الرئيسية / وجهات نظر / الانتصار الديموقراطي في تونس
محمد الاشهب

الانتصار الديموقراطي في تونس

لا تخفي حالة الاحتراز التي دفعت قوات الجيش والأمن التونسي إلى النزول إلى الشارع، بهدف حماية مراكز الاقتراع ورصد أي انفلات، وجود قوة ثالثة من غير الأذرع الأمنية ورهانات المرشحين للرئاسة، تضع كل ثقلها لتأمين المحطة الديموقراطية الجديدة.
إنها الآمال المعلقة على تأمين مسار ثورة الياسمين للوصول إلى تطبيع سلس مع خيار التداول السلمي على السلطة، بعيدا عن التهييج والتخويف والاستئثار. وقد فعلت «النهضة» من جانبها ما يتعين للحؤول دون الصدام، كونها لم ترشح منافسا باسمها، تاركة للناخبين المناصرين لها أن يدعموا من يلمسون فيه عدم البعد من تطلعاتهم. وإذ يحسب لحزب الزعيم الإسلامي راشد الغنوشي أنه استوعب العبرة من كبوة «الإخوان المسلمين» في مصر، فإن سابقة في تجربة «العدالة والتنمية» المغربي تحيل على استقراء التطورات.
في اشتراعيات المغرب للعام 2002، التزم الحزب الإسلامي المغربي خفض مرشحيه للدوائر الانتخابية. لعله كان يضع في الاعتبار وقتذاك تداعيات الأزمة الجزائرية التي اندلعت على خلفية فوز «جبهة الإنقاذ» وتعطيل مسار الانتخابات، ما أدى بالبلاد إلى الغوص في نفق عشرية دامية سوداء. وحدث أنه في الاستحقاقات الموالية حاز مرتبة متقدمة. ولم تأت اشتراعيات العام 2011 إلا وقد احتل الصدارة وشكل الحكومة الحالية بقيادة زعيمه المعتدل عبد الإله بن كيران.
الفارق في هذه الحالات أن «الإنقاذ» الجزائرية آلت إلى الحظر وتفتيت تنظيمها ونفي بعض زعاماتها، فيما «النهضة» التونسية استفادت من تطورات مماثلة في صراع القوى كما في التجربة المصرية، وبدت أقرب إلى استيعاب جوانب من خصوصيات مسار الإسلاميين في المغرب، كونه سبق في الانتقال إلى الممارسات السياسية، بعد أن كان مجرد جماعة إسلامية يغلب عليها اندفاع الشباب وحماس فورته.
غير أن ما يميز المناخ العام الذي تطورت فيه المشاركة السياسية في المغرب، أن البلاد أقرت خطة التناوب السياسي قبل اندلاع شرارة الربيع العربي بأكثر من عشر سنوات، فقد أدركت المراجع الرسمية أن إقصاء فصائل المعارضة ليس حلاً، وأن إشراك نخبها في تحمل المسؤولية أنفع من بقائها تحت رحمة إكراهات وضغوط الشارع الذي لا قيود لحركته في الغضب والاندفاع، إذ تنغلق الآفاق والأبواب، ثم أضيف إلى ذلك حدوث تعديل جوهري في دستور البلاد غير بنيات الدولة والسلطة، من دون إراقة دماء.
تتجه تونس وهي تدخل موعداً حاسماً في استحقاقات الرئاسة، إلى الجمع بين مزايا الثورة وخصائص استمرارية الدولة. ولولا هذا التطور لما تأتّى لحزب مثل «نداء تونس» أن يزيح «النهضة» من صدارة الاشتراعيات، وهي على قدر عال من الأهمية يكاد يفوق صلاحيات النظام الرئاسي في توزيع السلطة والصلاحيات، وكيفما كانت نتائج الاقتراع، فإن الرابح الأكبر سيكون المسار الديموقراطي الذي انطلق، وإن اعترضه بعض هزات وتشنجات ذات صلة بطراوة التجربة التي تتطلب المزيد من التراكمات، كما في تطور الديموقراطيات التي لا تبدأ من فراغ.
هاجس الأمن ليس قضية عابرة، وكما انتشرت أذرع حماية صناديق الاقتراع، اختار المغرب في غير مناسبة الانتخابات، نشر قوات الجيش والأمن ضمن خطة «حذر» في مواجهة التهديدات المحتملة. وبين الحالتين هناك إصرار على اعتبار صون الاستقرار رهاناً استراتيجياً. أكان ذلك على صعيد التعاطي بوعي ويقظة وحزم مع التهديدات الإرهابية، أو في نطاق تحصين الخيار الديموقراطي الذي قد يتعرض بدوره للاختناق، في حال لم يرق إلى قناعات مشتركة بين أصناف الطيف السياسي.
في إمكان إسلاميي المغرب وتونس أن يسيروا على نحو مغاير للدفاع الذي أجهض تجارب حكم رديئة غلب عليها طابع الاحتكار والإقصاء ورفض الاختلاف. وفي وسعهم أيضاً أن يقدموا المساعدة المعنوية لشركائهم المغاربيين، خاصة في ليبيا، ذلك أن عدوى الديموقراطية أفضل من ينشر الأمل ويعاود بناء جسور الثقة. فالقوة الهادئة التي تزخر بها المجتمعات التواقة إلى التغيير الإيجابي أهم سياج يقي التجارب من السقوط في منزلقات التيه والتردد وعدم اليقين.
صون الأمن والديموقراطية بات في رتبة متقدمة، وهو إن كان يفرض اليقظة والحذر في مواجهة تنامي المخاطر الإرهابية والانفلات الأمني، فإنه على الصعيد الديموقراطي لا يتطلب أكثر من الإصغاء إلى نبضات الشارع، ولتكن بإيقاع إسلامي أو يساري أو ليبرالي. المهم أن يقول الناس كلمتهم بحرية.

*كاتب من المغرب/”الحياة”