الرئيسية / وجهات نظر / حول العلاقات المغربية البريطانية
66

حول العلاقات المغربية البريطانية

بمناسبة انعقاد مؤتمر “المغرب: بوابة إفريقيا للأعمال” مؤخراً بلندن والذي تم بمبادرة من السيد مصطفى التراب، الرئيس المشترك لمنتدى قادة الأعمال المغربي- البريطاني، اجتمع عدد من كبار رجال الأعمال من المملكة المتحدة والمملكة المغربية في قلب أهم المراكز المالية والدولية في العالم – حي المال والأعمال بلندن [City of London] . كان الهدف من هذا اللقاء هو بناء علاقات ثنائية بين بلدينا اللذين يتمتعان بعلاقات عريقة تعود لثماني قرون من المبادلات، وتقوية الالتزام المشترك بيننا وضمان نقل هذا النجاح إلى المستوى الدولي. يتفق الاقتصاديون على أن القرن الواحد والعشرين سيكون “قرن إفريقيا” حيث من المتوقع أن يواصل النمو والتنمية تقدمهما في الاتجاه الصحيح. أما فيما يخص الرساميل، فإن إفريقيا تستورد أكثر مما تصدر؛ وفي هذا الإطار فإن بريطانيا والمغرب، مطلبان بأن يلعبا سويا دورا هاما في تحفيز هذه الدينامية.
يكفي أن ينظر المرء إلى الخريطة ليعرف المزايا الجغرافية التي يتميز بها المغرب والتي تجعل منه مركزا مؤهلا وتنافسيا، غنيا بالخبرات ومنطلقا نحو الأسواق الإفريقية. بالإضافة إلى ذلك يشكل تاريخ وتجربة المملكة المتحدة عاملين من شأنهما أن يجعلا الخبرات البريطانية بمثابة الدافع القوي لهذه المؤهلات للارتقاء بها إلى المستوى التالي المفيد للطرفين؛ كما أن التوقيت لا يمكن أن يكون أفضل؛ إذ تجاوز حجم التجارة الثنائية بين المملكة المتحدة والمملكة المغربية العتبة الرمزية لـ 1 بليون جنيه إسترليني عام 2012 (أي أكثر من 13 مليار درهم). وعلى الرغم من التقلبات الاقتصادية الدولية، فإن صادرات المملكة المتحدة إلى المغرب قد ارتفعت بنسبة 40٪ في النصف الأول من عام 2014؛ هذا إضافة إلى أن المغرب يواصل تسجيل نمو قوي في الاستثمار الأجنبي المباشر مكنه من جذب 3.4 مليار دولار في العام الماضي وخصوصا في قطاع الصناعات التحويلية.

