الرئيسية / وجهات نظر / الحذر من تعويم مفهوم الإرهاب
ابراش

الحذر من تعويم مفهوم الإرهاب

إرهاب أم جهاد ؟ مفهومان يحيلان سياسيا إلى العنف السياسي المنتشر اليوم في العالم العربي والإسلامي وفي أوروبا كما جرى في تفجيرات باريس قبل أيام، هذا العنف الدموي غيِّب في عالمنا العربي قضايا جوهرية كان يفترض أن يكون لها الأولوية كالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية وبناء الدولة الوطنية وحمايتها من التفكك، ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية وعلى رأسها القدس الشريف، ودوليا أوجد التباسا ما بين إرهاب (الجماعات الإسلامية) المتطرفة، والمقاومة المشروعة للاحتلال، الأمر الذي استغلته إسرائيل وعلى لسان رئيس وزرائها نتنياهو ليوحِد ما بين الإرهاب الذي تعرضت له باريس والعنف المنتشر في سوريا والعراق واليمن وليبيا الخ، وما يقوم به الفلسطينيون من أعمال مقاومة.
أعمال العنف السياسي الموسومة بالإرهاب لا تختلف ماديا من بلد إلى بلد ومن زمن إلى آخر، وكلها تحمل درجة ما من الإرهاب والخوف والدمار، ولكن الاختلاف يكمن في تبريرها ومدى مشروعيتها، والمشروعية تحددها الثقافة السائدة في المجتمع، وحيث إن الثقافات متباينة باختلاف الدين والهويات والمصالح، بل وداخل الثقافة الواحدة، فأن الجدل حول التوصيف والهدف – مقاومة أم إرهاب سيستمر ما بين الدول والمجتمعات.
ومن جهة أخرى لا يمكن لعنف سياسي يزعم ممارسوه أنه جهاد أن يكون ناجحا إلا إذا التفت حوله الجماهير وشكلت لها الحاضنة، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان – من حيث الهدف والوسائل- منسجما مع الثقافة السائدة في المجتمع ومع تطلعات أغلبية الشعب كما يتم التعبير عنها عبر القنوات والمؤسسات الديمقراطية والشرعية وحسب المراجع الدينية الرسمية، وفي حالة عدم توفر هذه القنوات أو الخلاف حولها، فبالعقل الذي يُعلي من قيمة درء المخاطر وجلب المنافع وإعمار الأرض، وهو عقل لا تختلف حوله وعليه الأمم والديانات السماوية.
الجهاد كشكل من أشكال العنف السياسي يعبر عن نمط من ثقافة دينية تنبني على تفاسير وتأويلات محل خلاف علماء الأمة الإسلامية منذ مقتل عثمان بن عفان والفتنة الكبرى. منذ ذاك التاريخ إلى اليوم قُتِل علي يد المسلمين تحت راية الجهاد أكثر مما قُتِل من أعداء المسلمين. حتى في حالة توافق فئة من المسلمين على الجهاد المسلح فإن هذا الضرب من العنف السياسي الديني يكون محل خلاف ومرفوض عند جماعات ودول إسلامية أخرى، ولا يُقبل ولا يُفهم عند أصحاب الثقافات غير المسلمة.
الجدل ما إذا كانت هذه الأفعال جهادا أم إرهابا مدانا ليس جديدا بل يضرب جذوره في التاريخ، إلا أنه أصبح أكثر بروزا في السنوات الأخيرة مع تحولات النظام الدولي والعولمة وانعكاساتهما على المجتمعات وخصوصا في الجنوب وبعد ما يسمى بالربيع العربي المتزامن مع سياسة (الفوضى الخلاقة ) الأمريكية. وهنا نلاحظ التزامن ما بين تصاعد وتيرة العنف السياسي – جهادا أو إرهابا وعدوانا- منذ عقد من الزمن مع الحديث عن الحرب الحضارية والصليبية وصراع الثقافات، بل لم تتورع الولايات المتحدة عن تقسيم العالم إلى محور الخير وتمثله الولايات المتحدة وإسرائيل والعالم المسيحي المتحضر، ومحور الشر وتمثله الجماعات الإسلامية والأنظمة المناوئة للسياسة الأمريكية.
فما هو الإرهاب ؟ وهل هو صناعة عربية إسلامية كما يروج الغرب ؟ أم صناعة غربية المنشأ، وحتى اليوم الغرب ليس بعيدا عن صناعة جماعات إرهابية تمارس العنف تحت راية الجهاد ؟ وما هي الحدود الفاصلة بين الإرهاب العابر للقارات من جانب والمقاومة الفلسطينية للاحتلال من جانب آخر ؟ وهل أن الإرهابيين الذين قاموا بتفجيرات مقر صحيفة شارلي إبيدو وغيرها من المواقع في باريس قاموا بهذه العمل ردا على الرسومات المسيئة للرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام ؟ أم أن وراء ذلك مخططات جهنمية تريد توظيف الدين وتوريط المسلمين في لعبة كبرى تخدم الصهيونية العالمية وإسرائيل والغرب وخصوصا واشنطن ؟ وأليس من المثير للانتباه أن التفجيرات التي شهدتها باريس والتي زهقت أرواح 17 فرنسيا بينهم 4 من الديانة اليهودية جاءت مباشرة بعد التحول في مواقف الرأي العام والدول الأوروبية لصالح الحق الفلسطيني وضد السياسة الإسرائيلية ؟ أليس من العقل والمنطق الربط بين هذه التفجيرات الإرهابية وتحليلات سياسية إسرائيلية وأمريكية تقول بأن التحول في مواقف الدول الأوروبية جاء نتيجة لتحول مواقف الرأي العام في تلك البلدان ضد إسرائيل ولصالح الحق الفلسطيني، وهو تحول كما يقول أصحاب التحليلات الإسرائيلية يرجع لزيادة عدد ونفوذ المسلمين في أوروبا وبالتالي يجب تشويه المسلمين في أوروبا وإظهارهم كإرهابيين ؟.
