الرئيسية / وجهات نظر / مناضلون… أم متمرّدون ؟!
10804c19578a22df7a086be32cb78c11

مناضلون… أم متمرّدون ؟!

مع تصاعد وتائر عملية تقديم القائمات المرشحة لخوض الانتخابات التشريعية، تصاعدت حمّى الصراعات والخلافات والمزايدات داخل العديد من الأحزاب. وقد وصل الأمر أحيانا كثيرة حد الاستقالات والانسلاخات والاتجاه الى الانضمام الى قائمات مستقلة أو تابعة لأحزاب أخرى…
المسألة يمكن اعتبارها من بعض الزوايا دليل صحة وحيوية… وعنوان حراك محمود لكونه يشي بحرص كبير على التواجد في المواقع الأولى لخدمة البلاد والعباد… تشخيص يمكن أن يستقيم لو أن لبّ المسألة بدا بهذا الحماس الايجابي وبهذه الشفافية المطلوبة وخلا من أية حسابات شخصية او حتى قبلية ومن كل نزعة أنانية.
لكن لب المسألة عند اخضاعها لتشخيص أولي يكشف علامات مرضية بالجملة ويكشف الى أي حد مازالت الحياة السياسية هشة عندنا.. ومازالت الديمقراطية مترنحة والمسؤولية ضربا من الغنيمة والتشريف لا التكليف.
الملاحظة الأولى تخص الانضباط الحزبي. فالكثيرون ينخرطون في الاحزاب وبخاصة الأحزاب الكبرى ليس لإيمان بقناعاتها وتمسّك بـ «ثقل» قياداتها بل لأنهم يرون فيها مجرد مطية موصلة الى هدف أناني ضيق.. هدف تنتهي فيه العلاقة بالحزب لمجرد أنه لم يرشحه لمنصب ولم يقدّمه لغنيمة.
الملاحظة الثانية تخص مدى تشبع الكثير من «المناضلين» او المنتمين للأحزاب بقواعد الانضباط والتزامهم بلوائح أحزابهم وما تمليه من التزام ومن ذوبان للشخص وللأنا في الهدف الجماعي الكبير ممثلا في تأمين أوفر الحظوظ للحزب للفوز بهذا الرهان الانتخابي او ذاك.
الملاحظة الثالثة تخص نظرة الكثير من المتحزبين للمسؤولية. فهم يرونها عنوان وجاهة ووسيلة تحقيق منافع ومكاسب وليس تطوعا لخدمة المجموعة الوطنية تحت غطاء حزب سياسي. هؤلاء تضيق بهم الدنيا بما رحبت لمجرد ان ترى قيادة الحزب عدم ترشيحهم وان كانت هذه القيادة تملك كل الأسباب الوجيهة والموضوعية التي تجعلها ترشح زيدا دون عمرو.
أما الملاحظة الرابعة فتخص التركيبة الشخصية والذهنية للكثير من المنتمين للأحزاب عندنا. فقد استسهلوا المسألة وباتت تغريهم المناصب والاضواء الاعلامية وغيرها وأصبحت تغذي فيهم طموحا محموما وجامحا لا يملكون غالبا مقوماته. داخل كل واحد من هؤلاء ينام «زعيم وهمي» يصور لصاحبه انه رقم صعب في المعادلة السياسية وعنصر لا يستقيم توازن الكون بدونه.. مع أن أصل العمل السياسي هو تكليف وليس تشريفا.. وتضحية يقدمها الفرد خدمة للمجموعة الوطنية والا تحولت الأحزاب من أطر سياسية الى مزادات لتحقيق المنافع والمكاسب.
انها عوارض كثيرة تكشفها تداعيات عملية تقديم القائمات في العديد من الأحزاب.. عوارض وجب التنبه اليها والتخلص من تبعاتها قبل ان تستحكم وتتمكن من الحياة السياسية فتصيبها في مقتل وتحوّل المؤمنين بالعمل الحزبي والمقبلين عليه من مناضلين مستعدين لكل التضحيات الى متمردين مستعدين لكل الحماقات.
*صحفي تونسي/ “الشروق” التونسية