الرئيسية / وجهات نظر / القمة الإفريقية الأمريكية وسؤال الرؤية
0408a2293faf36ad52407dd4fbf08a03

القمة الإفريقية الأمريكية وسؤال الرؤية

كما كان منتظرا انطلقت أشغال القمة الإفريقية الأمريكية أمس الاثنين بواشنطن، وانطلق معها السؤال الروتيني المرتبط بسؤال الكسب المغربي وما الذي يمكن أن يجنيه المغرب من وراء هذه القمة وما يصدر عنها؟
بعض التحليلات بدأت مبكرا تحسب مكاسب المغرب وعدت عدم دعوة الولايات المتحدة الأمريكية لجبهة البوليساريو انتصارا للمغرب، وكأن الأمر يتوقف عند هذه الحدود الشكلية.
والحقيقة أن ثمة سؤال سابق عن سؤال الكسب، هو ذلك الذي يتعلق بسؤال الرؤية التي سيدخل بها المغرب لهذه القمة، وما ستسفر عنه من مخرجات، فالقارة الإفريقية- قارة المستقبل كما يطلق عليها عالميا- هي محور تنافس العديد من الدول سواء منها تلك التي تحظى فيها بنفوذ سياسي واقتصادي واستراتيجي تقليدي كفرنسا، أو الدول التي تسعى إلى بناء هذا النفوذ كالولايات المتحدة الأمريكية، أو الدول التي تبحث عن الاستفادة من الموارد الطبيعية للقارة السمراء والاستثمار مثل الصين واليابان وغيرهما.
يضاف إلى ذلك، أن دخول دول جديدة على دائرة التنافس على النفوذ السياسي والاقتصادي سيحدث زعزعة عنيفة لدائرة الاصطفافات التقليدية التي حكمت القارة السمراء لسنوات طويلة، كما سيكون له تأثير قوي على الحراك السياسي الداخلي في العديد من بلدان إفريقيا لاسيما منها التي تمتلك ثروات وموارد طبيعية كبيرة.
في المقابل، لا ينبغي أن ننسى أن التحديات الأمنية (الإرهاب، المخدرات، الجريمة العابرة للحدود) والديمقراطية والحقوقية وغيرها ستفرض على عملية التعاون الاقتصادي والتجاري أن تتأسس على جوهر سياسي.
معنى ذلك أن التحدي القادم في إفريقيا سيكون مرتبطا بالتنافس على المداخل والخيارات أكثر من ارتباطه بهدف توسيع التعاون ذاته.
رؤية الولايات المتحدة الأمريكية واضحة، فهي تدخل قارة تخترقها محاور تقليدية متنافسة، وفي مثل هذه الحالات، فإنها دائما تختار التعامل مع الجميع واللعب على التناقضات، وتؤسس دائما منطقها في التدخل على خيار الدمقرطة وحقوق الإنسان من جهة، وعلى مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود في الجهة المقابلة، وفي غالب الأحيان ما توظف هذين المسارين لخدمة مصالحها الاستراتيجية، وتضطر إلى استبعاد الدول التي تفسد رؤيتها تماما كما فعلت عندما استبعدت الدول التي تعيش حالة السودان وزينبابوي وغيرها.
بالنسبة للمغرب، فنقاط قوته ظاهرة، منها موقعه الاستراتيجي، ومنها استقراره السياسي وتجربته الديمقراطية، ومنها علاقاته التاريخية والدينية بإفريقيا، ومنها مجاله الإفريقي التقليدي الذي ظل يتحرك فيه، ومنها أيضا مقاربته الدينية في مواجهة التطرف والغلو، ومنها أيضا تجربته الأمنية الاستباقية في مكافحة الإرهاب، ومنها أيضا وعلى وجه الخصوص مقاربته التنموية في النظر إلى إفريقيا.
لكن نقاط القوة هذه ليست شيئا يذكر إن لم تندرج ضمن رؤية واضحة تحدد بدقة التموقعات في ساحة التنافس الدولي على إفريقيا لاسيما بعد التدافع الدبلوماسي والسياسي القوي في مالي والذي قصد بعثرة الجهود التي بذلها المغرب.
قوة الرؤية المغربية ينبغي أن تتأسس على ثلاث محاور أساسية: محور سياسي يتجه إلى دعم خيار المصالحة في الدول الإفريقية التي تعرف صراعات حول السلطة والمساعدة لتأسيس توافقات تنهض بالديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان، ومحور تنموي يؤسس التعامل الاقتصادي والتجاري مع القارة الإفريقية على قاعدة توسيع وعاء الخدمات الاجتماعية وبشكل خاص ما يتعلق بالصحة والسكن والتعليم، ومحور أمني يأخذ بعدين اثنين: التنسيق الأمني وتقديم الخبرة المغربية الاستباقية في مكافحة الإرهاب، وتقديم المقاربة الدينية المغربية كنموذج في مواجهة التطرف ونشر ثقافة الوسطية والاعتدال.
إفريقيا تعي أنها أصبحت دائرة للصراع الدولي على النفوذ، وتعي بأن الدول الكبرى تريد باسم تعزيز الروابط وتمتين العلاقات الاقتصادية والتجارية السيطرة على مقدراتها، وتعي أيضا أن قضايا الدمقرطة وحقوق الإنسان ستستعمل بكثافة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية من أجل هذه الأغراض الاقتصادية، ولأنها تريد المساعدة والدعم والتنمية، فإنها تسكت على هذا الجانب أو تؤجله.
نقطة قوة المغرب التي ينبغي أن يحافظ عليها ويعززها هي أن يبقى مستمسكا بمدخله الأخلاقي والاستراتيجي لبناء علاقات قوية ومتينة مع إفريقيا تقوم على منطق رابح رابح، دون التورط في الاصطفافات التي تضر بمصالحه الحيوية.
“التجديد” المغربية