الرئيسية / وجهات نظر / مركزية الصحراء المغربية في خطاب محمد السادس
ALAWI

مركزية الصحراء المغربية في خطاب محمد السادس

كان خطاب الملك محمد السادس في السادس من نوفمبر 2014 مليئا بالرسائل المتسمة بالقوة والوضوح والتركيز. خطاب لا شيء فيه مرهون للصدفة أو الضبابية. جاء كاشفا للحقائق في الذكرى 39 للمسيرة السلمية التي استرجع بها المغرب صحراءه من يد المستعمر الأسباني في العام 1975.
الرسالة الأساسية، تقول إن الأقاليم الجنوبية المغربية يسري عليها القانون المغربي، وتحظى برعاية الدولة المغربية. وتنخرط، كمثيلاتها الشمالية، في عملية الورش الإصلاحية والتنموية والحقوقية. فهي ممهورة بطابع “المَغْربة” ككل الأرض المغربية، وأي شيء غير هذا يعتبر لاغيا بالقطع.
رفع المغرب تحديات عدة بالأقاليم الجنوبية منذ استرجاعها، تتراوح بين التنموي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والحقوقي. كانت الصحراء قاحلة لا شيء تحتويه سوى البشر والرمال وبعض البنايات المتهالكة. تضامن المواطن المغربي في الشمال مع أخيه في الجنوب. تضامنا ماديا ومعنويا شكل قاطرة رفعت الأقاليم الجنوبية إلى مصاف المدن المتطورة.
إنها حقيقة وقف عليها كل من زاروا الأقاليم سابقا، وعادوا ليندهشوا من مستوى ما وجدوها عليه. لا مبالغة في الأمر فحاضرة الصحراء تناطح مدن الشمال في كل مقومات المدنية الحديثة من بنية تحتية وخدمات وتقدم عمراني، ولم تعد الصحراء كما كانت منذ استرجاعها.
التنمية والمستوى الاقتصادي الذي وصلته المدن الجنوبية بالمملكة، لم تأت صدفة وإنما من أموال المغاربة. ميزانيات ضخمة ضختها الدولة المغربية من جيوب المواطنين، فالمغاربة “تحملوا تكاليف تنمية الأقاليم الجنوبية. لقد أعطوا من جيوبهم، ومن رزق أولادهم، ليعيش إخوانهم في الجنوب، في ظل الكرامة الإنسانية” كما يقول الملك محمد السادس.
وفي عملية حسابية توضح ما قدمه المغاربة لأجل أن تتطور الأقاليم الصحراوية إلى ما هي عليه الآن من تمدن وعمران وتنمية على جميع المستويات، وبشفافية بالغة عدَّدَ محمد السادس، الكلفة المادية التي تم ضخها في الصحراء منذ استرجاعها، “مقابل كل درهم من مداخيل المنطقة، يستثمر المغرب في صحرائه 7 دراهم، في إطار التضامن بين الجهات وبين أبناء الوطن الواحد”.
لم يبق للمزايدين، في الداخل والخارج، ما يقولونه حول هذه الحقيقة الماثلة أمام الجميع. وهي مزايدات ما فتئ هؤلاء يرددونها بأن المركز يستنزف ثروات الصحراء، كلام للاستهلاك السياسي لا أقل ولا أكثر. فمؤشرات التنمية البشرية بالمنطقة، كما يقول العاهل المغربي سنة 1975، كانت أقل بـ6 بالمئة من جهات شمال المغرب، وبـ51 بالمئة مقارنة بأسبانيا.
التحديات الاقتصادية والأمنية والسياسية بعد استقلال الصحراء، لم تخلُ من سقطات في التدبير والحكامة الجيدة، نتيجة بعض السياسات غير العقلانية التي رشحت مع مرور الوقت، ما يتطلب التعامل بحزم ومسؤولية مع كل من لا يحسن استعمال سلطة تدبير مداخل ومخارج القضية الأولى للمغاربة قاطبة على كل المستويات.
هنا تأتي الرؤية الواقعية والبعيدة المدى التي انتهجها المغرب في التعاطي مع مشكل الانفصاليين الذين تدعمهم الجزائر ماديا ولوجيستيا. لا مكان لمن يستغل وطنه، وخيانة الأمانة هي من جعل البعض يتاجرون بقضية الوطن ويبيعون ولاءهم للآخرين، ويسترزقون بالريع والامتيازات.
