الرئيسية / وجهات نظر / خطاب العرش.. انسجام مع المرحلة الراهنة وخارطة طريق مستقبلية لتحقيق العدالة الاجتماعية
f2aad80c4ccb50a499e786c4882b524a

خطاب العرش.. انسجام مع المرحلة الراهنة وخارطة طريق مستقبلية لتحقيق العدالة الاجتماعية

كعادته ، يحرص العاهل المغربي الملك محمد السادس في خطاب العرش وهو خطاب يلقيه كل سنة للوقوف على احوال الامة واستعراض منجزاتها التنموية في جميع الميادين الاقتصادية والسياسية والدينية والدولية ، والوقوف على مكامن الخلل واوجه القصور واخذ العبر ،  كما انه خطاب  يقف وقفة تأمل ويرسم خارطة طريق للمستقبل تعطى فيه توجيهات ملكية سامية للحكومة ولجميع المؤسسات العمومية والسلطات المعنية لتذكيرهم بمهامهم وواجباتهم وسط اصرار ملكي عميق لتحقيق الرخاء والازدهار للدولة المغربية وتطوير مؤسساتها لما ينعكس بشكل ايجابي على الحياة اليومية للمواطن المغربي.
ومن هنا نجد ان خطاب العرش لهذه السنة بمناسبة الذكرى  الخامسة عشر لاعتلاء الملك محمد السادس العرش يتميز بأنه  وضع العديد من النقاط على الحروف ورسم الخطوط العريضة من خلال تأكيد الملك على عدم الاخذ بمظاهر التقدم من خلال لغة الارقام والمؤشرات فقط  التي تتحدث عن مؤشرات التنمية  التي تصدر عن المؤسسات الدولية المحلية  ، وإنما من خلال تتبع المشاريع وانعكاساتها التنموية  المباشرة على المواطنين.
ففي السياق التنموي ذكر العاهل المغربي بما شهده المغرب من تطور على جميع الاصعدة منذ توليه العرش قبل خمس عشرة عاما ، حيث قال ان المغرب اصبح يتوفر على منظومة متكاملة من الحقوق والحريات لم يشهدها من قبل بعد اقرار دستور 2011 ، كما ان المغرب شهد تشييد بنيات تحتية متقدمة لم يكن يتخيلها احد من خلال بناء اكبر ميناء في حوض المتوسط ، وتشييد اكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم  ، وكذلك بناء شبكة متقدمة للطرق السيارة.
وعلى المستوى الاقتصادي اكد الملك على ان النموذج التنموي  المغربي بلغ درجة من النضج اصبح يؤهل المغرب اعتماد معايير متقدمة اكثر دقة لتحديد جدوى السياسات العمومية في مجال التنمية الاقتصادية ، مؤكدا على ضرورة  استغلال  الرأسمال البشري الذي يتوفر عليه المغرب. وأشار العاهل المغربي الى ان الرأسمال البشري غير المادي هو من احدث المعايير المعتمدة دوليا لقياس القيمة الاجمالية للدول بعد ان كانت تقاس في السابق حسب مواردها الطبيعية ثم على اساس المعطيات المتعلقة بالناتج الداخلي الخام.. ودعا الملك المجالس الدستورية ممثلة بمختلف فئات المجتمع المدني وجميع الفاعلين  وبالتعاون مع المنظمات الدولية القيام بدراسات لقياس القيمة الاجمالية للمغرب ـ ليس لإبراز قيمة الرأسمال غير الملموس  وإنما لاعتماده كمعيار اساسي للعمل على استفادة جميع المواطنين من ثروات وطنهم ـ    وان تتقدم بتوصيات  عملية لصانعي القرار بهذا الشأن  ، داعيا الى الاستفادة من  النتائج التي ستتمخض  عن الاحصاء العام للسكان الذي سيجري هذه السنة.
وفي الاطار الديني ركز العاهل المغربي الملك محمد السادس على مرجعية امارة المؤمنين كنموذج متميز لتحصين المجتمع والمواطن من نزعات التطرف والانغلاق والجهل عن طريق حماية المساجد من اي استغلال وتطاول باعتبارها فضاءلت للعبادة والتوجيه ومحو الامية لبناء مجتمع ديني متنور مشبع بقيم الوسطية والاعتدال ، مع الحفاظ على الثوابت الاسلامية ونهج طريق الاجتهاد والانفتاح على توجهات وقيم العصر ، وأشار  الملك الى ان المغرب يضع تجربته الدينية التي اصبحت محط اهتمام وتقدير على المستوى القاري والدولي رهن اشارة اي جهة ترغب بالاستفادة منها.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها ألعالم اكد الملك محمد السادس على بقاء النموذج الدبلوماسي ألمغربي في نطاق الالتزام بالشرعية الدولية، ونهج الانفتاح والاعتدال والتشبث بالقيم الكونية. وهو ما يجعل من المغرب شريكا فعالا ومسموعا، يحظى بالثقة والمصداقية، مشددا على مشاركة جميع القوى الحية في ترسيخها على جميع  المستويات.
وجدد الملك  محمد السادس الدعوة لمواصلة اليقظة والتعبئة واتخاذ المبادرات لاستباق مناورات خصوم الوحدة   الترابية. مؤكدا الحرص على مواصلة انخراط كل القوى الحية في البلاد في الدفاع عن المصالح العليا للوطن وفي مقدمتها الوحدة الترابية التي ستظل اسبقية الاسبقيات.
