الرئيسية / وجهات نظر / رئاسيات تونس انتخابات ستحكمها الاتفاقات
d9aedce8dec921f6ec51838fa5a2da40

رئاسيات تونس انتخابات ستحكمها الاتفاقات

لا مناص أنّ جلّ الأحزاب السياسية التونسية، قد جهّزت قائماتها وبرامجها للانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، وأطلقت العنان من هنا وهناك للتشويش على منافسيها ببث الإشاعة أو بالحفر في ماء يراه المُستَهدَفُ عكرا، وهذا مُحتمل وجائز في اللعبة الديمقراطيّة الناشئة إلى حدود.
أمّا الجائز، وغير المحتمل، في مثل المشهد التونسي الضبابي بطبعه اليوم؛ فيتمثّل في التوافق على عدم التوافق، أو التوافق لكي لا يتمّ التوافق. لعبة تضادّ محبوكة التفاصيل، طرفاها حزب النهضة (المحسوب على الإخوان) من جهة، وحزب نداء تونس (العلماني) من جهة أخرى.
لعبة بدأت تفاصيلها في التشكّل مذ أعلنت النهضة أنّها أسقطت قانون العزل السياسي وأنها لن تقف حجر عثرة في وجه رموز النظام السابق إذا ما ترشحوا للانتخابات المقبلة.
هذا الموقف الذي تراءى للبعض أنّ النهضة “أُجبرت” على اتّخاذه، بدا في حينه “انتصارا مُدوّيا” لمُريدي النداء الذي كان رئيسه الباجي قائد السبسي، المعني الأول بقانون الإقصاء. غير أنّ هذا “الانتصار” ما فتئ اليوم يكشف عن براثن مأزق آتي المفعول، عمدت إلى حبكه النهضة عن وعي تُحرّكه دوافع رئيسية ثلاثة هي الآتي:
أوّلا، وعيها المُسبق بثقل الزخم الانتخابي للحزب الحاكم السابق المنحل (التّجمع) وإمكانية انجذابه صوب السبسي الذي ترشّح للرئاسيّة، ممّا يُمكّنُه من فوز مريح إذا ما كان المرشّح الأوحد الناطق باسم الفكر الدستوري البورقيبي. ولذلك تركت الباب مفتوحا أمام باقي “الدساترة” كي يترشحوا وبالتالي تتشتت أصوات ناخبيهم وتقل حظوظ فوز السبسي.
أمّا ثانيا، فقد أسهم “الهاجس″ المصري، والخوف مما ناله إخوان القاهرة من مصير “مخز″ جراء تعنتهم السياسي، في بلورة رعب مُضاعف دفع النهضة إلى تركيز جلّ حساباتها من أجل غلق الباب أمام أي سيناريو مماثل يمكن أن يعصف بوجودها، بما في ذلك إمكانية جمع السبسي بين الرئاسة والثلث المُعطّل في البرلمان ممّا يمنحه صلاحيات أوسع.
أمّا ثالثا، فلأنّ النهضة واعية منذ البداية بألاّ مرشّح (يتمتع بشعبية طائلة لدى عموم التونسيين) لديها يمكن أن تخوض به غمار الرئاسيات، فقد ركّزت جهودها لعرقلة المرشحين الآخرين، الذين تتوجس منهم، والتقليل من حظوظهم، على أمل أن تجد حلاّ لهذه المعضلة.
الحلّ الذي كشفت عنه النهضة، مؤخرا، هو “التوافق” حول رئيس قادم للبلاد، بما يعنيه هذا “التوافق” من تعطيل للآليات الانتخابية الأقرب إلى تجسيد الديمقراطية الحقيقية التي تسعى إليها تونس بخطى متعثرة لكنها ثابتة. توافق ملغوم ظاهره نقيّ مدبوج بشعارات الوحدة الوطنية وإعلاء المصلحة العليا للبلاد، وثاويه يُجسّد ملامح الأزمة المضمرة التي سبق أن عرضنا دوافعها.
هذه الأزمة المُفتعلة وإن غابت تجلياتها عن الجميع في حينها، إلاّ أنّ السبسي، بما خُوّل له من مصادر معلومات ومعطيات، تدارك الأمر لصالحه الشخصي ووقف على محاذيرها على ما يبدو. فإعلانه عن ترشحه للرئاسية، بعد تناقل مصادر متنوعة أخبارا مفادها أنّه تمّ الاتفاق مع الحزبين الكبيرين التونسيين (النداء والنهضة) بـ”إيعاز أميركي” على تقاسم السلطة واكتفائهما بما سيحصدانه في التشريعية وعدم تقديمهما لمرشحين للرئاسية، جاء ليبعثر الأوراق من جديد، ويرفع من هواجس النهضة إلى درجة التأهّب القصوى.
غير أنّ هذا السيناريو المحسوب لدى بعض الدوائر الإقليمية والدولية المهتمة بالشأن التونسي، بدا يكشف عن ورقة أخرى، تتعلّق بدعم أحد مرشحي الرئاسة “الدساترة”، مقابل تنازل السبسي لصالح هذا الخيار (وما لتسريب ملفه الصحي في هذا التوقيت بالذات من دلالات).
الأسماء الأقرب إلى الطرح، تتراوح بين كمال مرجان، وزير خارجية بن علي السابق، رجل يُشهد له بكفاءته، والمنذر الزنايدي وزير الصحة في النظام السابق، (عاد مؤخرا إلى البلاد واستُقبل استقبالا “شعبيا” في مطار تونس قرطاج). إضافة إلى مصطفى كمال النابلي، محافظ البنك المركزي السابق، نظرا لكفاءته وما يحظى به من “دعم فرنسي” لم يعد خافيا، حسب مراقبين.
هذا المخاض الانتخابي العسير الذي يتسم بتداخل الأجندات والتوازنات الداخلية والخارجية وتشابكها، إضافة إلى ما أضفته التسريبات والمواقف، التي تتغير بشكل دراماتيكي، من ضبابية كثيفة على المشهد السياسي المرتقب، يصعب معهما الجزم في هوية الرئيس القادم لتونس، في انتظار ما ستسفر عنه الانتخابات أو ربما “الاتفاقات”.
“العرب”