الرئيسية / وجهات نظر / الدور القادم على ليبيا
32802bdd10b0ab60ca58567321b7c09d

الدور القادم على ليبيا

 

باحتياطياتها النفطية البالغة 4.48 مليار برميل، واحتياطياتها الغازية البالغة تريليوناً و506 مليار متر مكعب، فإن ليبيا مرشحة بقوة لأن تكون الهدف القادم لميدان الحرب الأمريكية الأطلسية، لتعظيم فداحة وهول الفوضى الهدامة التي استنتها الطبقة السياسية الأمريكية ومؤسستها الحاكمة، لتأمين استمرار الزعامة والهيمنة الأمريكية على العالم الذي مازالت منطقة الشرق الأوسط تشكل “رصيداً استراتيجياً” (بترولياً وغازياً واقتصادياً واستثمارياً) للإمبراطورية الأمريكية.
فلقد تحقق المراد من المرحلة الأولى للخطة، وذلك بإيقاع ليبيا في حبائل الفوضى الهدامة بعد النجاح في تصنيع “ربيعها”، والدفع بعوامل التفجير الداخلية والخارجية في العملية التي أعطيت شيفرة غير معروفة بعد، التي انتهت بإطاحة نظام القذافي، وتدمير بنية ومؤسسات الدولة الليبية، وإطلاق يد الدهماء للانقضاض على التركة، وتدشين حرب الطوائف والقبائل والجهويات، بمنابت عصبياتها المختلفة، وبمشاركة رئيسية من القوى الظلامية التي جيء بها خصيصاً لإنجاز هذه المهمة “النبيلة”!
لما كان ذلك، فمن غير المستبعد أن تقود واشنطن التحرك قريباً لتوسيع دائرة النار. فتبدأ بتوفير الغطاء اللازم لشرعنة التدخل الحربي. والأرجح أن تقوم بذلك عبر لندن ومندوبها الدائم في مجلس الأمن، كما جرت العادة، أو باريس المتحفزة ومندوبها الدائم في المجلس، أو عبر العاصمتين ومندوبيهما الدائمين معاً. فيتوليان إعداد وصياغة مشروع القرار، وتقديمه لمندوبي الدول الأعضاء في المجلس، وفحواه إدراج أنصار الشريعة (الفرع الليبي لتنظيم القاعدة) على لائحة الإرهاب الدولي لمجلس الأمن المخول بموجب البند السابع لميثاق الأمم المتحدة الذي سيُؤسس عليه القرار، لاستخدام القوة ضد هذا التنظيم والمجموعات الإرهابية التي تدور في فلكه، وتنشط على الساحة الليبية. علماً بأن لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي قد وضعت يوم الثلاثاء 23 سبتمبر/ أيلول 2014 جماعة أنصار الشريعة في تونس على قائمتها السوداء للإرهاب الدولي.
ولأن الأمر اقتصر على فرع التنظيم الإرهابي للقاعدة في تونس، فقد طالبت فرنسا بإدراج تنظيم أنصار الشريعة الليبي على لائحة مجلس الأمن الدولي للتنظيمات الإرهابية، حسبما أعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الذي وصف (لاحظ مفردات التسخين) ليبيا بأنها “بؤرة للإرهاب”، وقال بوضوح لا لبس فيه “نحن نواجه تحدي إيجاد السبل والوسائل لإنهاء ما أصبح بؤرة للإرهاب في ليبيا”. جاء ذلك أثناء اجتماع “رفيع المستوى” في الأمم المتحدة خُصص للشأن الليبي عقد الخميس 25 سبتمبر ،2014 أي بعد يومين فقط من قرار المجلس إدراج أنصار الشريعة فرع تونس على لائحته السوداء.
