الرئيسية / وجهات نظر / طرابلس العاصمة المختطفة
b3b711b72caf6ab488c6f107050cdd3f

طرابلس العاصمة المختطفة

تُشيع الميليشيات التي سيطرت على العاصمة الليبية، وطردت الحكومة الشرعية منها، أنها استطاعت فرض الأمن والنظام وتوفير الحماية لسكان العاصمة، وقد صدقها بعض الناس، لأنهم كما يقولون يسيرون في شوارع طرابلس، ويعودون متأخرين ليلا إلى بيوتهم سالمين، وهو أمر يحدث، فليس كل من تجول في الشارع وعاد إلى بيته يعيش حياة آمنة، فلا أمن في مدينة تعيش تحت سيطرة ميليشيات مسلحة، لأن مكتسبات الحضارة هي دولة وقانون وحكومة تتولى تطبيق القانون، وهذا كله مفقود في مدينة تحكمها عصابة أو ميليشيا مسلحة.
سمعنا عن أناس يموتون قتلا، على أيدي أفراد هذه الميليشيات، التي أعلن مجلس النواب الليبي قرارا يدمغها بالإرهاب نتيجة ما قامت به من استباحة لأمن الناس في العاصمة ولممتلكات الدولة فهل رأينا عنصرا واحدا، بعد كل ما حصل من دمار وسفك للدماء وتهجير للبشر، من عناصر هذه الميليشيات، يتم تقديمه للمحاكمة؟ أو أنزل به أي نوع من العقاب نتيجة ما ارتكب من إجرام؟ ومنذ يومين، فقد كاتب كبير من أدباء ليبيا ورئيس سابق لاتحاد كتابها هو أمين مازن، ابنه فيصل، على أيدي هذه الميليشيات، فهل سمعنا أحدا جاء معتذرا لأديبنا؟ وهل سمعنا أحد رؤساء الميليشيات يعد بأنه سيجري تحقيقا في ما حدث وإنزال القصاص بالجاني؟ ثم نسمي ذلك أنه أمان هذا الذي يحدث في طرابلس، وهي تعيش تحت رحمة عصابات مسلحة.
وسأضرب مثلا عن فهم الناس القادمين من مجتمعات أكثر حضارة لمعنى الأمان، وسأختار كاتبا مسرحيا وشاعرا معروفا من بريطانيا اسمه آدريان ميتشل، وكنت شريكا معه في عمل مسرحي، وأردت أن أكسبه وأكسب قلمه لصالح بلادنا، فانتهزت فرصة انعقاد مؤتمر أدبي في ليبيا، ودعوته للمشاركة، فجاء رده بالرفض، ليس اعتراضا على النظام السياسي القائم في ذلك الوقت، وليس نتيجة لموقف أخلاقي، وإنما لسبب واحد هو الحفاظ على سلامته الشخصية، ولأن فهمي للأمان منبثق من البيئة التي عشت فيها، فقد استغربت هذا الاعتراض قائلا بأن ليبيا بلد آمن يخلو من العصابات، ومعدلات الجريمة ليست أسوأ من بلاده بريطانيا، فقال إنه قرأ أن النظام الليبي، لا يتردد في التقاط زائر أجنبي والقبض عليه وإيداعه السجن، إذا حصلت مشكلة مع دولته، وضرب مثلا بأن رجلا من ليبيا من المحسوبين على النظام سجنته ألمانيا، لارتكابه أمرا يخالف القانون، فأسرعت ليبيا بالقبض على اثنين يحملان الجنسية الألمانية يقيمان في ليبيا، ووضعتهما في السجن دون ذنب، لكي تبادل بهما المجرم الليبي التابع للنظام. وهو حادث حصل ونقل عبر الإعلام، وقرأه آدريان ميتشل في صحيفة يثق في صحة معلوماتها.
وهكذا رأى هذا الكاتب أن الاعتداء بلا سبب على حرية إنسان بريء وإيداعه السجن لاستخدامه في مساومة سياسية، يجعله لا يأمن إلى أن يزور مثل هذه البلاد. وقد حدث هذا الموضوع منذ ربع قرن، وقد رحل ذلك النظام غير مأسوف عليه، كما رحل الشاعر البريطاني رحمه الله، ولكن هكذا هو النظر إلى الأمان الذي كنا نراه مستتبا، فما بالك بحالة بلادنا اليوم، حيث لا قانون ولا نظام، ولا شيء غير الفقر الروحي والفقر العقلي، ورجال يصح فيهم تعبيرا قرأته أخيرا يقول بأن لهم رؤوسا “لم تمارس عناء التفكير”، فأضاعوا أنفسهم وأضاعوا بلادهم.
ما حدث في طرابلس من استيلاء الميليشيات عليها يعني استمرار الفوضى وتغييب الدولة، وعرقلة إقامة المؤسسات الدستورية، وإنهاء الفترة الانتقالية، وصولا إلى مجتمع الأمن والاستقرار، وأكثر من ذلك فإن اختطاف العاصمة الليبية، سيساعد على استفحال الجماعات الإرهابية التي تتخذ ليبيا مركزا لنشاطها. إن أي جهد إقليمي أو عالمي لمحاربة الإرهاب في ليبيا، يجب أن يبدأ بإنهاء الحالة التي تعيشها طرابلس، وسرعة عودتها إلى حضن الدولة، وعودة الحكومة الليبية إلى العاصمة، وعودة مجلس النواب إلى ممارسة اختصاصاته.
انتهت مهمة المندوب الأممي طارق ميتري، دون الوصول بالبلاد إلى الاستقرار، بل تفاقمت هذه المشاكل مع وجوده، ليس بسبب سوء أدائه، لأنه بذل جهدا نجح حينا مثل إدارة الانتخابات، وأخفق أحيانا كثيرة، واستلم الآن مهمته مندوب جديد هو الأسباني بيرناردينو ليون الذي يجب أن يحظى بالدعم الدولي والإقليمي من أجل إنجاز المهمة المكلف بها وهي إعادة الاستقرار في ليبيا، وهذه المهمة تبدأ بإعادة العاصمة إلى حضن الدولة، حتى لو استدعى الأمر الاستعانة بقوة أممية.
*كاتب ليبي/”العرب”