الرئيسية / وجهات نظر / الرباط وباريس: بدايات إصلاح العطل الدبلوماسي
حسن-السوسي

الرباط وباريس: بدايات إصلاح العطل الدبلوماسي

تأزمت العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وفرنسا، خلال العام الماضي، بشكل يكاد أن يكون استثنائيا، على مدى عقود طويلة من الشراكة الاقتصادية والسياسية بين البلدين. لكن الذي يبدو هو ان ثمة انفراجا حقيقيا، في الأفق بين الرباط وباريس، كما تدل على ذلك زيارة وزير العدل المغربي مصطفى الرميد للعاصمة الفرنسية باريس ولقائه مع نظيرته الفرنسية كريستين توبيرا. وتعود أهمية هذه الزيارة، ليس الى العطل الذي أصيبت به العلاقات المغربية الفرنسية في مجال التعاون القضائي الذي توقف بشكل ملموس منذ ما يقرب السنة فحسب، بل أيضاً، الى كون هذا اللقاء مؤشرا على إمكانية عقد لقاءات رسمية دبلوماسية بين البلدين، يمكن، في حال نجاحها، ان تؤسس لعلاقات أكثر ثباتا ورسوخا، في المستقبل.
وفي الواقع، فإن التوتر الذي عرفته العلاقات بين باريس والرباط، دفع الطرفين، معا، الى تبين حدود ما هو مسموح به، في إطارها، وما يدخل ضمن دائرة غير المقبول، الذي ما ان يتم ولوج تخومه حتى تكون للتوتر والأزمة الغلبة في علاقاتهما، الأمر الذي ينعكس سلبا عليها ويعيق مسيرة تطورها الى الأفضل، كما تعلن الرباط وباريس دوما ان هذا هو هدفهما المنشود.
ولعل مفردات، بعينها، تؤطر كل علاقات سوية بين الدول في الوقت الراهن، وليست العلاقات المغربية استثناء بخصوص هذه المفردات الأساسية.
وفي مقدمة هذه المفردات، اولا، احترام السيادة الوطنية بمختلف تجلياتها ومستوياتها، على اعتبار ان الندية ينبغي ان تكون السائدة، في كل علاقات طبيعية، وهو ما يعني نبذ لغة الإملاء والفرض تحت أي مبرر كان.
وهذا هو الدرس المستخلص من قضية استدعاء رئيس الاستخبارات الداخلية المغربية عبداللطيف الحموشي للمثول أمام القضاء الفرنسي في شهر فبراير العام الماضي عندما كان في زيارة رسمية الى باريس وفي بيت إقامة السفير المغربي في العاصمة الفرنسية، في خرق سافر لمجمل الاتفاقات والأعراف السائدة في العلاقات الثنائية.
ثانيا، عدم الدخول في حملات إعلامية بقصد الضغط او ابتزاز المواقف في أي مجال كان. وهو درس اعادة النظر في زيارة وزير الخارجية والتعاون المغربي صلاح الدين مزوار لباريس للقاء نظيره الفرنسي لوران فابيوس بمجرد ما دشنت وسائل اعلام فرنسية ومن بينها فرانس 24 حملتها الإعلامية ضد المغرب في أكثر من مجال، وبشكل يدفع الى أحد من التفسيرين التاليين:
اما ان الحكومة الفرنسية أصدرت الضوء الأخضر لوسائلها الإعلامية الرسمية، وشبه الرسمية، في التعامل مع المغرب بهذه الطريقة المنافية للأعراف والتقاليد بين البلدان، التي تربط بينها علاقات الأخوة والشراكة العريقة. وفي هذه الحالة، فإنها تعطي للمغرب مؤشرا لا يخطئ حول تراجع اهتمامها بتطوير تلك العلاقات، وانها ترغب في دفع المغرب الى اتخاذ مواقف من إملاء المصالح الاستراتيجية او السياسية المباشرة للحكومة الفرنسية الامر الذي يجعلنا امام حالة من حالات الفرض غير المقبولة مبدئيا وعمليا.
