الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر: خلفيات إبعاد بلخادم
5163c3d5cad0ea192af9353b3106c862

الجزائر: خلفيات إبعاد بلخادم

المثير في إبعاد المستشار الوزير عبد العزيز بلخادم عن ممارسة مهام جعلته أقرب إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، أنها لم تقف عند الطابع الرسمي وامتدت لتشمل نشاطه الحزبي في جبهة التحرير. ولعلها المرة الأولى التي يربط فيها بيان رسمي بين المجالين التنفيذي والحزبي، ما يحمل على الاعتقاد بأن العملية أكبر من تكون إبعاداً، بل تنحية تنصرف إلى طموحات محتملة للرجل الذي كان ظل بوتفليقة في الخارجية والرئاسة وجبهة التحرير.
بيد أن بيان رئاسة الجمهورية حرص على إبراز قرار المنع من ممارسة أي نشاط سياسي داخل الجبهة لتأكيد أن التنحية تشمل المستقبل السياسي للرجل الذي تردد أحياناً أنه أقرب المرشحين لخلافة بوتفليقة، وإن كان أول من أعلن عن ترشح الرئيس لولاية رابعة قبل حوالى عامين للدلالة على ولائه لخط بوتفليقة وضمنياً السير على منواله، في إشارة إلى الاعتبارات التي تدور خلف صناديق الاقتراع. والراجح أن اتخاذ القرار في مجلس وزاري وليس من خلال آليات جبهة التحرير هدف إلى الربط بين المسؤوليات السياسية والحزبية، ما جعل بلخادم يتساءل عن شرعية حظره من ممارسة مسؤوليات تخصه وحده وتتوقف على إرادته.
في ظاهره، يميل القرار إلى تقوية جناح مناهضي بلخادم داخل جبهة التحرير، ما حتم على بوتفليقة التضحية بأقرب رجاله. ولم يعد خافيا أن فصول الصراع تدور في مساحة غير بعيدة من قصر المرادية وتتطلع إلى ما بعد الولاية الراهنة، خصوصاً أن جبهة التحرير تبقى المنافس القوي لفصائل المعارضة التي تحاول تجميع جبهة مضادة. وربما كان خطأ بلخادم أنه شارك في إحدى تظاهرات المعارضة المناوئة للسلطة، فيما تذهب أوساط إلى الربط بين إبعاده وانزعاج مصر من تصريحات صدرت على لسانه نسبت إليه اتهامه القاهرة بالمشاركة في الحرب على غزة من خلال إغلاق معبر رفح. لكن محور العلاقات المصرية الجزائرية وإن بلغ قدراً عالياً من التنسيق والتفاهم، من المستبعد أن يشمل تدخلاً بهذا المعنى، فالجزائريون أكثر حساسية في مسائل ترتيب البيت الداخلي.
ما يستبعد الاحتمال أن تنحية بلخادم لم تشمل مهامه الرسمية كوزير دولة ومستشار رئاسي فقط، لكنها في مقابل ذلك تشير إلى ترتيبات وسط جبهة التحرير الجزائرية التي تعتبر بمثابة «حصان طروادة» في أي سباق سياسي. وأهم ما فعله بوتفليقة أنه أعاد لجبهة التحرير حضوراً كانت فقدته أثناء الخطوات الأولى في الانفتاح على التعددية الحزبية التي أرساها الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد.
هل كان بلخادم يعرف أن اقترابه من أحزاب المعارضة سيبعده أكثر عن مربع السلطة، أم أنه اختار أن يضع قدميه في موقعي السلطة والمعارضة، أملاً في الاضطلاع بدور أكبر، كونه يحظى بدعم تيارات إسلامية ولا يبدو مناوئاً عنيدا لدائرة القرار، فانتقاداته التي جلبت عليه المتاعب تناولت الأداء الحكومي وليس القرار السياسي الذي يتحكم في أشواط اللعبة من بعد.
أضيف عبد العزيز بلخادم إلى قائمة رؤساء الوزراء الذين اصطفوا إلى جانب المعارضة، أمثال علي بن فليس وأحمد بن بيتور وأحمد غزالي. وهي المرة الأولى التي تتشكل فيها معارضة من نخب تعاقبت على مسؤوليات رفيعة منذ تولي عبد العزيز بوتفليقة المسؤولية وحتى قبله. ما يعني أنها معارضة أليفة، لكنها أشبه بالانعطاف إلى ممارسة النقد الذاتي الذي يجعل الموالين سابقاً معارضين اليوم. وقد يكون لهذا السبب جاء إقصاء بلخادم من جبهة التحرير لقطع الطريق على انعطاف مماثل قد يطاول العمود الفقري للمشهد السياسي في الجزائر.
يعرف عن الجزائريين أنهم أكثر ميلاً إلى الشرعية التاريخية في اختيار المسؤولين، وميزة بوتفليقة كأول رئيس مدني يحكم الجزائر أنه جمع بين الشرعية التاريخية والانتقال الديموقراطي. لذلك يسود اعتقاد أن الصراع الصامت يدور حول الملاءمة بين أطراف هذا المنظور، ويشكل عراك النفوذ داخل جبهة التحرير جزءاً من آليات التموقع، استعداداً لما تحمله الأيام من مفاجآت. ويبدو أن نقل الحسم من جبهة التحرير إلى مقر الرئاسة أريد لتأكيد حقيقة أنها الإطار الأقرب إلى استيعاب الترتيبات القادمة.
أقرب احتمال إزاء تضاؤل حظوظ بلخادم في التأثير في مسار الاستحقاقات المقبلة، أنه أصبح بلا صفة رسمية أو حزبية. لكن ذلك لا يقلل من أهمية أن وجوهاً وأسماء حزبية ومستقلة في إمكانها أن تلعب أدوارا مؤثرة، فبعض المعارك تدور في الشارع وتكون أكثر حسماً في توجيه الأحداث، وإن كان الجزائريون عامة لا يرغبون في الاحتكام لغير صناديق الاقتراع، إذ تكون نزيهة وشفافة.
*كاتب من المغرب/ “الحياة” اللندنية