الرئيسية / وجهات نظر / المغرب – الجزائر: أحجية الحدود المغلقة
0a4fe8f04486cb6903b63aa3b61294f1

المغرب – الجزائر: أحجية الحدود المغلقة

“مهما كان حجمُ هذا الخلاف، فإنه لا يبرر استمرار إغلاق الحدود”. هكذا اختصر العاهل المغربي محمد السادس مأساة إغلاق الحدود البرية بين بلاده والجزائر. لا يفصحُ الجزائريون، حكومة ونخبا وإعلاما، عن سرّ التمسك بإغلاق الحدود. مرّ عشرون عاماً على الحدث ولم تنفع الوساطات أو نداءات العاهل المغربي في تبديل مزاج الجزائر في هذا الصدد. الأمرُ خسارة اقتصادية للبلدين، يعطلُ سهولة انسياب الأفراد والبضائع، ويعرقلُ طبيعية التواصل بين المغاربة والجزائريين، لاسيما سكان البلدين المنتشرين على طول تلك الحدود (1959 كلم).
منذ عقدين، وبالتحديد في شهر أغسطس من عام 1994، أغلقت الجزائر حدودها البرية مع المغرب، بعد أن اتهمت الرباط المخابرات الجزائرية بالوقوف وراء هجوم إرهابي على فندق “أطلس أسني” بمراكش. الهجوم أسفر حينها عن مقتل سائحين إسبانيين، وجرح سائحة فرنسية. فيما تبيّن أن من قام بالاعتداء هم ثلاثة فرنسيِين من أصول جزائرية.
عقب هذا الهجوم فرض المغرب تأشيرةً على الجزائريِّين. ردت الجزائر بالمثل، وذهبت أكثر من ذلك بإغلاق الحدود البرية، وهو إجراء ما زال ساري المفعول حتى أيامنا هذه. وعلى الرغم من أن العالم تغيّر خلال هذين العقدين، وأن عالمنا العربي يمر بأنواء تتجاوزُ علل عام 1994، فإن الخطابَ الجزائري ما زال متعنتاً في شأن إغلاق ملفٍ أصبح، واضحاً، أنه بات من الكلاسيكيات البليدة لآليات العلاقة بين البلدين.
تحدثت الصحافة المغربية مؤخراً عن تعاونٍ أمني يجري بين أجهزة البلدين لرصد حركة القاعدة في المنطقة، ومراقبة حركة المغاربة والجزائريين الذين ينضمّون إلى داعش. قبل ذلك دفعت الجزائر ثمناً قاسياً (هجوم عين آمناس) جراء حالة العبث التي خلّفتها سيطرة الجهاديين على شمال مالي، قبل أن تتدخل فرنسا في ذلك البلد. ظهر جلياً أن الجزائر والمغرب، يتعرضان لنفس الأخطار الأمنية، وأن مصلحة البلدين المنطقية تكمنُ في المزيد من التعاون، في مجالات الأمن على الأقل.
تدافعُ الجزائر عن موقفها من مسألة إغلاق الحدود بأن الأسباب أمنية لرد تسلل الإرهاب إلى أراضيها، فيما الإرهاب يأتيها من أصقاع ونواح أخرى. وعلى الرغم من هذا التدبير الأمني، ربما اللا مثيل له في العالم، تتهمُ الجزائر الرباط بالعمل على إغراق الجزائر بالمخدرات، ما يعني اعترافا جزائرياً أن إغلاق الحدود البرية لم يحلْ دون رواج التهريب، بما في ذلك تهريب المخدرات جدلاً. في المقابل يتهمُ المغرب الجزائر بالعمل على إدخال حبوب الهلوسة إلى أراضيه، كما إغراق البلد بالمهاجرين الأفارقة عبر تلك الحدود، بما يعكس وصول الجدل بين البلدين إلى درك سفلي مقلق.
تقتضي المقاربةُ الأمنية منطقياً فتحَ الحدود لوقف استحداث معابر غير شرعية يستخدمها المهربون، كما تقتضي الإشراف المشترك المتعاون بين البلدين على تلك الحدود المشتركة المفتوحة. لكن طالما أن إغلاق الحدود أضحى مسلّمة جزائرية، فإن أمر ذلك لا يدخل في تصنيفات المنطق والعقل.
يستنتجُ المراقب أن الجزائر، بنظام حكمها الراهن، غير راغبة، وربما غير قادرة، على إنجاز أي تطوّر يطالُ ملف الحدود البرية مع المغرب، ذلك أن البلدَ عاجزٌ عن تجاوز عقدة العلاقات الشاملة التي تتجاوز تفصيل الجانب الحدودي مع المغرب. يستنتجُ المراقب أن الجزائر تجرُّ منذ الاستقلال (عام 1962) نفس النظام السياسي الذي قاده حزب جبهة التحرير الوطني، وإن تغيرت أسماء واستحدثت الأحزاب، وتجرّ نفس العقلية في مقاربة الشأن المغربي منذ حرب الرمال (عام 1963) وحتى الآن. ويستنتجُ المراقب أن توازن النظام الجزائري يقوم على “ثابتة” التوتر مع المغرب، لدواع ومبررات ملتصقة بالتركيبة العضوية للنظام وأركانه.
ويستنتجُ المراقب أن عجز النظام الجزائري عن تجديد الطبقة الحاكمة وتخلّفه عن تحقيق تناوب حقيقي على السلطة، يفسر هذا العقم المقلق في إجتراح سياسات خلاّقة جديدة تحاكي شروط الراهن، بالتالي الإخفاق في الخروج بخلاصات تتجاوز تلك التقليدية البليدة في مقاربة العلاقة مع الجار المغربي.