واما ان الحكومة الفرنسية لا تملك أي تأثير بخصوص الخط التحريري للمؤسسات التي تمولها وزارة خارجيتها. وهو ما يتنافى مع الحس السليم، على اعتبار ان الهدف المعلن، او المضمر، لتلك الوسائل، هو خدمة الدبلوماسية الفرنسية، لا الزج بها في مآزق سياسية ودبلوماسية هي في غنى عنها. وفي هذه الحالة، ما هي قيمة الاتفاقيات المبرمة بين البلدين، وما هي الترجمة الفعلية لمبدأ الشراكة بينهما؟ وبالتالي، ما جدواها اذا كان احد طرفيها لا يملك السلطة المعنوية في مجال فرض احترام التزاماته على مختلف وسائل الاعلام والاتصال الجماهيري التي يتم تمويلها من المال العمومي؟
وبطبيعة الحال، فإن بعض الأصوات السياسية التقليدية الوازنة، في فرنسا، قد ارتفعت، مؤخراً، للتنبيه الى خسارات فرنسا في الميادين الأمنية جراء شبه القطيعة مع المغرب في مجالات التعاون الأمني، وهي تتعرض لعمليات ارهابية تركت صدى كبيرا في مختلف الأوساط السياسية والاجتماعية الفرنسية، وفتحت المجال امام تساؤلات عدة حول المسؤولية التي تتحملها الحكومة الفرنسية في تراجع التنسيق مع المغرب، في هذا المجال.
ويبدو ان إلقاء القبض على الحدود المغربية الجزائرية على الجزائري المسؤول الاول عن اختطاف وقتل السائح الفرنسي ايرفي غوردال في الجزائر، قد جاء ليعزز الشعور الفرنسي بالحاجة الى تجربة المغرب الغنية في مكافحة الارهاب، خاصة ان تطور التنسيق بين الرباط ومدريد في هذا المجال، قد سجل إنجازات كثيرة على مستوى تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية، التي تنشط في تجنيد العناصر المقاتلة، وإرسالها للقتال في صفوف تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسوريا.
وهناك من يرى ان فرنسا قد استاءت من تحرك المغرب الى افريقيا وتطوير علاقاته الاقتصادية والسياسية والشراكة الاستراتيجية مع عدد من دولها الأساسية، كما ترجمت ذلك زيارات الملك محمد السادس ولقاءاته مع القادة الأفارقة واتفاقيات التعاون مع بلدان هامة في القارة السمراء، هو ما دفع باريس الى غض الطرف، على اقل تقدير، عن بعض الممارسات المناوئة للمغرب، على هذا المستوى او ذاك.
غير ان تأويل هذه الحركة الدبلوماسية والسياسية على انها منافسة غير نزيهة لفرنسا ودورها، غير قابلة للتصديق، بدليل حرص المغرب على إنجاح كل ما يدخل في صلب العلاقات الفرنسية الافريقية، من خلال القمة الافريقية الفرنسية، وبدليل العمل الفرنسي المغربي المشترك في مالي عندما تعرض هذا البلد لهجوم إرهابي كاد ان يسقط الدولة، ويزج بتلك البلاد في أتون الحرب الأهلية، وفي الفوضى، الامر الذي يعني، بكل بساطة، انه كلما توفرت الإرادة السياسية المشتركة لدى البلدين بمواجهة بعض التحديات والمخاطر، او في تحقيق إنجازات اقتصادية او جيو سياسية مشتركة، كلما اهتديا الى أساليب التعاون والتنسيق الكفيلة بترجمة تلك التوجهات معا، على أرض الواقع، مما يغني علاقاتهما ويسمح بمقاربة مجالات اخرى، لم تكن تدخل في نطاق التنسيق والتعاون بينهما.
وبكلمة واحدة: ان المفاتيح الاساسية لضمان استمرار علاقات دبلوماسية متوازنة ومتطورة دوما باتجاه الأفضل والأجدى تكمن في مدى احترام الدولتين المغربية والفرنسية لمفردات السيادة الوطنية والمؤسسات المكونة للنظام السياسي. ذلك ان كل السياسات التي تنطلق من مقتضياتها تنأى بنفسها عن كل ما يمكن ان يشوش على العلاقات المتبادلة فأحرى عن كل ما من شأنه ان يوجه ضربات موجعة قد تستعصي على المعالجة.

” ميدل ايست أونلاين”