الرئيسية / وجهات نظر / الأزمات العربية: دعوات الحماية والتسويات الممكنة
711798d708aca106f01c955ba079410e

الأزمات العربية: دعوات الحماية والتسويات الممكنة

في سابقة مثيرة دعا البرلمان الليبي إلى وضع البلاد الممزقة بالفتنة الأهلية تحت الحماية الدولية، بعد أن أصبحت وحدة الكيان الليبي مهددة بمخاطر التفكك والانهيار. في العراق حيث الخلافة «الداعشية» تتمدد شمالاً وجنوباً، نسمع الدعوة ذاتها للتدخل الخارجي من أجل حماية الأقليات المهددة بالإبادة، ومن أجل استعادة وحدة الإقليم المجزأ بعد أن أصبح من الجلي أن حكومة بغداد الطائفية لم تعد قادرة على تأمين استمرارية الدولة التي تشكلت في عشرينيات القرن الماضي. وفي سوريا حالة مماثلة: مبادرات للتدخل الخارجي لحماية السكان واستعادة كيان الدولة في سياق صراع إقليمي حاد لا منتصر ولا منهزم فيه. لاستكناه هذه المؤشرات البادية للعيان، لايتردد البعض في الحديث عن «عودة الوصاية الاستعمارية»، مذكراً بالظروف الأصلية للاحتلال الأوروبي للبلدان العربية، التي تمت في سياق حروب أهلية طاحنة، وتفكك الكيانات السياسية القائمة إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية.
وإذا كنا لا نذهب لهذا الرأي الذي يستند لمقارنة غير مقنعة بين خلفيتين شديدتي التمايز من حيث السياق والأطر المعيارية، إلا أننا نعتقد من خلال قراءة معطيات المعادلة الراهنة أن المنطقة سائرة في اتجاه نظام جديد من الحماية له أدواته القانونية ونظمه الإجرائية ومنطقه الداخلي بما يناسب محددات الوضع الدولي الحالي.
فغني عن البيان أن نظام الاحتلال العسكري التقليدي، لم يعد من الممكن اعتماده في إدارة الأزمات الدولية لأسباب جلية تعود إلى طبيعة النظام الدولي ومقوماته الشرعية، ولذا فإن تجربة التدخل العسكري الأميركي في العراق عام 2003 طرحت إشكالات جوهرية لسلطات الاحتلال التي سرعان ما اتجهت إلى هيئة الأمم المتحدة لضبط الوضع القائم وفق نظام الوصاية الانتقالية، الذي تم اختباره في بلدان البلقان عند تفكك الدولة اليوغسلافية (البوسنة وكوسوفو..).
ما نريد أن ننبه إليه هنا أن الحروب – كما بين الفيلسوف الألماني هيجل – هي قابلة الدول، بمعنى أن الكيانات السياسية هي دوماً من نتاج العنف، ولذا فإن الحروب المشتعلة راهناً في المنطقة لابد أن تعيد تكييف وضبط الجغرافيا السياسية للمجال الإقليمي، ولو كان الأمر لايقتضي ضرورة إعادة رسم الخارطة الشرق أوسطية على غرار الحديث المكرر حول «سايس بيكو» جديدة.