اما  على الصعيد ألمغاربي فلقد  تطرق  خطاب العرش الى ضرورة العمل على بناء اتحاد مغاربي  قوي، عماده علاقات ثنائية متينة ، غير أن ما يبعث على الأسف يقول الملك  هو التمادي في الخلاف لتعطيل مسيرة الاتحاد المغاربي اذ لا شيء يبرر استمرار إغلاق  الحدود على حد تعبيره.
وعلى الصعيد العربي ابرز خطاب العرش اهتماما خاصا بالقضايا العربية ودعا العاهل المغربي الى انشاء  منظومة عربية متكاملة ومندمجة واقتصاديا وموحدة ومنسجمة سياسيا، تجعل من عالمنا العربي قطبا  قادرا على الدفاع عن القضايا العربية  المصيرية.                                                                                     
وفي ما يخص القضية ألفلسطينية جدد  الملك محمد السادس ادانة المغرب القوية للعدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة.  وتجسيدا للتضامن  ألملموس مع الشعب الفلسطيني في هذه المحنه اشار  الملك بان المغرب كان سباق لتقديم الدعم المادي لضحايا هذا ألعدوان وفتح المستشفيات المغربية أمام الجرحى والمصابين متهم وذلك إسهام منه في التخفيف من ومعاناتهم في هذا الظرف ألعصيب،مؤكدا دعم المغرب لجميع المبادرات الدولية البناءة من اجل التوصل الى سلام عادل     ودائم على أساس حل الدولتين. وأشار الملك محمد السادس  الى الدور الذي تضطلع به لجنة القدس التي يرأسها وما قامت به من مهام كالدفاع عن  القدس الشريف والحفاظ على الهوية الروحية والحضارية للقدس من الانتهاكات الإسرائيلية.
وابرز خطاب العرش  قوة علاقات الشراكة التي جمعت بين المغرب وشركائه الدوليين على المستوى الافريقي والأوروبي والأمريكي ، وذلك من خلال الالتزام ، بسياسة متناسقة ومتكاملة  وتعزيز التعاون الاقتصادي مع افريقيا،  وأكد الملك محمد السادس  على ان افريقيا مطالبة بان تضع ثقتها في نفسها ، داعيا  الى ضرورة محاربة   المنظمات  الارهابية التي تجد في عصابات الانفصال والاتجار في البشر والسلاح حليفا لها.مؤكدا على التوجه الطبيعي للمملكة المغربية نحو افريقيا من خلال فتح افاق اوسع للشراكة بين دول شمال جنوب.
وبخصوص العلاقات مع اوروبا اكد الملك محمد السادس على  ان الوضع المتقدم الذي يجمع المغرب  والاتحاد الاوروبي يشكل مرحلة توطيد شراكة  مغربية اوروبية  منصفة متوازنة ،معتبرا ان هذا الوضع المتقدم ليس  غاية في حد ذاته وإنما مرحلة هامة لتوطيد شراكة مغربية اوروبية عادلة.وبالموازاة  مع تعزيز العلاقات المتميزة  مع الاتحاد الأوروبي ، اكد الملك محمد السادس   على تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الاميركية  من خلال ايجاد اليات جديدة لدعم اتفاق التبادل الحر ومواصلة الحوار الاستراتيجي بين البلديين ، وأيضا  توطيد العلاقات مع روسيا الفدرالية  والصين  وتعميق البعد الاقتصادي للشراكة الاستراتيجية المتميزة التي تجمع المملكة المغربية بكل منهما.
خلاصات    
ـ لقد اكد هذا الخطاب على الاستمرار في مواصلة النهوض باوراش التنمية والتحديث لتوفير ظروف العيش الكريم لجميع المواطنين واينما كانوا في ظل الوحدة والامن والاستقرار.
ـ  سيكرس هذا الخطاب اسلوبا جديدة  ومقاربة جديدة في تتبع المنجزات التنموية وقياسها  لمعرفة انعكاساتها وأثارها المباشرة على المستهدفين  من المستويات الاجتماعية كافة وهم عموم المواطنين لاسيما الفئات المهمشة.
ـ لقد غطى هذا الخطاب  مجمل انواع التحديات التي تواجه المغرب وفق مقاربة شمولية ممنهجة ، من ضمن اولوياتهااستخدام  اسلوب علمي جديد مبني على اسس منهجية علمية واضحة وفقا لبيانات احصائية ذات دقة وكفاءة عالية.
ـ الالمام العميق والإطلاع  الكبير لقائد البلاد الملك محمد السادس  بأدوات التحليل الاقتصادي الحديث  وعمق رؤيته الواسعة للتنمية وإعطائها زخما جديدا ونوعيا ،  ودعوته الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين وهيئات المجتمع المدني التفكير في طرح سؤال الثروة ومدى تحققها.
–  القيام بدراسة لقياس القيمة الاجمالية للمغرب لفترة 15 سنة  من  خلال رؤية شمولية للتنمية تاخذ بالاعتبار العنصر البشري وقياس اثر ما تحقق على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والبشرية  والثقافية لرسم  خارطة طريق  مستقبلية  تحقق والتوازن والعدالة الاجتماعية.
–  واخيرا فانه مما لا شك فيه سيوجد هذا الخطاب دينامية جديدة وحراكا في المجتمع المدني المغربي عند اي انكباب في دراسة التحديات التنموية التي تواجهها الامة   مما سيمكن من الاجابة على  التساؤلات الجوهرية التي طرحها خطاب العرش بخصوص خلق  الثروة ومدى استهدافها المكونات الاجتماعية الدنيا عموديا وافقيا  واستفادة الجميع من ثروات بلدهم.
*باحث وكاتب من لبنان