ما الذي يعنيه هذا؟ إنه يعني ببساطة أن الحروب المتنقلة، صارت، بالنسبة للولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين التابعين، إحدى أنجع وأسرع وسيلة لفتح قطاع أعمال ذي تأثير فعّال على محركات بعض قطاعات الإنتاج الحربي والمدني، ومردود مالي سريع، للتغلب على المأزق المالي الهيكلي الذي تعانيه اقتصاداتها، والتغلب على فجوة التنافسية التي باتت تفصلها عن منافسيها الصاعدين في آسيا وأمريكا اللاتينية. وإلا لو كانت أمريكا وشريكاتها الأوروبيات الغربيات، تنشد بإخلاص إشاعة الديمقراطية وحقوق الإنسان في بلدان “فوضتها الخلاقة”، لكان باستطاعتها تجنب هذا الخيار الكارثي المدمر الذي يبدأ عادة بخلق البعبع والنفخ في قدراته، لإبراز وتضخيم أخطاره ومداها الزمني، وصولاً إلى المبتغى، وهو رفع فاتورة “مقاولة” تخليص ضحاياه المباشرين والمحتملين من شروره، ل”حلب” الخزائن الممولة واستقطاب الآلة العسكرية للدول المدعوة للمشاركة في الحرب الجديدة لاستنزافها وإجبارها على سرعة تعويض وتجديد مخزونها التسليحي، وذلك بأن تعمد واشنطن وحلفاؤها إلى حشد موقف دولي مشرعن في الأمم المتحدة لممارسة نوع من العزل السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، وحتى الرياضي، ضد نظام معمر القذافي والنظم الشمولية الأخرى المماثلة، لإجبارها على الانصياع لاستحقاقات العدالة الدولية ومعاييرها الناظمة والحاكمة.
فبالإضافة إلى أن هذا الخيار منعدم التكلفة المالية والبشرية تقريباً، فضلاً عن عدم تعريض الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي لخطر الاهتزاز والتوتر، فإن من المؤكد أنه أكثر فاعلية من “خلطة الفوضى الخلاقة” المتبوعة بالعمل الحربي الكارثي النتائج، كما دلت على ذلك التجربة في غير موقع استهدفته واشنطن وتابعياتها الأوروبيات. فهو سيجبر، في نهاية المطاف الذي لا ريب في استغراقه وقتاً أطول من مقاربة الفوضى المشاعة وحربها الملحوقة، على التوقف عن عنادها وتصلبها والشروع في إحداث إصلاحات، بغية تحسين صورتها وسجلها واستعادة مكانتها، على نحو ما فعلت الطغمة الحاكمة في ميانمار، حين اشتد خناق العزلة الدولية عليها.
بيد أن عيباً “شرعياً” يكتنف هذه المقاربة، ويتمثل في أنها لا تولّد مصالح أعمال (بيزنس)، من وجهة نظر واشنطن وتابعياتها الأوروبيات، كما تفعل مقاربة “الفوضى+الحرب”. وهذا بالتحديد ما يفسر تفضيل واشنطن لإقامة أوثق العلاقات مع النظم الشمولية.
علاقات تتقدم فيها المصالح على كل ما عداها من مواثيق ومعايير ناظمة لعلاقات الدول بمجتمعاتها وعلاقات الدول ببعضها بعضاً.. إلى أن يقرر تراكم تقارير ودراسات مراكز الأبحاث إدخال تعديل على الاستراتيجية يملي على “المؤسسة” تحويل دولة النظام الشمولي الصديق لعلاقات المصالح الأمريكية إلى دولة متشردة.
وحين نقول إن الوقت قد أزف لإضافة ليبيا إلى “منطقة الامتياز” الحربي الذي فازت واشنطن وتابعياتها الأوروبيات بمناقصته، فإنما نستنبط هذا الحدس من بعض الإشارات الأولية التي بدأ يرسلها تحالف الحرب العالمية الثانية على الإرهاب، فيما خص حالة التشرد والتفلت التي انتهت إليها ليبيا بعد انتهاء المرحلة الأولى من الاستراتيجية بنجاح تام، حيث صارت “الفوضى الخلاقة” الليبية تقارب قريناتها العراقية والسورية. هذا في حال لم تؤخر بعض الحسابات اللوجستية والتمويلية، لبعض الوقت، نقل ليبيا إلى غرفة العمليات الحربية الجارية في العراق وسوريا تحت قيادة هيئة الأركان الأمريكية، وإسناد أطلسي رمزي.

“الخليج” الإماراتية