من جهته، يستمرُّ المغرب في إبراز اختلاف نظامه عن نظام الجار الجزائري. انتقل البلدُ من ملكية جامدة مطلقة، إلى مسار باتجاه الملكية الدستورية الكاملة. فتح الملك الحسن الثاني الفضاء السياسي في تسعينات القرن الماضي، ما أتاح تناوبا حكومياً أتى بخصوم الملك التاريخيين إلى السلطة. انطلق الملك محمد السادس أبعد من ذلك، منتهجاً درب المراجعة التاريخية والأخلاقية للنظام السياسي في بلاده، وصولاً إلى دفعِهِ بإصلاحات دستورية أتت بحكومة منتخبة لإدارة البلاد. في ذلك أن المغرب الملكي يمارسُ مزاجاً جمهورياً، فيما الجمهورية في الجزائر تنحرف باتجاه ملكية تمارس حكم الرجل الواحد الذي لا بديل له.
قيل الكثير عن الأسباب الجذرية لهذا الخلاف. قيل أن دولة الاستقلال في الجزائر أنتجت نظاماً انتهج خيارات يسارية اشتراكية اقتربت من المعسكر الاشتراكي والناصرية والعالمثالثية، فيما الخيارات المغربية الملكية انتهجت مسالك ليبرالية متحالفة مع الغرب ودول الخليج. وقيل أن لبّ الخلاف يعودُ إلى العبث الذي ارتكبه الفرنسيون أيام الاحتلال، لجهة اقتطاع منطقة تندوف المغربية وضمها للجزائر، ما أوجد لغماً فجّر حربا في الستينات، وقاد إلى ما يشبه القطيعة حتى يومنا هذا. ثم قيل ما قيل عن استفادة الدول المعنية بالمغرب العربي، فرنسا، أسبانيا، الولايات المتحدة وغيرها، من تلك العّلة المغاربية التي تمنعُ اتحاداً وتبعد قوة تخشاها تلك الدول.
انتهت الحربُ الباردة واندثر المعسكر الاشتراكي وذابت العالمثالثية. غاب ناصر والناصرية، وسقطت الأيديولوجيات العروبية وتفتت الأنظمة العربية المبشّرة بذلك. بات البلَدان، المغرب والجزائر، يتمتعان بعلاقات حيوية مع أوروبا والولايات المتحدة، كما مع روسيا والصين. ومرّت الجزائر بعشريتها السوداء على نحو يفترض أنها بدّلت الخصوم والأعداء، فيما حدّثت العلاقات الدولية المعاصرة وسائل وأد المشاكل الحدودية، كما إدارة العلاقات الثنائية بنجاعة عالية، حتى في ظل بقاء الإشكاليات العتيقة.
وبغضّ النظر عن التخمينات التي قد يرتكبُها المراقب في محاولة فهم الموقف الجزائري، فبالإمكان الاعتماد على شروط رسمية عبّر عنها، العام الماضي، المتحدث باسم وزارة الشؤون الخارجية الجزائري عمار بلاني، لتطبيع العلاقات الثنائية وإعادة فتح الحدود: “فتح الحدود البرية بين البلدين يستدعي الوقف الفوري لحملة التشويه التي تقودها الدوائر المغربية الرسمية وغير الرسمية ضد الجزائر”، ثم “التعاون الصادق والفعال والمثمر من قبل السلطات المغربية لوقف تدفق وتهريب المخدرات إلى الجزائر” ثم “احترام موقف الحكومة الجزائرية فيما يتعلق بمسألة الصحراء الغربية”.
واضح أن المطلبيْن الأولين إجرائيين لا إشكالية فيهما، وأنهما زيادة عدد للوصول إلى لبّ المشكلة المتعلقة بالصحراء. وواضح أن الشرط الجزائري الثالث تعجيزيٌ يطالب المغرب بالاعتراف والتسليم بما هو أساساً أصل المشكلة بين البلديّن. في هذا، أن الجزائر ما زالت تستخدمُ مقارباتٍ مستحيلة هدفها البقاء على ملفات التأزيم.
تتشاركُ أسبانيا وبريطانيا في الاتحاد الأوروبي، رغم الخلاف المتعلق بمضيق جبل طارق، كما تتنامى العلاقة بين اليابان وروسيا، رغم أن طوكيو ما برحت تطالب موسكو بالانسحاب من جزر الكوريل المحتلة، وطالما أننا نتحدث عن المغرب، فإن الرباط مرتبطة بعلاقات سياسية واقتصادية متقدمة مع مدريد، على الرغم من مطالبة المغرب بتحرير مدينتي سبتة ومليلة المغربيتين من الاحتلال الأسباني.
نستطيعُ أن نورد عشرات الأمثلة في العالم التي تسلّط المجهر على كمّ النزاعات الثنائية في العالم ووسائل التعامل معها. تعرفُ الجزائر ذلك وتدركه جيداً، بيد أن الأمر ليس خلافاً حدوديا أو إشكالاً إجرائياً أو أزمة ديبلوماسية، بل إن الأمر قرار استراتيجي بإبقاء التوتر مع المغرب مستعراً كقاعدة من قواعد النظام السياسي الجزائري التي لن تتبدل إلا بتبدل النظام برمته. فقد وجدت الجزائر في قضية الصحراء ذريعة لفتح جرح دائم مع المغرب، ذلك أنها (أي الصحراء) ليست مصدر الأزمة الحقيقي، فالتوتر (منذ حرب الرمال) سابق على مسألة الصحراء، وهو الذي جعل من الصحراء “قضية” تناكفُ بها المغرب.
*صحافي وكاتب سياسي لبناني/ “العرب”