كما يحدث بعد كل موجة من الإرهاب يقف وراءها (جماعات إسلامية) تسارع واشنطن وتل أبيب ودول الغرب للدعوة إلى عقد مؤتمر دولي حول الإرهاب، وفي كل مرة تجري محاولة تعويم الإرهاب ليشمل كل فعل موجه لإسرائيل واليهود وللمصالح الغربية، وتجاهل إرهاب الدولة الذي تقوم به إسرائيل ضد الفلسطينيين، وإرهاب واشنطن من خلال دعمها لأنظمة استبدادية وتدخلها العسكري المباشر في أكثر من بلد عربي وإسلامي.
لا شك أن جماعات دينية إسلامية تمارس الإرهاب باسم الجهاد، وتمارسه داخل الدول العربية والإسلامية وعلى مواطنيهم من المسلمين أكثر مما تمارسه على غير المسلمين، ولكن كثيرا من هذه الجماعات صناعة أمريكية وغربية وإسرائيلية أو مختَرقَة من طرفهم، وأن إسرائيل والغرب وعلى رأسه واشنطن يوظف إرهاب هذا الجماعات للإساءة للإسلام والمسلمين ولخدمة مصالحهم في المنطقة. لذا على المفكرين العرب والمسلمين والفلسطينيين ومن يناصر عدالة قضيتهم الحذر من تعويم مفهوم الإرهاب كما تسعى تل أبيب وواشنطن، وإن كان من الواجب إدانة الإرهاب وإدانة ما جرى في باريس، فمن الواجب أيضا الاشتغال بجد على تفكيك ظاهرة الإرهاب بتوضيح القضايا التالية : –
1- إن السياسة الإرهابية الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني والسياسة الأمريكية المؤيدة لإسرائيل والمنكِرة للحق الفلسطيني بالإضافة لسياساتها في المنطقة العربية، كذلك الإساءة لمشاعر المسلمين كما جرى مع الرسوم المسيئة للرسول، كل ذلك يولد ثقافة حقد وكراهية توفر المبررات والذرائع لبعض العرب والمسلمين ليمارسوا ما يعتقدون أنه ردا على هذه السياسات.
2- التمييز بين هذه الجماعات الإرهابية التي تمارس العنف تحت راية الجهاد، والإسلام كدين تسامح، فهذه الجماعات لم يتم تفويضها من طرف أية مرجعية دينية رسمية ولم تفوضها الأمة ولا تملك تفويضا إلاهيا لممارسة ما تقوم به من أعمال، وبالتالي لا تمثل هذه الجماعات إلا نفسها ولا تخدم إلا الجهات المموِلة لها، وإذا حكمنا عليها من خلال نتائج أعمالها والجهة المستفيدة منها سنصل لخلاصة أنها ليست سوى أذرع لأجهزة استخبارية إسرائيلية وأمريكية أو ليست بعيدة عنها.
ونظرا لأن كلمة جهاد وجماعة جهادية تُحيل عند المسلم العادي للشأن المقدس وهو شأن متعمِق ومؤثِر في العقل والوجدان وخصوصا عند المسلمين البسطاء، فإن الأمر يتطلب خطابا دينيا عقلانيا يُحرر الإسلام مما لحِق به من مفاهيم وممارسات ليست من الإسلام بشيء.
3- التفريق والتمييز بين هذه الأعمال سواء التي جرت في باريس أو التي تقوم بها جماعات تحمل مسميات دينية كما هو الأمر في بلدان عربية كسوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر من جانب، والمقاومة الفلسطينية المسلحة في مواجهة الاحتلال. فإذا كانت كل الشرائع الدينية والوضعية المحلية والدولية تُدين الإرهاب، فهذه الشرائع نفسها تعطي للشعوب الخاضعة للاحتلال الحق بمقاومة الاحتلال بكل الطرق بما فيها الكفاح المسلح، وفلسطين ما زالت خاضعة للاحتلال وإسرائيل دولة استعمارية.
إن وجود خلل في ممارسة حق المقاومة من طرف بعض الجماعات الفلسطينية وممارستها احيانا لخدمة اجندة ومشاريع خارجية غير وطنية لا يؤثر على صحة وثبات الحق في المقاومة بما فيها المسلحة ضد إسرائيل كدولة احتلال. لذا يجب قطع الطريق على إسرائيل قبل أن توظف تفجيرات باريس والمؤتمر القادم حول الإرهاب بما يخدم طروحاتها المضللة حول مقاومة الشعب الفلسطيني، وذلك من خلال التأكيد على حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة، وأن ما يجري في فلسطين من أعمال مقاومة أمر مختلف عن ما يجري في البلدان الأخرى.

*عميد كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة