الرئيسية / وجهات نظر / هل مازال في التونسي مُتّسَع للسّياسة؟؟
hammadi-maamri

هل مازال في التونسي مُتّسَع للسّياسة؟؟

وأنت جالس في محطة تنتظر قطارا كان او حافلة.. تتكدّس الحكايات ممن يشاركونك الانتطار مبتورة ومكتمِلة وتقتحم دون استئذان اذنيك..تبدأ بقراءة لوضع عامّ يكون مدخلا لشأن مخصوص.. وهو شأن سياسي بامتياز في تونس هذه الايام.. كل السّاحات والمقاهي والعربات الغاصّة بالعائدين من عملهم أو الذاهبين اليه مثقلين بهموم اللحظة كلها تعج سياسة..السياسة مفهوم منفلت لزج ..لكن ما يعتمل في ذهن التونسيين الآن من المشهد السياسي هو شخص الرئيس المقبل.. عنوان عريض يسكن خلد التونسيين محفوف بالهواجس..مشحون بالعواطف ..عنوان لافِت لامِع ساذج احيانا ونبيه أحيانا أخرى ..هو الخبر والتعليق في آن.. وُضِع التونسيون في موضع استثنائي لا يُحسدون عليه.. أنصار ومسؤولو حملة المترشح المستقل والرئيس المنتهية ولايته محمد المنصف المروزقي يدعون الناخب التونسي لاختيار نصير الثورة و ” الزّوّالي” وهذا مفهوم محلي يعني الفقير…فيما يدعو انصار و المعنيون بحملة مرشح نداء تونس الفائز بأكثرية المقاعد في المجلس النيابي التونسيين الى انتخاب من يقدر على صون هيبة الدولة وهيبة المواطن…
السياسة تأكل ابناءها في تونس.. والإعياء أصاب كل المعنيين بالشأن السياسي..حتّى ان اكثر البرامج متابعة في القنوات العمومية والخاصّة هي النشرة الاخبارية في القناة الوطنية الاولى والبرامج السياسية في القنوات الخاصة … فهل مازال في التونسي متّسع ليستوعب مزيدا من الهمّ السياسي ؟؟
السؤال ينوء بعبء الاجابة ..ولا أعتقد ان التونسيين مازال في بالهم و سجيتهم ما يتسع لحماقات و سخافات بعض السياسيين ..لقد غفروا لهم البعض منها ..وفيهم من دفع ثمن حنقه وغبائه في الانتخابات التشريعية ..فغادر الساحة لترتيب بيته الداخلي ..لكن الآن الرهان احتد و الخيارات انحصرت بين اثنين لا ثالث لهما الا الغياب ..فهل يكون الغياب خيار بعض التونسيين ؟
اللحظة ثرية بصخبها وضوضائها السياسية ..مشبعة بالرمزية فالتونسي تخلص من المسلّمات وهو الان يُعمل الفكر والعقل في كل صغيرة وكبيرة تهم الشأن العام وخاصة السياسي منه ..لذلك نشطت الساحات العامة والمقاهي بالسّجالات والحوارات الهادئة حينا والصاخبة احيانا .. تكاد لا تخلو جلسة في مقهى او منادمة في حانة من القول في السياسة ..قول لا ينم ضرورة عن وعي عميق ..هو خليط من شائع الاحكام و مقولات الاعلام و تقليعات الفايسبوك ..لكن التونسي يناقش الكل دون ملل او كلل .. الان ولم تعد تفصلنا عن موعد الاقتراع في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الا بعض من الايام اشتد وطيس النقاش واحتدت “المعارك” بين مناصري المرزوقي ومناصري البجبوج كما يحلو لبعض التونسيين تسميته تندرا أو تهكما أو تقربا ..فيما بقي صف آخر لم يصطف بعدُ ..مسكون بهواجس شتّى ..هو لا يرى لا في المرزوقي ولا في البجبوج الحل الأنسب للبلاد والعباد ..لكل مساوئه التي تكاد تأكل بعض محاسنه..هذا الخط الذي لم تتم عملية ترويضه الى الان هو الفيصل في اللحظة الصفر فيهم من اليساري والعروبي والحداثي والليبيرالي الرافض لمرشح مدعوم من الاسلاميين ولو بشكل غير معلن والرافض ايضا لمرشح يعتبرونه من بقايا التاريخ الذي يفترض ان تكون البلاد قد طوته وانتهى. وفيهم من عامّة الناس الرافضين لهذا الاستقطاب الثنائي الحاد والذي بلغ فيه الخطاب السياسي من الحدّة ما نفّر العديد من التونسيين من الممارسة والمشاركة السياسية ..الشباب التونسي الذي لم يجد ضالته لا في المرزوقي الذي جُرِّب فخاب،،ولا في الباجي الذي أكلت منه السنوات ولم تبقِ فيه ولم تذرْ…هو الآخر خارج الصف ..صعب المراص..عنيد الترويض رغم اغراءات الوعود واكراهات الواقع هو لم يشارك بكثافة في الانتخابات التشريعية وقد يتخلف ايضا في الاستحقاق الرئاسي القادم مادام الباقون في السباق ممن لا يفهمون حاجيات الشباب..
و في ظل هذا الاحتراب والتلاسن وانزلاق الخطاب السياسي الى منحدرات دنيا من التخوين و التنابز والتشهير .. وما داموا لا يترفعون عن سخافاتهم فالتونسيون لن يغفروا لهم ثانية وثالثة .. وفي ظل واقع اقتصادي هش واجتماعي محفوف بالانفجار مع تدني المقدرة الشرائية وتهرّي متواصل للطبقة الوسطى وتراجع قيمة الدينار وارتفاع الاسعار ..اصبح اغلاق باب الانتخابات هاجس كل التونسيين ..” متى نستكمل هذه المرحلة ونرتاح “..جملة يتداولها التونسيون بكثافة و بلهجة محلية..تنمّ عن حجم الاجهاد والإعياء الذي اصابنا جميعا جراء هذه المحطات المتقاربة من الضوضاء .. انتخابات تلد اخرى .. فهلا استكملناها بأقل ما يمكن من انزلاقات ..ورجات ..وهل استوعب السياسيون الدرس ..التونسي اصبح الان حرا .. ولن يسهل بعد اليوم ترويضه … فدعكم والسفسطة والمزايدة والمكابرة واحتكموا فقط الى هموم وشواغل التونسي الناظر اليكم بامتلاء وبأمل ان تتغير حاله الى الافضل ..لا يهمه منكم سوى ما يبدل من حاله …عدى ذلك فكله الى زوال …

*كاتب صحفي تونسي/”رأي اليوم”