الرئيسية / وجهات نظر / تونس.. بين الثورة والنهضة
عادل سليمان

تونس.. بين الثورة والنهضة

تونس تلك الواحة الخضراء في المحيط العربي الكبير، ما يقرب من 170 ألف كم مربع مساحة (أقل من ثلاثة أضعاف مساحة شبه جزيرة سيناء المصرية)، وأكثر قليلا من عشرة ملايين مواطن، تطل على جنوب المتوسط الذي يحدها من الشمال والشرق، بينما تمتد حدودها البرية في الجنوب والغرب مع كل من ليبيا والجزائر.
دخل الإسلام تونس في القرن السابع الميلادي، وتأسست مدينة القيروان مركزاً له، وحملت اسم إيالة تونس إبّان الحكم العثماني، وكان الحاكم يحمل لقب باي، وهو أقرب إلى الملك أو السلطان أو الخديوي. وسقطت تونس تحت الاحتلال الفرنسي في العام 1881، قبل الاحتلال البريطاني لمصر بعام، وحصلت على الاستقلال بعد نضال وطني طويل، وأعلنت المملكة التونسية تحت حكم آخر البايات، محمد الأمين باي، في العام 1956، وهو العام الذي انسحبت فيه قوات الاحتلال البريطاني من مصر بعد معاهدة الجلاء، ولم تستمر الملكية في تونس طويلاً بعد الاستقلال، حيث نجحت الحركة الوطنية، بقيادة الحبيب بورقيبة، في إعلان الجمهورية في العام 1957، وتم تنصيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية، استمر حتى انقلاب زين العابدين بن على واستيلائه على السلطة في العام 1987، والذي استمر حتى انطلاق ثورة الشعب التونسي في يناير/كانون الثاني 2011، وفراره خارج البلاد. وانطلقت شرارة الربيع العربي لتسري في كل المنطقة، مصر وسورية وليبيا واليمن، وتحركات وإرهاصات شعبية في عدد من الدول، مثل الاْردن والمغرب والبحرين، بل تجددت الاحتجاجات الشعبية في العراق الذي سعى إلى اللحاق بربيعٍ، كان يبشر بآمال واسعة، لشعوب تتطلع لمستقبل أفضل، بأشكال ومستويات مختلفة من الحراك.
وعلى مدى أربع سنوات، جرت في أنهار تلك البلدان العربية، والتي تعرف ببلدان الربيع العربي، مياه كثيرة، اختلطت بدماء كثيرة، وتعددت المسارات واختلفت، لكن السمة المشتركة أن النهايات ما زالت مفتوحة للجميع. وفى وسط انعدام اليقين السائد في كل الحالات، تظهر تونس التي انطلقت منها الشرارة الأولى لهذا الربيع العربي المتقلب، في محاولة لتقديم إجابة نموذجية للسؤال الصعب الذي واجه الشعوب، بعد انطلاق الحراك الثوري، وهو ماذا نحن فاعلون؟
اختار الشعب التونسي، منذ البداية، طريق السياسة والحوار، وليس الصراع والصدام. ذهب بن علي هارباً، فاتجهوا إلى الدستور القائم، وكلفوا رئيس البرلمان بتشكيل حكومة مؤقتة وكان هو فؤاد المبزع، وبعد شهور، تولى الباجي القائد السبسي رئاسة الحكومة، وأشرف على تسيير أمور البلاد في ظروف شديدة الصعوبة، وفي ظل تفاعلات ومتغيرات حادة في المجتمع التونسي، وأجريت انتخابات عامة لاختيار مجلس وطني تأسيسي يتولى السلطة مؤقتاً، ويعمل كجمعية تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد، وفازت حركة النهضة الإسلامية بزعامة راشد الغنوشي بأكثرية مكنتها من تكوين تحالف شكلت بمقتضاه الحكومة، وانتخب المجلس الوطني التأسيسي رئيساً مؤقتا، هو الزعيم اليساري، الدكتور المنصف المرزوقي، وسلم السبسي السلطة بسلاسة، وأسس تحالفاً سياسياً، حمل اسم “نداء تونس”، ضم أطيافا عديدة من القوى والتيارات السياسية التي يغلب عليها الطابع المدني، بين اليمين المحافظ والوسط وتيارات يسارية معتدلة، وكلها قوى وطنية ترفض نظام بن علي والاستبداد، لكنها لا ترغب في تحمل كلفة التغيير الثوري الحاد، ذي الطابع الأيديولوجي، إسلامياً كان أو يسارياً. ولأن المجتمع المدني التونسي يتسم بالقوة والحيوية، ما لبث أن استدرك موقفه من نتائج الانتخابات، واستحواذ حركة النهضة على السلطة، وإن كانت مؤقتة، وهيمنتها على وضع الدستور، ونشأت أزمة سياسية حادة، كادت تعصف بالتجربة السياسية الوليدة.
وهنا، تجلت حكمة الغنوشي وحركة النهضة، وقاوموا “شبق” السلطة، وقدّروا أن الانتخابات التي فازوا فيها بالأكثرية جرت في أجواء عاطفية وحماسية في زخم الحراك الثوري، وقبلوا الدخول في حوار وطني موسع، انتهى بتغيير الحكومة وتشكيل حكومة توافق وطني، ووضع دستور جديد، توافقت عليه كل القوى والتيارات السياسية والمجتمعية، والدعوة إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية في ظل الدستور الجديد، وتبلورت القوى السياسية في الشارع التونسي. حركة النهضة التي تمثل الإسلام السياسي العائد إلى الساحة بعد غياب وإقصاء طويلين، والتيار اليساري الثوري الواضح، ويمثله المنصف المرزوقي وحركته الشعبية، وحركة نداء تونس التي يرأسها السبسي، والذي نجح في تقديم نفسه وحركته باعتباره امتداداً لتوجهات حركة بورقيبة الوطنية، بكل ما تمثله من قيم في وجدان الشعب التونسي، وميل نحو الاستقرار. وفي هذا الإطار، جرت الانتخابات البرلمانية، ثم الرئاسية، بحرية وشفافية، إلى درجة كبيرة، ولأول مرة في تونس. وجاءت اختيارات الشعب التونسي مفاجئة لأغلب المراقبين.
لم يحصل أي تيار على الأغلبية، ولكن أعطيت الأكثرية 37% من المقاعد لنداء تونس، يليه حركة النهضة 31% من المقاعد، ثم باقي المقاعد موزعة على عدد كبير من الأحزاب والتيارات. أي أن الغلبة جاءت للتيار الوطني المحافظ، ممثلا في “نداء تونس”. ولكن، عليه أن يكون تحالفاً، أو مشاركة سياسية وتوافقاً مع قوى سياسية أخرى، قد تكون حركة النهضة شريكاً قوياً في الحكم، أو تبقى معارضة وطنية قوية. أما الرئاسة فجاءت النتيجة معبرة عن التوجه نفسه، حيث أعطت الجماهير 55% من الأصوات لمرشح “نداء تونس”، وهي على يقين أنه سيكون رئيساً لفترة واحدة، بحكم السن (88 عاماً)، وأعطت 45% للمنصف المرزوقي الثوري اليساري الوطني، والذي تعامل مع الموقف بروح وطنية رفيعة، واتجه إلى بناء حركة سياسية، تعمل في إطار المعارضة الوطنية، ولا يمكن الحديث عن انتصار كاسح لتيار، وهزيمة ماحقة لتيارات أخرى.
واختارت تونس أن تشق طريقها ما بين “النهضة” بأيديولوجيتها الإسلامية، والثورة بأيديولوجيتها اليسارية، لتخوض تجربة سياسية ديموقراطية هادئة، يغلب عليها الطابع الإصلاحي. والأمر الجدير بالاهتمام أن خطابات رموز التيارات الثلاثة، الغنوشي والمرزوقي والسبسي، بعد نهاية جولات الانتخابات، خلت تماماً من حديث النصر والهزيمة، وركزت على احترام إرادة الناس وقبول اختياراتهم. لتبقى تونس واحة خضراء في وسط محيط عربي مضطرب.

* كاتب وباحث أكاديمي/”العربي الجديد”