قدم المغرب حل الحكم الذاتي الموسع، لكن الخصوم وضعوا عدة عراقيل لكي لا يتقدم هذا المقترح على طاولة المفاوضات، وحتى لا يتم تفعيله على أرض الواقع. جاء الخطاب الملكي في مقدمته متحدثا عن “الجهوية الموسعة” كبوتقة تنصهر فيها كل مكونات الهوية المغربية دون انفصال بينها.
وقد أعلن الملك على أنه سيتم تفعيل “الجهوية الموسعة” في السنة القادمة 2015 إداريا وتنمويا واقتصاديا وحقوقيا. والهدف هو القطع مع كل تسيب ولا مسؤولية في تدبير الوضع بالأقاليم الجنوبية اقتصاديا وتنمويا وحقوقيا.
كان تمديد ولاية بعثة “المينورسو” حتى أبريل 2015 دون التنصيص على آلية مراقبة حقوق الإنسان بالصحراء المغربية هو فشل ذريع لمروجي المخطط الجزائري التقسيمي الذي يمس بسيادة المغرب على أرضه. لكن إلى متى نبقى تحت رهن برامج وخطط تسعى إلى تمرير وضع لا يخدم الاستقرار بالمنطقة.
رفض المغرب قرار التمديد “للمينورسو” بإعطائها الحق في مراقبة حقوق الإنسان بالأقاليم الجنوبية، له اعتبارات سيادية محضة. وهنا يرفض الملك، أي محاولة لمراجعة مبادئ ومعايير التفاوض، ولأي محاولة لإعادة النظر، في مهام “المينورسو” أو توسيعها، بما في ذلك مسألة مراقبة حقوق الإنسان.
إن موضوع حقوق الإنسان بالمغرب هو رهان حقيقي للدولة المغربية، وهي ذاهبة بالفعل نحو تطوير نفسها تنمويا وديمقراطيا واجتماعيا. لكن دون الحديث عن حقوق وقع تسييسها لجهة معادية مصلحتها استغلال مبادئ نبيلة لإشاعة الفوضى بالداخل المغربي ومحاولة تقسيمه.
وحتى يتم ضبط التعامل مع قضية الصحراء أمميا، اعتبر العاهل المغربي أنه لا يجب تحييد الجزائر كطرف مسؤول في هذا النزاع. حتى يسهل تحميل المسؤوليات بلا محاباة.
فقد ثبت أن الجزائر توظف “البوليساريو” أداة لحربها ضد المغرب واستنزاف مجهوداته وميزانيته. بالتالي فإن “البوليساريو” تابعة لدولة الجزائر وهي حركة انفصالية يجب التعامل معها على هذا الأساس. الكل بات يعرف أن الجزائر قاهرة لأي حل سلمي لأزمة الصحراء المغربية المفتعلة والتي دامت أكثر من اللزوم، وطرف متطرف في عرقلة تفعيل الصيغة التي طرحها المغرب في العام 2007 تمثلت في حل الحكم الذاتي الموسع. حل أعلن الملك بأنه السقف الأخير في سلسلة مقترحاته لإيجاد صيغة سلمية مقبولة وعادلة لهذا الملف.
وفي قراءة لرسائل العاهل المغربي في خطاب المسيرة الخضراء، نجد أنها تذهب في اتجاه التأكيد والإصرار على أن الحل السياسي بالصحراء يكون مقبولا عندما لا يتضمن أي مساس بالسيادة والوحدة الترابية.
فالواضح أن اللوبيات المناهضة لمصالح المغرب، والتي تتحرك بدعم البترودولار الجزائري تسعى بكل قوتها لاعتماد أي تقرير من داخل مجلس الأمن تكون فقراته متحيزة لأطروحة الانفصال عن المغرب. والخطاب الملكي أشار بوضوح إلى أنه “لا لمحاولة تغيير طبيعة هذا النزاع الجهوي، وتقديمه على أنه مسألة تصفية الاستعمار. فالمغرب في صحرائه، لم يكن أبدا قوة محتلة، أو سلطة إدارية، بل يمارس صلاحياته السيادية على أرضه”.
مازالت المملكة ملتزمة دوليا بالتعاطي مع كل أشكال تهديد السلم الدولي، تعمل جاهدة في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة والمخدرات وتهريب السلاح والمتاجرة في البشر. لهذا لا يمكن التعامل معها بمكيالين. تثمين خطواتها من جهة، ومحاولة هضم جزء من ترابها من جهة ثانية. خدمة لحسابات سياسية فيها الكثير من المحاباة والكثير من التعدي على السيادة المغربية. فرسالة الملك محمد السادس تقول إن الصحراء مسألة وجود بالنسبة للمغاربة قاطبة.

*كاتب مغربي/”العرب”