الرئيسية / وجهات نظر / لا حل إلا بالتفاهم والشراكة بين الشعبين
HAMADA FARAANA

لا حل إلا بالتفاهم والشراكة بين الشعبين

إضافة إلى سلسلة المعارك، أو المجازر، المتبادلة، والرجحان فيها إلى قسوة العدو الإسرائيلي، وعدم إنسانيته في التعامل مع الشعب العربي الفلسطيني، سواء قبل إعلان الدولة عام 1948، وخلالها، وما بعدها في قطاع غزة وكفر قاسم، والسموع، وخلال حرب 1967، وإتساع الدولة، لتحتل كل فلسطين، إضافة إلى أراضي مصرية وسورية ولبنانية، ومعارك المقاومة، ومحاولات تحطيم إرادتها، ولبنان وإجتياج 82، وصولاً إلى إنتفاضة 87، وما تخللها من بطش شديد وكسر الأيادي، وسقوط الشهداء من المدنيين، وقتل المشتبه بهم، إلى الإنتفاضة المسلحة، وعملياتها الإستشهادية عام 2000 وما تلاها.
خلال عمليات الإنتفاضة المسلحة وعملياتها الإستشهادية، قُتل في العملية الواحدة، عدد من الإسرائيليين، أكثر من عدد الذين قُتلوا في حروب، وسقط من الضحايا الفلسطينية ما يوازيه، في إجتياح الضفة الفلسطينية عام 2002، وإعادة إحتلال المدن الفلسطينية، وفي حروب المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي على فلسطين، ضد قطاع غزة، 2008، 2012، 2014، سقط الألاف من الشهداء والمعاقين والجرحى، ودُمرت بيوت بالألاف، وتشرد شعبنا، بما لا يوازي من قبل من حيث الكيف، فماذا كانت النتيجة ؟؟.
أولاً: الإسرائيليون اليهود، ومن يحملوا جنسيتين، ورغم عمليات الإنتفاضة المسلحة الثانية وعملياتها الإستشهادية، ورغم المقاومة وصواريخ حزب الله عام 2006، والقذائف الفلسطينية في حروب العدو الإسرائيلي على قطاع غزة، لم يرحل الإسرائيليون عن فلسطين، وبقوا لعدة أسباب:
1- الفقراء منهم لا خيار لهم سوى البقاء، فأوضاعهم الاقتصادية والمالية لا تسمح لهم بالتحرك خارج ( بلدهم )، ولا بلد لهم سواه.
2- الأغنياء منهم، تشكل إسرائيل مصدر الثراء لهم، وتجنيداً لأموالهم، ومكان إستثمارها وتنميتها، وإذا كان ثمة قلق، فأوضاعهم تسمح لهم أثناء الحرب بالسفر إلى خارج فلسطين لتمضية بعض الوقت، حتى تزول الأزمة ويزول الخطر، ويعودوا إلى سابق عهدهم، لعل فترة ما بعد الحرب تفتح لهم مجالات أوسع للإستثمار والربح، فبعضهم تُجار حروب، ويستفيدوا من نتائجها كما حصل الأن مع الإسمنت والحديد لقطاع غزة.
3- المتدينون منهم، لا يرحلوا لأسباب عقائدية، فهم يعملون ويُخلفون الأطفال وبكثرة أكثر من الفلسطينيين، حتى يزداد عددهم، ليضاهي عددهم عدد الفلسطينيين وأكثر، ولذلك فهم يتمسكون بإسرائيل لأسباب عقائدية غير بسيطة.
4- جميع هؤلاء، لن يرحلوا، لأن مشروع الإستعمار التوسعي الإسرائيلي الصهيوني اليهودي، ما زال ناجحاً، وغير مكلف فلماذا الرحيل وهم يتمتعون بالإمتيازات من قبل الحكومة، ويتلقون الدعم من قبل الطوائف اليهودية المتنفذة في العالم، ومن قبل الولايات المتحدة ؟؟.
مشروع إحتلال فلسطين، مشروع ناجح صهيونياً ويهودياً وإسرائيلياً، وعندما يتحول إلى مشروع مكلف سياسياً وأخلاقياً، إسرائيلياً ويهودياً ودولياً كما حصل مع جنوب إفريقيا العنصرية، سيكون هناك إعادة نظر من قبل اليهود الإسرائيليين نحو التغيير في تعاملهم مع أصحاب الأرض الشعب العربي الفلسطيني كما فعلها رئيس إفريقيا كلارك، أو يختاروا الرحيل عن فلسطين، خاصة لمن يتمتع بإزدواجية الجنسية.
