتى بعد هذا التاريخ ظلت مُعظم المناطق التي تقع جنوب الخط الرابط بين عين الصفراء والأغواط، تابعة لنفوذ المغرب، بل إنّ مدينتي بشّار وتندوف لم يُدْمجهما المحتلّ في خارطة “الجزائر الفرنسية” إلا سنة 1957.
ورغم أن المقاربة النفسانية في العلاقات الدولية قد تبدو غريبة، إلاّ أن سلوك النظام الجزائري نفسه يؤكد مركب النقص، من خلال استنساخه للتجارب المغربية في سياساته واختياراته، بل وحتى في مظاهره وطقوسه. حتى غدا بعض الظّرفاء يُشبِّهون هذه الظاهرة بالنعجة دولّي التي استنسخت جينياً في المختبرات البريطانية. وكما هو معلوم فالمُستنْسَخ لا يملك مناعة كافية، ولذلك سُرعَان ما تفتك به الطبيعة كما فعلت بالمسكينة “دولّي” التي نَفَقَت بعد أربع وعشرين ساعة من ولادتها.
ولْنَبدأْ في مضمار الاستنساخ هذا، بالتوجه المغربي نحو إفريقيا اقتصادياً. حيث يشجع العسكر الجزائري هذه الأيام شركات القطاع الخاص كي تحذو حذو نظيراتها المغربية. وفي هذا السياق، تَجنّدت دبلوماسية الجارة “الشقيقة” لإنجاح حفل عشاء على شرف رجال الأعمال الأفارقة، أقيم بباريس في السادس من شهر فبراير 2015، على هامش ملتقى الأعمال الفرنسي الإفريقي. وقد دعا إلى هذا العشاء علي حداد، رئيس”الباطرونا” الجزائري. وهو نفس الشخص الذي شارك في العاصمة السنغالية دكار في 21 من نفس الشهر في ملتقى “الإقلاع الاقتصادي الإفريقي”.
وتعتبر هذه التحركات مُجرّد تمارين تحضيرية لما أسماه جيراننا بالقمة الجزائرية الإفريقية التي يُفترض انعقادها صيف 2015. والغريب أن الجيران لم يُكلّفوا أنفسهم عناء البحث عن قطاعات اقتصادية أخرى، غير تلك التي أعلنها المغرب في استراتيجيته الإفريقية. وهي قطاعات البناء والأشغال العمومية، وصناعة الأدوية، والصناعة الغذائية. أما البنوك الجزائرية فيتأسف السيد حداد عن عدم قدرتها أو استعدادها، على مصاحبته في رحلة”السفاري” إلى الأدغال الاقتصادية بإفريقيا. ونُسجّل للتاريخ أن البنوك المغربية أودعت طلباتها لدخول السوق الجزائرية منذ العام 2006 كما هو الحال مثلاً بالنسبة للبنك المغربي للتجارة الخارجية، إلا أن نظام الجنرالات رفض الترخيص لها، في حين سمح للبنوك الفرنسية بذلك، وعلى رأسها بنك “PNB”الذي افتتح فروعه في بلد “المليون شهيد”!
غير أن الاندفاع نحو المغامرة الإفريقية، جَعلت النظام العسكرتاري يقفز على واقع القطاع الخاص بهذا البلد، ويتجاهل طبيعته الهشة ونسيجَه المقاولاتي الضعيف.
وسبب ضُعفه ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى بداية السبعينيات من القرن الماضي مع سياسة التأميم التي دشنها الرئيس الراحل محمد بوخَرُّوبة، المدعو هُوَاري بومدين. فقد كانت “الاشتراكية” المزعومة التي تبناها “الكولونيلات” آنذاك، وبالاً على القطاعين الصناعي والفلاحي على حد سواء.