شراكة ذات أسس قوية واستثنائية

غير أن كل هذه النجاحات تبقى دون طموحات بلدينا. ففي الوقت الذي تشير التوقعات إلى ارتفاع نسبة النمو في إفريقيا جنوب الصحراء إلى 5.2% هذا العام، فإن الروابط التقليدية للمملكة المتحدة في إفريقيا الناطقة باللغة الإنجليزية، من خلال منظمة الكومنولث، والعلاقات القوية للمملكة المغربية، مع إفريقيا الفرنكوفونية، يمكن أن يخلقا معا أرضية مهمة لعلاقات وفرص عمل جديدة. إن الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين برصتي الدار البيضاء ولندن في يونيو من هذا العام تحت الرئاسة الفعلية لجلالة الملك محمد السادس من شأنها أن تربط الخبرة العالمية للندن في الأسواق المالية وكذا الإشعاع الدولي الذى يميزها، مع الديناميكية والإمكانيات التي يتميز بها قطاع الخدمات المالية المغربي. وسيمكن ذلك لا محالة الشركات المغربية بجميع أحجامها من الحصول على التمويل الذي تحتاجه للنمو وخلق فرص عمل. كما أن العمل المشترك والوثيق بين برصتي الدار البيضاء ولندن سيعمل أيضا على دعم تطوير الأسواق المالية المغربية وجعلها قطبا ماليا طبيعيا بمنطقة شمال غرب إفريقيا وخارجها.
ومن أجل تطوير البعد الدولي للشراكة بين المغرب وبريطانيا، يعمل البلدان أيضا على تقوية التعاون الثنائي في مجالات حيوية مثل التعليم والخدمات المالية والطاقة.
إن منطق تعلم اللغة الإنجليزية مع البريطانيين أصبح أمرا لا محيد عنه. لقد شهد شهر سبتمبر من العام الجاري إطلاق تجربة نموذجية لأول بكالوريا بالإنجليزية في عدد من المدارس العمومية المغربية، والذي كان ثمرة تعاون وثيق بين الحكومة المغربية والمجلس الثقافي البريطاني. في هذا الإطار، سيتم بذل كل الجهود من أجل توسيع هذه المبادرة الرائدة لإعطاء أكبر عدد ممكن من الأسر المغربية وأبنائهم الفرصة لتطوير معارفهم في اللغة الإنجليزية. إن نجاح هذه التجربة سيؤدي بطبيعة الحال إلى الولوج إلى تكوين مهني ذو جودة عالية وإلى تزويد الجيل القادم من المغاربة بالوسائل اللازمة للتغلب على المنافسة الدولية الشرسة على الوظائف في الداخل والخارج.
تعمل بريطانيا والمغرب أيضا وبشكل وثيق في مجال الخدمات المالية وخصوصا الإصلاح الاقتصادي بما في ذلك الشراكات بين القطاعين العام والخاص. ويعتبرالسوق البريطاني، الغني بتجربة تزيد عن 20 سنة، الأكثر نضجا في هذا المجال في العالم. لقد تطورت هذه التجربة بشكل خاص بفضل أشكال التمويل الرائدة في مجالات القطاع العام، بما في ذلك المدارس والمستشفيات و البنيات التحتية الخاصة بالنقل. تتوفر المملكة المتحدة اليوم على أكثر من 700 مشروع قيد التنفيذ تبلغ قيمتها الإجمالية أكثر من 50 مليار جنيه استرليني (أي حوالي 700 مليار درهم). في سبتمبر الماضي، اختار قطاع الأعمال البريطاني المغرب لإطلاق مؤتمر دولي ناجح حول التدبير المالي للموانئ مما يشكل استجابة مباشرة إلى الأولوية التي يوليها المغرب لتطوير قطاع الملاحة البحرية على ضوء الإمكانيات التي توفرهما الواجهتان الطويلتان المتوسطية والأطلسية.
إن الجهد المبذول في هذا العمل المشترك لا يضاهيه سوى التعاون الوثيق في المجال المتنامي لقطاع الطاقة بالمغرب. وإذا أردنا أن نأخذ مثالا واحدا في هذا المجال، فإن كلا البلدين يتقدمان بخطى جريئة نحو تحقيق الأهداف الطموحة في مجال الطاقات المتجددة. لقد كان رواد قطاع الطاقة المتجددة بالمغرب حاضرين بقوة في مؤتمر لندن؛ كما سيقوم المبعوث التجاري الخاص لرئيس الوزراء البريطاني، اللورد شارمان، في وقت لاحق من الشهر الجاري بزيارة للمغرب على رأس بعثة تضم خبراء بريطانيين في مجال الطاقات المتجددة وذلك لبناء علاقات جديدة ومستدامة في مجالات الطاقة الريحية والشمسية وإدارة النفايات والنجاعة الطاقية.
لقد قطعت العلاقات المغربية البريطانية شوطا طويلا خلال تاريخهما المشترك الذي يمتد على مدى 800 عام. لكن الأمر لا يعتبر وليد الصدفة؛ بل راجع أساسا لتخطيط الملكيات على المدى الطويل جدا. وإذا كانت سرعة التغيير التي يتميز بها القرن 21 تفرض مخاطر وتحديات إضافية، إلا أنها توفر أيضا فرصا واسعة وجديدة. ولذلك فإن بلدينا ملتزمين أكثر من أي وقت مضى على الرفع من مستوى علاقتنا لنضمن كونها في مستوى لائق لمواجهة هذه التحديات وإعادة اكتشاف الصداقات القديمة وبناء صداقات جديدة على طول الطريق

*مقال مشترك من توقيع السيد كلايف ألدرتون، السفير البريطاني بالمغرب، والأميرة الشريفة للا جمالة العلوي، سفيرة المغرب لدى المملكة المتحدة/”العرب”