ثانياً: الشعب العربي الفلسطيني، تعرض لهجمات مفزعة، ومذابح متكررة على أيدي العصابات الصهيونية قبل وخلال عام 1948، مقابل تواطؤ عربي، دفعتهم للرحيل عنوة، فكانت النكبة بخسارة ثلثي مساحة الوطن الفلسطيني وتهجير نصف الشعب الفلسطيني عن بيوته وأرضه وممتلكاته.
وبقي على أرض فلسطين، في مناطق الإحتلال الأولى عام 1948 في الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، مائة وخمسون الف فلسطيني من الفقراء المحاصرين، تحولوا اليوم إلى شعب منتج يصل تعداده إلى حوالي المليون ونصف المليون يشكلون خُمس سكان إسرائيل، أنتجوا أفضل المبدعين، من راشد حسين وتوفيق زياد ومحمود درويش وسميح القاسم، واميل حيبي وإميل توما، وقادة عمالقة في طليعتهم توفيق طوبي وجورج طوبي وإبراهيم نمر حسين، وأطال الله في أعمار عبد الوهاب دواشة، ومحمد بركة، ورائد صلاح كل منهم في مجال نضاله.
فلسطينيوا 48، كانوا ولا زالوا العقبة الأولى في عدم نجاح المشروع الصهيوني على طريق فشله.
في الإحتلال الثاني عام 1967، لما تبقى من فلسطين، في الضفة والقدس والقطاع، كان النجاح الثاني لتمدد المشروع الإستعماري الإسرائيلي، ولكنه وضع المدماك الأقوى لفشل مشروعه إستراتيجياً، فالتحولات النوعية التي إجتاحت الشعب العربي الفلسطيني، شكلت حالة نوعية متقدمة، لا يمكن التراجع عنها، أو إنهاء تداعياتها، والتحكم بنتائجها، إذ تحول الشعب العربي الفلسطيني على أرض وطنه إلى شعب له قيادة موحدة تتمثل بمنظمة التحرير ومعه برنامج وطني، يهدف للخلاص من الإحتلال.
وكانت الإنتفاضة الأولى عام 1987، وحصيلتها إتفاق أوسلو عام 1993، على ما فيه من تنازلات جوهرية، لصالح العدو الإسرائيلي المتفوق، ولكنها وضعت أسساً جوهرية لصالح مسيرة الشعب العربي الفلسطيني وإنجازاته التراكمية المتمثلة بمايلي:
أولاً: الإعتراف لأول مرة من قبل الإسرائيليين والأميركيين بالشعب الفلسطيني، وبمنظمة التحرير، وبالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني.
ثانياً: عودة أكثر من ثلاثمائة الف عربي فلسطيني إلى فلسطين مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، وكانت هذه الخطوة الديمغرافية السكانية الثالثة التي تُعيد التوزان الديمغرافي بين فلسطين وإسرائيل 1- ما تبقى في مناطق 48 من 150 ألف، 2- أهل الضفة والقدس والقطاع، 3- عودة 320 الف فلسطيني بفعل إتفاق أوسلو حتى غدا اليوم على كامل أرض فلسطين ستة ملايين ومائة الف يهودي إسرائيلي، مقابل خمسة ملايين وأكثر من سبعمائة الف عربي فلسطيني وهو عدد متقارب.
لذلك حصيلة الصراع بين المشروعين، بين المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي، وبين المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني، أن هنالك شعبين يعيشان على أرض واحدة، فشل كل منهما في طرد الأخر وإنهاء وجوده، رغم ما تعرض له من أذى وقتل، بصرف النظر عن الدوافع الإستعمارية للأول أو الدوافع الوطنية للثاني، فلكل مشروعه وأسانيده وذرائعه.

* * كاتب أردني/ “الأيام” الفلسطينية