الرئيسية / وجهات نظر / الحل في الديمقراطيّة
44a461849d5579ed9f6fdae29ab5a6ab

الحل في الديمقراطيّة

تقطعُ بلادنا خطوة جديدة في مجال الإصلاح السياسي وتكريس البناء الديمقراطي بانطلاق فعاليات الانتخابات التشريعية، ولاحقا الرئاسيّة، وهي خطوة مهمّة جدّا وعلى غاية من الدقة لأنّها تفتحُ الباب أمام استبعاد كلّ سيناريوهات الفوضى والخراب وإيجاد حل نهائي لمسألة السلطة التي أكل الصراع حولها الكثير من أبناء هذا الوطن وأضاع عن بلادنا دروبا رحبة للتقدّم والتطوير والتنمية.
 لقد تسبّب الصراع على السلطة في العقود الفارطة من عمر الدولة التونسيّة في الكثير من الخسائر وإهدار كبير للوقت وكان لغياب الركن الديمقراطي أثرهُ في الكثير من المآسي مثل الصراع البورقيبي اليوسفي وحالات التهجير والاختفاء والقمع والتعذيب والملاحقة التي مسّت جلّ العائلات والتيارات السياسيّة المُعارضة من يساريين وقوميين وبعثيين وإسلاميين وحرمت بلادنا من المئات من الكفاءات والطاقات التي كان يُمكنها أن تنفع الدولة ومؤسّساتها على مرّ الحقب.
هل يُمكن القول اليوم أنّ الفرقاء السياسيّين في تونس قد اهتدوا الى الطريق المثلى لفضّ نزاعاتهم والتوافق حول الخيار الديمقراطي بما يعينه من احتكام لإرادة الناخبين وقبول بمبدأي التعدديّة والتداول السلمي على السلطة؟.
ما يجري منذُ قيام الثورة ، على ما فيه من هنات وعقبات وسلبيات، يُؤكّد أنّ بلادنا تسير رويدا رويدا لتكريس واضح لتجربة في الإصلاح السياسي في اتجاه تثبيت أركان ومرتكزات الانتقال الديمقراطي والنأي بالحياة السياسيّة مستقبلا عن كلّ ضروب الاستبداد والهيمنة والإقصاء او الاستثناء.
بمناسبة هذه الانتخابات ، هناك مساواة بين مختلف الفرقاء للتنافس على مواقع السلطة والحكم وهذا دليل على درجة التقدّم التي بلغتها الحياة السياسيّة في تجاوز مطبّات صعبة منها العزل السياسي الذي أدّى تطبيقه الى نتائج كارثيّة في بلدان مجاورة وفي تفكيك ألغام على غاية من التعقيد على رأسها منهج فتح ملفات الماضي وتجاوز أزماته ومآسيه.
إنّ كانت السلطة مفسدة ومدخلا للظلم وغياب العدالة في عُرف المستبدين والانقلابيين والفوضويين والأنظمة الشموليّة القمعيّة ، فهي لا يُمكنها الا أن تكون وسيلة وأداة مثلى لخدمة أهداف التنمية والتشغيل وتحسين ظروف المواطنين وتحقيق العدالة بينهم في أنظمة الحكم الديمقراطيّة حيثُ يختار الشعب من يحكمهُ وتتاحُ له دوريّا فرص للعقاب أو المجازاة الانتخابيّة.
ربّما هذا ما يجبُ أن يتعلّمهُ العرب ،عموما، من الغرب حيثُ  توصّل الغربيّون بعد قرون من الظلام والتناحر والفتن الى أنّه لا سبيل لتجاوز خلافاتهم وصراعاتهم خارج السياق الديمقراطي أي دمقرطة السلطة بما انعكس على مظاهر عيشهم وما هم فيه اليوم من رفاه وتنمية واستقرار.
في بلادنا هناك شيء من ما نراه لدى الشعوب الغربيّة ما يزال طور التشكّل وظهرت منه العديد من اللبنات والمكونات وبالإمكان أن ترتفع درجة التطلّع الى رؤية أشياء أخرى تتحقّق على أرض الواقع في اتجاه مزيد تثبيت الخير الديمقراطي وإنهاء أزمة السلطة نهائيّا ودون رجعة لفائدة سيرورة جديدة من التداول والاحتكام الى الناخبين وإرادة الشعب وتطليق كلّ اشكال الهيمنة والاستبداد ومحاولة اقصاء هذا الطرف او ذاك.
لا حلّ لأزمات اي بلد الا في انتهاج الخيار الديمقراطي حيثُ يتعايش الجميع على قدر المساواة وحيثُ تكون السلطة لمن يختارهُ الشعب وتفرزهُ صناديق الاقتراع.
“الشروق” التونسية