وتشهد بذلك الأرقام الرسمية التي يقدمها اليوم “البنك المركزي الجزائري” و”الديوان الوطني للإحصائيات”، والتي تتحدث عن استيراد ما يقارب 80% من السلع الاستهلاكية بما فيها الخضروات. كما تتحدث عن اعتماد اقتصاد هذا البلد بنسبة 96% على النفط والغاز في مداخيله. وهي أرقام ليست بحاجة إلى تعليق لتبيُّن طبيعةِ نظام”أَرْكايِيكي” يعتمد على ريع المحروقات؛ وتغيب فيه أية قيمة مضافة لأي إنتاج صناعي أو تحويلي أو فلاحي، في بلد تتجاوز ساكنته 35 مليون نسمة. فعن أيّ صادرات يتحدث الجنرالات؟وأيّ مقاولات تلك التي ستدخل السوق الإفريقية؟
ولم تكن السياسة الإفريقية للمغرب وَحدَها موضوعاً للاستنساخ، بل تجاوزها جيراننا إلى مصنع سيارات “رونو” بمدينة وهران، والميناء المتوسطي للحاويات بنفس المدينة. ولعل أكثر ما يضحك في مسلسل الاستنساخ هذا، هو تقليد بوتفليقة للدروس الحسنية ذات عيد مولد نبوي، ولكنه توقف عند النسخة الأولى ولم يُعاود الكرّة، رُبّما لأسباب صحّية وربما لأسباب أخرى عِلمُها عند ربّي في كتاب.
وحتى مسجد الحسن الثاني أبى حُكام “المرادية” إلاّ أن يستنسخوه على شاطئ عاصمتهم، في تَمَاهٍ تامّ مع مَعْلَمة الدار البيضاء. ولجأوا في ذلك إلى “مْعَلّمِين” مغاربة، لزخرفة هذا المسجد، كما فعلوا من قبل في الثمانينيات مع مسجد الأمير عبد القادر بقسنطينة. وسيظل الفن المعماري المغربي في هذين المسجدين شاهداً على عراقة المغرب وإرثه الحضاري الأصيل، تماماً كما يشهد حالياً المسجد الكبير في الجزائر العاصمة، من عهد المرابطين، على تبعية هذا القطر للدولة المركزية في المغرب. ولعلّ هذا هو مناط المشكلة المستعصية على الحلّ!
وبعيداً عن سياسات المعاكسة أو الاستنساخ وعن العُقد السيكولوجية أو التاريخية، كان بإمكان الجزائر بناء شراكة حقيقية مع المغرب داخل الاتحاد المغاربي أو بشكل ثنائي. كما كان بإمكانها أن تستفيد من تجربة المغرب، للنهوض بقطاعها الخاص، ومقاولاتها الوطنية، في المجالات التي حقق فيها المغرب نجاحاً، والعكس صحيح. وبدل إنفاق مليارات الدولارات في سباق جنوني نحو التسلح، كان بالإمكان توجيهها لتنمية اقتصادية واجتماعية تجعل من المنطقة المغاربية قوة اقتصادية صاعدة، تُنافس دول “البريكس” بَدل أن نَحتلّ المراتب الأولى في الإنفاق العسكري، والمراتب الأخيرة في التقدم الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي. ولكن يأبى جنرالات الجزائر إلا أن يدفعوا المنطقة نحو المجهول، بنفخهم في رماد الانفصال في رمال الصحراء المتحركة.
ومن فرط مكرهم بجيرانهم لم يَدر حكام المرادية أنهم أحاطوا أنفسهم وشعبهم بحزام ناسف. ولم يُبصروا النيران التي توشك أن تحرق الجميع مع هبوب ريح السَّمُوم الآتية من فَيَافِي داعش، والتي وصلت طلائع “جند خلافتها” إلى جبال جُرجُرة في منطقة القبائل، وجبال الشعانبة على الحدود التونسية التي لا تهدأ فيها أصوات المدافع، والحدود الليبية التي تناهز الألف كلم، والقاعدة في إفريقيا الغربية على الحدود المالية.
أمام هذا المشهد القاتم، يبدو أن الجنرالات الجزائريين تجاوزتهم الأحداث، ويَظهر أن عِنادهم وإصْرارهم على مُعاداة المغرب يَحول دون مراجعة مواقفهم، ويَجرّهم جرّاً نحو انتحار جماعي على الطريقة اليابانية “هاراكيري” في محيط جيوسياسي قابل للانفجار أكثر من أي وقت مضى. وبذلك تكون “على نفسها جنت بَراقِش”، كما يقول المثل السائر.

*كاتب صحفي/”جديد بريس”