ولا شك أن هذه المتغيرات تتطلب تسويات داخلية وإقليمية بدأت بعض مؤشراتها في العراق (تنحية المالكي والعمل على حكومة توافقية تحظى بقبول الطائفة السُنية العربية)، وفي لبنان (عودة سعد الحريري التي قد تمهد للتفاهم حول المسؤوليات القيادية في البلد)، وفي غزة (المفاوضات المتواصلة في القاهرة لوقف العدوان الإسرائيلي، والشروع في توافقات حول الحل النهائي في المناطق الفلسطينية)، كما تتطلب رعاية دولية تعوقها معوقات جوهرية ناتجة عن الاضطرابات الحادة التي يعرفها النظام الدولي راهناً. بل يمكن القول إن طبيعة التسويات المرتقبة في الساحة الشرق أوسطية، سيكون لها أثرها الحاسم على تركيبة العلاقات الدولية الجديدة. في هذا السياق، يتعين التنبيه إلى أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة عرفت نماذج ثلاثة رئيسية من التدخل الدولي في النزاعات الداخلية والصراعات الأهلية:
النموذج الأول هو التدخل في إطار الشرعية الدولية التوافقية الذي ظل محدوداً في حالات ضيقة ليس لها أثر مباشر على مصالح الدول الكبرى المتحكمة في إدارة النظام الدولي، والنموذج الثاني هو التدخل الإنساني الذي فرضته فظائع حروب التطهير العرقي والإبادة الجماعية (في البلقان وروندا..)، والنموذج الثالث هو نظام الأحلاف العسكرية البديلة الذي اختبرته الولايات المتحدة في ساحات عديدة من بينها أفغانستان والعراق وليبيا (رغم وجود قرار أممي لحماية السكان تم تجاوز بنوده ما ولّد ردة فعل روسية معاكسة).
ومن الجلي أن النماذج الثلاثة غير مطروحة راهناً في التعامل مع الأزمات العربية المشتعلة، رغم استفحال الأبعاد الإنسانية والأمنية في البلدان المذكورة، ولذا لا يبدو أن الدور العسكري الأميركي في العراق، سيتجاوز حماية المناطق الكردية ومنع تمدد دولة «داعش» خارج المجال السُني، كما أن التدخل العسكري المباشر في سوريا لم يعد مطروحاً، ومن الصعب تصور طبيعة التدخل الناجع الممكن في ليبيا، رغم الدعوات المتكررة لحماية السكان المهددين بالعنف الأهلي.
بيد أن الحقائق القائمة على الأرض ستفرض دون شك أنماط التوافقات الضرورية حول جغرافية سياسية جديدة من أبرز سماتها:
– التشكل الطائفي والإثني للمعادلة السياسية الجديدة، بعد نجاح مشروع «التطهير» العنيف لمناطق التداخل السكاني (اكتمل المسار في سوريا والعراق وقارب الاكتمال في ليبيا، ولايزال مستمراً في اليمن).
– قيام قاعدة صلبة لإرهاب المجموعات الدينية المتطرفة، تتشابك مع ثغرات وفجوات النظام السياسي في بعديه الداخلي والإقليمي، تفرض حداً ما من إجماع وتنسيق دول المنطقة على اختلاف مصالحها ورؤاها في مواجهة خطر جامع.
– تحلل البنيات المركزية للدولة بما يفرض إعادة بناء الهندسة السياسية للكيان الوطني وفق معطيات الوضع المتولد عن النزاعات الراهنة.
هذه المعطيات الثلاثة هي التي ستفرض تدريجياً التسويات المرتقبة التي ستأخذ – ضرورة – شكلاً من أشكال فرض الوصاية الدولية المؤقتة على بلدان ممزقة، تحتاج إلى إعادة بناء جذري في مقوماتها الإقليمية والدستورية وبنياتها السياسية.
وإذا كان من العصي تصور هذا النظام في جوانبه القانونية والإجرائية، فإنه سيراعي دون شك متطلبات ثلاثة بادية للعيان: التوازنات الهشة التي أفرزتها النزاعات الداخلية، وهي في عمومها توازنات متمحورة حول مطالب وحقوق المجموعات الطائفية والإثنية المتصارعة، والتوازنات الإقليمية والدولية التي فرضتها تجربة إدارة الصراع في أبعاده الخارجية، واحترام معايير الشرعية الدولية في التدخل المرتقب الذي سيأخذ حتماً شكل تعليق مؤقت لمعايير السيادة والاستقلال من أجل وضع أسس البناء السياسي الجديد، الذي سيختلف عن محددات الدولة المركزية التقليدية.
“الاتحاد” الإماراتية